مسلمو أميركا بعد أربع سنوات على 11 سبتمبر

بقلم: علاء بيومي

لو حاولنا أن نلخص - في كلمات قليلة - تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 – في ذكراها السنوية الرابعة - على مسلمي أميركا لقلنا أن 11/9 لم تتمكن من وقف مسيرة مسلمي أميركا الكفاحية الطويلة نحو الاندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي.
فعندما ننظر لمسلمي أميركا - بعد مرور أربع سنوات طويلة وصعبة تخللتها أحداث هزت العالم عامة والمجتمعات الغربية خاصة كحرب العراق وتفجيرات لندن ومدريد – نجد أنفسنا أمام أقلية أميركية رفضت الاستسلام للضغوط السلبية العديدة المحيطة بها.
نجد أنفسنا أمام أقلية مسلمة أميركية أكدت بشكل متكرر لا يترك مجالا للشك إصرارها على استكمال مسيرتها نحو الاندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي، اندماج يحفظ لها هويتها الدينية ويساعدها على الاستفادة من كل ما توصلت إليه الحضارة الأميركية من تقدم على كافة المستويات.
أقلية حاولت أقصى طاقاتها استخدام ما يتوافر لها من موارد سياسية وإعلامية وتنظيمية محدودة نسبيا لإيصال موقفها الرافض للعزلة والتهميش للمجتمعين الأميركي والدولي.
حيث وقفت الغالبية الكاسحة من المسلمين الأميركيين – سبعة ملايين نسمة ممثلين من خلال أكثر من 2500 مؤسسة مدنية متنوعة – خلال السنوات الأربعة الأخيرة موقفا صريحا ضد الإرهاب والعنصرية والتمييز والحرب وضد التأليب الديني والعنصري، ومع التعددية والتسامح والحريات والسلام والأمن داخل الولايات المتحدة وعبر العالم، وعبرت عن موقفها هذا بسيل لا يحصى من البيانات الرسمية والأنشطة الجماهيرية والمبادرات الإعلامية والسياسية والقانونية.
فالخطاب السائد في أوساط مسلمي أميركا اليوم وبعد أربع سنوات صعبة وطويلة هو خطاب اندماجي يرفض العزلة والانكفاء على الذات، كما يرفض الذوبان والتنازل عن الهوية والمصالح المسلمة.
خطاب يطالب مسلمي أميركا بتحدي أنفسهم والظروف المحيطة وبتخطي الفترة الحالية الصعبة، بل ويطالب المسلمين الأميركيين بعدم الاكتفاء بمواجهة التحديات العديدة الخطيرة التي تهددهم وتهدد أوضاعهم وتخطيها للدفاع عن القضايا التي تمس مصالح وحياة المواطن الأميركي بشكل عام.
لذا يندر - وربما يستحيل العثور - على منظمة أو تجمع مسلم أميركي معروف وذي مصداقية داخل أوساط مسلمي أميركا خرج عن الخطاب السابق.
الحقائق السابقة أكدتها الإحصاءات العلمية القليلة التي أجريت عن توجهات مسلمي أميركا نحو الاندماج بالمجتمع الأميركي قبل أحداث سبتمبر – كمشروع دراسة توجهات قادة المساجد بالولايات المتحدة والذي أشرف عليه مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في أوائل عام 2001 – أو بعد أحداث سبتمبر – كالإحصاءات التي أصدرها مشروع المسلمين الأميركيين في الساحات العامة والذي تشرف عليه جامعة جورج تاون الأميركية العريقة.
حيث أكدت الدراسات السابقة بشكل متكرر أن مسلمي أميركا يجمعون بمعدلات تفوق نسبة 90% على ضرورة الانخراط الإيجابي في المجتمع الأميركي من خلال المشاركة في شتى مؤسساته المدنية والسياسية، ومن خلال السعي للبحث عن – والبناء على - نقاط التقارب الثقافي والحضاري بين الإسلام والحضارة الأميركية الغربية.
ولو حاولنا تفسير هذه الظاهرة وموقف المسلمين الأميركيين الرافض للعزلة والتهميش على الرغم من كل الضغوط التي قد تدفعهم في ذلك الاتجاه السلبي لوجب علينا الإشادة بمجموعتين رئيسيتين من العوامل أسهمتا في ذلك، المجموعة الأولى داخلية ترتبط بخصائص مسلمي أميركا أنفسهم والمجموعة الثانية ترتبط بخصائص المجتمع الأميركي ذاته.
