مسيحيو الشَّرق... أُصلاء!

بقلم: رشيد الخيّون

اُستهل العام الجديد 2011 بمجزرة طالت أقباط مصر، ونالت مِنْ كنيسة القديسين، والفعل ليس منعزلاً عما جرى بالعِراق، حيث الوجود المسيحي الأقدم. نشأت المسيحية بمصر والعراق خلال القرن الميلادي الأول (تاريخ الكنيسة القبطية للقس يوحنا وتاريخ الكنيسة الشَّرقية للأب أبونا). دخلت مصر قرابة العام 60 ميلادية، وقبلها زارتها العائلة المقدسة وتركت أثرها، وبالعِراق بحدود 100 ميلادية، انتشرت بين سكان البلدين الأقباط، أهل مصر القدماء، والبابليين والآشوريين أهل العِراق القدماء أيضاً.

لهذا ليس مجانبة للواقع إذا صرح أحد الرُّهبان، رداً على تهميشه وتقصد قومه بالتَّفجيرات والزَّوال عن البلاد، بأنهم الأصليون، وربما في انفعال تفسر مثل هذه الرُّدود على أنها إساءة للآخرين، وبالتَّالي ترفع رايةً للتَّحريض ضدهم، لتذكيرهم أنهم مجرد جوالي، أي جاليات عابرة وليسوا أُصلاء. لكن هل يستوجب، هذا التَّذكير، الإبادة وإخلاء الأوطان منهم!

أُذكر بتسمية هؤلاء بالجوالي، وبرقعة رئيس ديوان الجوالي ببغداد ابن فضلان (ت 632 هـ)، إلى الخليفة النَّاصر لدين الله (ت 622 هـ) يحرضه فيها على التَّضييق على أهل الكتاب، ومنعهم مِنْ ممارسة الطِّب والعمل بالدَّواوين، وأن يُترك بمعاملتهم المذهب الحنفي، وهو أكثر المذاهب انفتاحاً على أهل الأديان (راجع الرقعة كاملة في الحوادث الجامعة والتَّجارب النَّافعة)، مثلما أُذكر أيضاً بحلم ولي الأمر آنذاك. طلب ابن فضلان من الخليفة تطبيق الآتي برعيته مِن غير المسلمين: جعل "في أعناقهم الجلاجل، ونصب الصُّور والخشب على أبوابهم، لتتميز بيوتهم عن بيوت المسلمين. وأن لا يستوي بنيانهم ببنيان المسلمين... وأما النَّصارى فلبس الثِّياب الدَّكن والفاختية، وشد الزَّنانير على أوساطهم، وتعليق الصُّلبان على صدورهم..." (نفسه). لكن الخليفة أشاح بوجهه عن رقعة ابن فضلان. كان ذلك في القرن السَّابع الهجري، بينما يُطالب مَنْ يُطالب بتطبيقها في القرن الخامس عشر الهجري، ولكم قياس توقف الزَّمن!

أقول: إن مثل هذا التَّحريض، الذي يبثه المتشددون اليوم بقوة، ما كان له أن يتحول إلى ناسفات للكنائس لولا الإعلام المحرض. قال ابن فضلان وغيره الكثير مِنْ قبل، لكن الأمر ظل محصوراً تحت أعواد المنابر، ولا يجد صداه أبعد مِن ذلك. أما اليوم لو كتب أحدهم مثل هذا التَّحريض إلى ملك من الملوك أو رئيس من الرؤساء، فسيجد صداه في أقصى الصين بطرفة عين، عبر آلة الإعلام الهائلة، وهي مثلما نراها غدت أسرع مِن الصوت، فما كان يسمعه المائة والألف، في أكثر تقدير، سيسمعه الملايين في مجاهل الأرض.

