مسلمو اوروبا يزدادون حرصا على المشاركة السياسية

فيينا
مرورهم بقي الى اليوم عابرا في الحياة الاوروبية

شهدت السنوات الأخيرة نمواً ملموساً في حجم مشاركة المواطنين المسلمين في أوروبا في الحياة السياسية المحلية. وقد تجسد الأمر في اكتراث المسلمين المتزايد بثقلهم الانتخابي بعد أن كانوا لا يبالون بالمعارك الانتخابية من قبل.
وتزامنت الجولات الانتخابية الأخيرة في عموم أوروبا مع إقبال عناصر مسلمة ناشئة في المضمار السياسي على الترشيح على القوائم الانتخابية للطيف الحزبي، بينما نزع بعض المسلمين إلى تكوين أحزاب سياسية خاصة بهم أو بتجمعات المهاجرين في مسعى لإثبات حضور صعب في المعادلة السياسية المحلية.
وخلافاً لما قد يتصوره بعض المراقبين؛ فإنّ التحولات التي أعقبت حوادث واشنطن ونيويورك قبل أكثر من أربعة أشهر من شأنها أن تشكِّل حافزاً إضافياً يشجع مسلمي أوروبا على المشاركة في الحياة السياسية باهتمام أكبر. فالوعي بأهمية المشاركة السياسية هو ردّ الفعل المتوقع لشعور المسلمين بأنّ شأنهم أصبح "مادة للاهتمام السياسي المحلي" أكثر من ذي قبل.
كما أنّ المؤشرات التضامنية التي تلقّاها المسلمون في أعقاب الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، والتي صدرت عن قمة الهرم السياسي في معظم البلدان الأوروبية؛ ستمنحهم ثقة إضافيةً بإمكانية تعزيز حضورهم في الحياة العامة، بما في ذلك المجال السياسي.
وإذا كان منحَى اهتمام المسلمين بالمشاركة السياسية في أوروبا لم ينشأ مع انعكاسات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر؛ نظراً لكونه تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة؛ فإنّ تداعيات الأزمة التي خلفتها حوادث مانهاتن ستجعل المسلمين أكثر قناعة بجدوى توظيف ثقلهم الانتخابي لترجيح القوى السياسية التي تلبي طموحاتهم على حساب غيرها.
ومن المتوقع أن تُدرِك المؤسسات الإسلامية، والشخصيات المسلمة الناشطة، هذا التحوّل التراكمي بالشكل الذي يجعلها تبدي اهتماماً أكبر بالاستعداد للحملات الانتخابية المقبلة على كافة المستويات والقطاعات، وهي ستأمل في تجاوب عريض من القاعدة المسلمة الناخبة يكون أكبر مما عرفته من قبل، وفي استعداد كبير للتعاون من جانب بعض الأحزاب السياسية.
وتتحدث المؤشرات عن أنّ الشأن الإسلامي قد يتحول إلى مادة لحملات انتخابية مقبلة في أكثر من قطر أوروبي، وهو ما سيزيد من وتيرة تفاعل المسلمين مع هذه الحملات لتعزيز مواقع المعسكرات السياسية الأقرب إليهم، وتفويت الفرصة على المناهضين لوجودهم وحقوقهم.
وبينما ستزداد، على الأرجح، مشاركة المسلمين في الحياة السياسية حجماً شيئاً فشيئاً؛ فإنّ التفاعل السياسي للمسلمين، الذين يزيد عددهم عن العشرين مليوناً في الاتحاد الأوروبي وحده، قد يشهد في الوقت ذاته تطورات في صوره وفي مضمونه أيضاً، خاصة مع الأولويات والأطروحات الجديدة التي أفرزتها أزمة ما بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001.
بيد أنّ تفاعل مسلمي غرب أوروبا ووسطها مع الحياة السياسية لا يتم دوماً انطلاقاً من التفاهم بين الفئات القومية والعرقية واللغوية للمسلمين في البلد الواحد، بل كثيراً ما يترشح نائب مسلم عن دائرة انتخابية؛ على أمل الحصول على أصوات من ينتمون إلى بلده الأصلي خصوصاً. ورغم أنّ هذا المنحى يبدو "واقعياً" وليس سلبياً بالضرورة؛ فإنه من الصعب النظر إلى عدد النواب الذين ينتمون إلى الأقليات المسلمة في البرلمانات الوطنية والمحلية، فضلاً عن البرلمان الأوروبي ذاته، بوصفه، وحده، انعكاساً لحجم حضور المسلمين في الحياة السياسية في البلدان الأوروبية. فالحكم الأدقّ ينبغي أن يراعي أيضاً أداء النواب وكفاءتهم وانسجامهم مع مطالب القاعدة الانتخابية المسلمة وتوجهاتها في القطر الأوروبي المعني. كما أنّ حضور المسلمين في الحياة السياسية مرتبط أيضاً بمؤشرات أخرى عديدة، من بينها عدد من يحظى بدعمهم التصويتي من النواب، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني.
وعند التأمل في الاهتمامات السياسية للمؤسسات الإسلامية في أوروبا يلاحظ المرء تركيزاً متزايداً على الملفات الداخلية الخاصة بواقع مسلمي أوروبا، مع تحاشي التوسع في تناول القضايا الكبرى للعالم الإسلامي، لأسباب عديدة من بينها ترتيب الأولويات وفق متطلبات الواقع الأوروبي واجتناب الغوص في ملفات شائكة دون جدوى فعلية.
ولكن هذا الميل لا يتفق بالكامل، على ما يبدو للمراقب، مع اهتمامات الجمهور المسلم الأوروبي، الذي يتابع في عمومه مجريات الأمور في العالم الإسلامي بشكل متزايد وحي عبر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، بل وبات بعض مسلمي أوروبا مهدداً بالعزلة عن السياق المحلي والاهتمامات السياسية في البلاد التي ينعمون بمواطنتها مع الانفصام الإعلامي الذي أحدثته ثورة الاتصالات. (ق.ب.)