فالواضح أن قوانين الهجرة الأميركية - والتي تعد أداة هامة في يد الحكومة الأميركية لاستقدام الخبرات العلمية التي يفتقد لها سوق العمل الأميركي من شتى أنحاء العالم - استقدمت لأميركا خلال العقود الخمسة الماضية موجات متدفقة من المهاجرين المسلمين من أصحاب الخبرات العلمية والأكاديمية المرتفعة، وهو أمر أثرى المجتمع المسلم الأميركي بشكل فريد.
لذا عندما ننظر للأقلية المسلمة الأميركية اليوم نجد أنفسنا أمام أقلية ناشئة تمتلك مقومات نهضة عديدة على رأسها ارتفاع المستوى التعليمي والثقافي لغالبية أعضائها.
أضف إلى ذلك دور عدد يصعب إحصاءه من القيادات المسلمة التي ضحت بجهدها وبأموالها وراحة بالها من أجل العمل على بناء مؤسسات المسلمين بالولايات المتحدة، وبغض النظر عن أي نقائص قد تعتري هذه القيادات بحكم كونها أجيال مؤسسة لمنظمات المسلمين في أميركا يعتريها ما يعتري الآباء المؤسسين لأي كيان اجتماعي من عيوب كقلة الخبرة وضعف التنظيم إلا أن التاريخ لا بد وأن يسجل لهذا الجيل دوره الريادي التأسيسي والذي لولاه لما تمكن المسلمون الأميركيون من الوصول إلى أي وضع متقدم قد يحتلونه في المجتمع الأميركي في الفترة الحالية أو في المستقبل.
السبب الثالث لقوة مسلمي أميركا الداخلية هو الجنود المجهولون بأي مجتمع والمسئولون كل نجاح كبير يحدث له وعن كل جيل مسلم أميركي جديد متفوق ناجح، وذلك دون أن يعرفهم أحد ودون أن تسجل كتب التاريخ أسمائهم، وتضم هذه الفئة كل أم مسلمة أو أب مسلم حرصوا على تنشئة أولادهم تنشئة علمية ودينية وعملية ناجحة في ظروف المجتمع الأميركي المليئة بالتحديات للشباب المسلم الناشئ، وكل مسلم أو مسلمة مجد في علمه يقود بالمثال الإيجابي وليس بمجرد الحديث، وكل من على شاكلة هؤلاء.
السبب الرابع - وليس الأخير – هو طبيعة الاندماج الذي يسعى المسلمون الأميركيون إلى تحقيقه، فالتيار العام المعبر عن مسلمي أميركا ومنظماتهم يؤمن وينادي بالاندماج الإيجابي الذي يحفظ لمسلمي أميركا هويتهم ويدفعهم في ذات الوقت إلى الانخراط بكل طاقتهم في شتى مؤسسات وقضايا المجتمع الأميركي، حيث يرفض هذا التيار وجود تناقض بين إمكانية أن يكون الفرد مسلما حريصا على دينه وعلى قضايا أمته الإسلامية وأميركيا محبا لوطنه ومدافعا عن قضاياه ومصالحه الحقيقية في آن واحد.
وجود وانتشار هذا الفكر الوسطي الإيجابي في أوساط مسلمي أميركا مثل أقوى درع لحماية المجتمع المسلم الأميركي أمام محاولات تهميشه وعزله القادمة من داخلة أو من خارجه.
المجموعة الثانية من الأسباب التي ساعدت مسلمي أميركا على رفض القوى الساعية لعزلهم تعود للمجتمع الأميركي ذاته، ذلك المجتمع الذي وصل خلال فترة قصيرة من الزمن إلى مستوى حضاري وإنساني ريادي.
فمسلمو أميركا يستفيدون اليوم بثمار تجارب كفاح خاضتها جماعات أميركية عديدة – نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر حركة الحقوق المدنية وجماعات السلام والأقليات الأميركية الدينية والعرقية الأقدم والعديد من الجماعات الليبرالية المختلفة - الجماعات السابقة خاضت على مدى التاريخ الأميركي معارك عديدة لتصل بالمجتمع الأميركي للمستوى الذي وصل إليه اليوم من التحضر والقبول بالآخر واحترام الحقوق والحريات المدنية.
