مسلمُو فرنسا يستقبلون رمضان بالطّلاق بالثّلاث

باريس - من حبيب طرابلسي
بوبكر وموسوي ... بخلفيات قُطريّة

تعصف أزمة مُزمنة بأبرز الهيئات الممثّلة لمُسلمي فرنسا، التي تعيش حالة من التّشرذم تصاعدت حدّتها الأربعاء الماضي باستقالة "مسجد باريس الكبير" ـ الذي اعتُبِر لعدة عقود الممثّل الفعلي للإسلام في فرنسا ـ من ادارة "المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية"، الهيئة التمثيلية للإسلام لدى السلطات العامة، والتي يتّهمها إمام المسجد، دليل بوبكر بـ"التفرّد بالحُكم".

فقد طفت من جديد على السّطح المُناورات والمُنافسات بين "المسجد" و"الإتّحاد" و"المجلس"، مع سعي كل طرف للتحكّم في تسيير شؤون المُسلمين من أصول مغاربيّة، المُكوّنة لـ"مُسلمي فرنسا" المقدّر عددهم بحوالي ستة ملايين مسلم، على الرغم من عدم توفّر إحصاءات دقيقة لأنه يُمنع في فرنسا إحصاء الأشخاص على أساس انتمائهم الديني.

"التفرّد بالحُكم"

قال إمام مسجد باريس، دليل بوبكر ـ الذي كان أول رئيس للمجلس الفرنسي للديانة الاسلامية والمقرّب من السّلطات الجزائرية ـ أن "سوء التّسيير الذي يقوم به المجلس والتفرّد بالحُكم هما أبرز الأسباب التي أرغمت مؤسّستنا على اتخاذ هذا القرار". وأعلن عن انسحاب ممثّلين اثنين لمسجد باريس من المكتب التنفيذي لهذه الهيئة التي تعد 15 عضوا.

لكن بوبكر ـ وهو الرئيس الفخري للمجلس الفرنسي للديانة الاسلامية ـ لم يُوضّح ما اذا كان هو شخصيا معنيا بهذا الإجراء الذي فاجئ على ما يبدو مجلس ادارة المسجد الكبير الذي أكّد أنه "لم يُبلّغ بهذا القرار".

وأعرب رئيس المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية، محمد موسوي، المقرب من المغرب، عن "دهشته من القرار الفظّ الذي اتّخذه دليل بوبكر من دون تشاور مسبق". وأكد موسوي في حوار مع صحيفة لوفيغارو بأن "الرّسالة وصلت" وأنه يعي ‏‏"خطورتها" وسوف تكون "في صلب اجتماع المكتب التنفيذي للمجلس" في التاسع عشر من يوليو/ تموز.

لكنه دحض نقطة بنقطة انتقادات بوبكر وأكّد على أن "المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية سوف يواصل طريقه" ‏الذي تتخلُله أزمات متتالية منذ تأسيسه ‏سنة 2003 برعاية من نيكولا ساركوزي، الذي كان آنذاك وزيرا للداخلية.

ثلاثة أسباب لـ"الطّلاق"

يعتقد الكاتب جون- ماري جينوا في صحيفة "لو فيغارو" أن "الطّلاق" بين "المسجد" و"المجلس" يعكس وجها من أوجه الصراع الخفي الذي تعيشه كل من الجزائر والمغرب دبلوماسيا بسبب ملف الصّحراء العالق بين الطرفين لعقود.

ويوجز الكاتب الخلاف بين هاتين الهيئتين في ثلاث نقاط:

"أولا، نظام قياس المساجد على أساس المتر المربّع الذي يشكّل أساس تمثيليّة منتخبي المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية"، أي أن مساحة أماكن العبادة تُحدّد عدد المندوبين الى المجلس، وبالتالي فإن الجهة التي تملك أوسع المساحات تستطيع السيطرة على المجلس. ويطالب بوبكر منذ سنوات بتغيير طريقة الانتخاب.

"ثانيا، هيمنة المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية، وثالثا هيكلة المجلس: فمسجد باريس واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ـ الذي يُعتبر امتدادا للإخوان المُسلمين ـ يريدان مجلسا متواضعا و أن يحتفظا بالتّحكّم في تسيير المجلس، في حين أن المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية تحوّل، مع الوقت، إلى الهيئة التمثيلية لإسلام فرنسا، المعترف بها والأكثر شهرة".

الاستقلال عن كلّ وصاية أجنبية

ويعتقد المراقبون أن هذا التّشرذم والتشتّت لن يمكّنا المسجد والإتّحاد والمجلس من مخاطبة السّلطات الحكوميّة بصوت واحد، كما هو حال باقي الأديان في فرنسا.

وكان وزير الداخلية المكلف بالأديان، مانويل فالس، قد أعرب مؤخّرا عن أسفه لـ"الانقسامات ‏والحسابات الشخصية والتّنافس" داخل المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية وأعرب عن أمله في "أن ‏يكون مكرّسا فقط للمسائل المتعلقة بالديانة".‏

ودعا فالس المسلمين إلى "وضع الاختلافات فى ممارسة الديانة الإسلامية جانباً من أجل إقامة '‏إسلام فرنسى'‏ خال من تأثيرات بلد المنشأ، وتكون جذورة منحدرة فى فرنسا". كما دعا إلى "تجاوز الانقسام والمنافسة والأنانية التى طالما وقفت سداً أمام إقامة حوار حول أمور العبادات".

وعلى الرغم من اعترافه بأنها "مسألة صعبة على المستوى المالى والقانونى والاجتماعى" إلا أنه شدد على "ضرورة إعادة النظر فى تنظيم دور العبادة"، مؤكداً أن "الشوارع ليست الأماكن المناسبة للصّلاة". كما شدد على أهمية تدريب الأئمة وتوحيد خطابهم منعاً لظهور تقاسمات دينية.

‏وأضاف الوزير "لا يوجد مكان في فرنسا للجماعات المتشددة ودعاتها الذين يريدون استيراد الكراهية والانقسام". ‏

وكان الوزير يتحدّث إلى الطائفة المسلمة، لأول مرة منذ توليه مهامه الجديدة، بمناسبة الافتتاح الرسمي يوم الجمعة 6 يوليو لـ"المسجد الكبير" فى مقاطعة سيرجى (غرب باريس) الذي يتسع لـ1500 من المصلين ‏ويتوفر على مركز ثقافي وقاعة لتناول الشاي وقاعة جنائزية وفصول دراسية.

وحضر الافتتاح الرسمي محمد موسوى. كما زار فالس المسجد الكبير في باريس واجتمع بالإمام دليل بوبكر.

وكان عمدة مقاطعة سيرجى، دومينيك لوفيفر، الذي ينتمي للحزب الاشتراكي، هو الذي أقنع الوزير فالس بـ"أهمية مخاطبة المسلمين قبل أيام قليلة من بداية شهر ‏رمضان"، بحسب لو فيغارو.