عاش المسيحيون مع المسلمين لأكثر من ألف وأربعمائة عام، وكان الأقباط، الذين احتفظوا بأرثوذكسيتهم رغم حملات التبشير الكاثوليكية -مازالوا يخالفونها بميلاد المسيح، حيث التَّقويم الشَّرقي، في السَّابع من يناير بدلاً من 25 ديسمبر- هم أول من نصر الإسلام، ذلك إذا علمنا أن نجاشي الحبشة كان على مذهب الكنيسة القبطية، وما زال أغلب الأحباش على هذا المذهب، كذلك استقبل مقوقس مصر، وهو رئيس الأقباط المسيحيين الرِّسالة النَّبوية، وقصة السَّيدة مارية بنت شمعون (ت 16 هـ)، وأختها سيرين التي زُوجت لشاعر الإسلام حسان بن ثابت (ت 55 هـ) مشهورة.

عند قراءة التَّاريخ تجد على مدى الدهور للأقباط دوراً في بناء مصر، وفي علاقاتها مع الخارج، فكلما حدثت أزمة مياه في النيل، المشترك مع إثيوبيا، كانت الكنيسة القبطية هي السباقة لحل الأزمة، وخاصة في أعوام القحط والمجاعات (قاسم، أهل الذمة في مصر العصور الوسطى)، وخلال الحروب الصليبية عانى الأقباط مثلما عانى بقية المصريين، بسبب اختلاف المذهب، وبسبب تمسكهم ببلادهم، فكم هو جاهل في التَّاريخ من يريد أخذ ثأر الحروب الصَّليبية مِنْ أقباط مصر أو مسيحيي العِراق (راجع تاريخ الكنيستين)!

عاش المسيحيون بمصر والعِراق وبقية البلدان ذات الأغلبية المسلمة، عبر التَّاريخ، السَّراء والضَّراء، يعتمد هذا على عقلية الوالي أو الخليفة، فمنهم من التفت إلى المواطنة والوحدة الإنسانية، وسمع ما وصى به علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ) واليه على مصر مالك الأشتر (اغتيل 37 هـ): "ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخَلق" (نهج البلاغة)، والعبارة الأخيرة وصية في الأقباط فهم النُّظراء في الخَلق. ومن الولاة والخلفاء من تعصب وأخذ برأي مثل رأي ابن فضلان السابق الذِّكر. وتجد بينهم عبدالله المأمون (ت 218 هـ)، الذَي قَبل الأديان والمذاهب كافة في مجلسه، بما فيهم المانوية، والنَّاصر لدِّين الله الذَّي عرض عما يريده رئيس الجوالي برعيته من غير المسلمين، وتجد بينهم القاهر بدين الله (ت 329 هـ)، الذَّي سمح لمحتسبه أن يصدر فتوى لقتل أهل دِين بكاملهم (البغدادي، تاريخ بغداد)، والحمد لله لم تنفذ. لكن لا يجب أن تتحمل الشُّعوب ما حصل عبر التَّاريخ من موجعات، فالغوغاء عادة تهيج وتسكن بأمر الرُّؤساء.

هناك شر يجدح من عيون المتعصبين الإسلاميين، وهو ذروة ما وصله الإسلام السياسي بعيداً عن الاعتدال، وفي حالة مصر يشعر المراقب أن ما حصل للأقباط في مجزرة الكنيسة كان مبيتاً، ربما نكاية بتأييد كنسي للسُّلطة القائمة بمصر، هذا ما صرح به علانية أحد رموز الإسلام السِّياسي المصري عبر برنامج في إحدى القنوات التي تدعي (الاعتدال)، كان برنامجاً تحريضياً، فيه تهديد ظاهر، فالتَّصريح بوجود أسلحة داخل الكنائس، لاستخدامها بحرب ضد المسلمين، وأنها قادمة مِنْ إسرائيل، وأنهم احتجزوا زوجة الكاهن التي أسلمت -الكنيسة ترد لم يحدث هذا- لا يعني سوى الحرب على الأقباط، وها نحن نرى أن المتطرفين يعبثون بالدماء بلا تحريض!

أقول: من المخجل حقاً أن تبث مثل تلك التَّحريضات، التي تتحول إلى متفجرات، فيما التَّطرف يتصاعد، وضحيته أولئك المتشبثون بديارهم، وهم فيها كانوا وما زالوا أسباب رقي وحضارة، الأُصلاء في الحقيقة لا المجاز، أما أدوات الموت، الانتحاريون أنفسهم وهم ضحايا أيضاً، فأخبرهم فقهاء الإسلام السياسي أن لهم الجنة!

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com