ولولا كفاح هذه الجماعات والتغيرات التي أدخلتها على المجتمع لكان وضع المسلمين في أميركا اليوم - وبعد مرور أربع سنوات على أزمة بحجم محنة الحادي عشر من سبتمبر - مختلف لدرجة بعيدة.
أضف إلى ذلك حقيقة هامة يشار إليها تكرارا عند الحديث عن خبرة اندماج الأقليات الدينية الأميركية، وهي تتعلق بالفصل الأميركي للدين عن الدولة، وهو فصل أدى – كما يرى عديد من المؤرخين – إلى تقوية الدين في الولايات المتحدة لا إضعافه.
فعدم تدخل الدولة الأميركية في أمور الدين أدى إلى تقوية المؤسسات والتجمعات الدينية بشكل غير مسبوق لأنه أعطي هذه الهيئات كل الحرية للعمل والحركة داخل المجتمع المدني الأميركي، كما أنه دفع المؤسسات الدينية للاعتماد على الذات وعدم الاتكال على دولة تحميها وتدعمها.
وقد أدى هذا إلى تقوية المؤسسات الدينية الأميركية المختلفة بعد أن علمها الاعتماد على النفس، وبدون شك استفاد المسلمون الأميركيون من هذه الخبرة، فلدى المسلمون الأميركيون اليوم أكثر من 2500 مؤسسة مدنية مستقلة تكافح من أجل البقاء واجتذاب الأعضاء والنمو معتمدة على الذات.
بقى لنا أن نشير إلى أن خبرة مسلمي أميركا نحو الاندماج الإيجابي بالمجتمع الأميركي لا تمر بدون تحديات، يأتي على رأسها تحديان رئيسيان، التحدي الأول خارجي قادم من القوى العنصرية الواقفة خلف حوادث الاعتداء على حقوق وحريات مسلمي أميركا ومساعي تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وهي قوى مازالت في صعود خلال السنوات الأخيرة مستفيدة من عوامل عدة قد ترتبط أو لا ترتبط بالصراعات الدولية الراهنة.
ويكفي أن هنا أن نشير إلى أن الإحصاءات الخاصة بحقوق مسلمي أميركا المدنية تؤكد زيادة حوادث التمييز ضد مسلمي أميركا بنسبة 400% خلال الفترة 2001-2004 وفقا للتقارير السنوية الصادرة عن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير).
كما تشير الاستطلاعات الخاصة بموقف الرأي العام الأميركي تجاه الإسلام إلى أن 40% من الشعب الأميركي ينظرون نظرة عامة سلبية تجاه الدين الإسلامي وهي بدون شك نسبة مرتفعة على الرغم من تحسن نظرة الأميركيين للإسلام خلال العامين الماضيين كما تشير أحدث الإحصاءات الخاصة بذلك.
الأمر الذي يشير إلى حجم التحدي الكبير الذي ينبغي على المسلمين الأميركيين مواجهته.
التحدي الثاني هو حقيقة أن مسلمي أميركا لم يترجموا حتى الآن رغبتهم العارمة في المشاركة في مؤسسات المجتمع الأميركي المدنية والسياسية إلى مستوى عالي من المشاركة الفعلية، فالرغبة في المشاركة قائمة والعزلة مرفوضة بالإجماع.
ولكن المشاركة الفعلية والتواجد بالمراكز القيادية داخل مؤسسات المجتمع الأميركي لم تتحقق بالشكل المناسب حتى الآن، خاصة أن المشاركة المناسبة لن يتحقق إلا بوجود جيل كامل من القيادات المسلمة الأميركية الناشطة في مختلف مؤسسات المجتمع الأميركي وعلى كافة المستويات.
وقد تحدث طفرات وتجد هذا المسلم الأميركي أو ذاك في موقع قيادي سياسي أو إعلامي أو مدني ما، ولكن نجاح هذا الفرد لا ولن يعد علامة على وصول مسلمي أميركا لمستوى المشاركة التي يرغبون في الوصول إليها.
فهذا الأمر يحتاج – كما أشرنا من قبل – لجيل كامل من القيادات المسلمة المؤهلة والناجحة، وهو ما يعني أن طريق المسلمين الأميركيين نحو الاندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي هو طريق كفاحي طويل كما ذكرنا في مقدمة هذا المقال. علاء بيومي – مدير الشؤون العربية بكير