مسرح الطفل إلى أين؟

ندرة الاعمال المسرحية الجادة

الطفل هذا التكوين العمري المهم في بناء المجتمعات ورقيها والذي يساهم في إعداده العائلة والمجتمع والدولة. اما أن يكون عنصرا فاعلا انسانيا مفيدا أو شريرا ذا نزعة عدوانية انانبة, والشعوب المتحضرة تضع في أولوياتها هذه المهمة الصعبة والعسيرة من خلال خططها المرحلية والإستراتجية وترصد الأموال اللازمة لتحقيق هذه الغايات.

لكن يبدو أننا لم نعِ أهمية اعداد الطفولة بالشكل الصحيح والمنهجي والعلمي من خلال التخبط وضعف الرؤية لمستقبل اجمل وافضل لهم, ومن وسائل هذا الاهتمام هو مسرح الطفل لأن "مسرح الأطفال أعظم اكتشافات القرن العشرين" كما أكد الكاتب الاميركي مارك توين. تلك الوسيلة والغاية التي تغني العقول وتهذب النفوس وتخلق جيلا واعيا يستطيع أن يواكب التطور الحياتي السريع الذي يشهده العالم المعاصر. وفي العالم العربي كانت بداية المسرح جدا متأخرة مقارنة بالعالم في اوروبا واميركا ربما كان هذا لأسباب اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية.

فكانت حكايات خيال الظل شكلا من أشكال الشخصيات المتحركة العرائس وقد مثلت أول بداية لمسرح الطفل في القرن السابع الهجري ويرجع الفضل في نشأة هذا الفن إلى ابن دانيال الموصلي.

في البداية كان الإنسان يستخدم اللاعبين بخيال الظل لأنه كان مجرد حاجز من الخشب يكون فاصلا بين المشاهدين والخياليين، وقد كان هذا الحاجز مرتفعا فوق الأرض وقريبا من السقف. وهذا أتاح الفرصة لظهور فن آخر للعرائس وهو فن "الكركوز" وجميعا نتذكر في العراق انور ريحان وزميله وهم يطلون علينا من خلال الشاشة الفضية وليس من خلال المسرح.

لقد أصبحت هذه الفنون تقدم مجالا جميلا للضحك والمتعة والجمال إلى كل من الكبار والصغار وخصوصا الأطفال الذين كانوا ينجذبون إليها فتجعلهم يعيشون كلا العالمين. لكن لم يصل لغاياته المثلى في خلق النموذج الايجابي للانسان ودوره الانتاجي في الحياة.

وفي لمحة سريعة لتاريخ هذا المسرح، كان هذا الفن يندرج تحت اسم "مسرح العرائس" الذي ظهر قديماً عند الفراعنة، وأيضاً الإغريق الذين كانوا يلقِّنون الجند فن المحاكاة، وتمثيل أدوار تمثيلية تتعلق بالمروءة والفضيلة والشجاعة والدفاع عن الوطن. وكذلك الصينيين الذين تفننوا فى تمثيليات خيال الظل، ونقلها عنهم المغول وحملوها إلى العراق التي غزوها، ثم ظهر هذا الفن على يد الحكيم شمس الدين بن الخزاعي الموصلي الذي نزح إلى القاهرة، ثم وصل هذا الفن إلى تركيا عام 1517 في عهد السلطان سليم الأول، لينتشر لاحقاً في أوروبا.

ورفض المفكر الفرنسي جان جاك روسو مبدأ التعليم والتلقين عن طريق الكتب وشجع التعلم عن طريق اللعب والحركة واستخدام الحواس، ودعا إلى استخدام تلك الأساليب فى كتابه "إميل". واستفاد منه المسؤولون عن التربية، فتعلم الأطفال وقتذاك وشجع على تأسيس مسرح للطفل للتعلم والإبداع وللتربية التي تربي جيلاً يعتمد على الابتكار والتنويروالتنوع دون الحفظ والتلقين التقليدي المباشر.

تلقى اليابانيون هذا الفن باهتمام شديد، وأعادوا اكتشافه على طريقتهم الخاصة، وعملوا على تطوير أدواته وأفكاره حتى أصبح له كيان مستقل. يعمل بشكل دؤب لمصلحة الطفل ولعل بيتر شومان في مسرحه الذي يسمى بمسرح "الدمى والخبز" هو أشهر المخرجين المعاصرين الذي يعتمد على مسرح العرائس / الدمى.

وظل المجتمع العربي غير مهتم بهذه الشريحة اقصد شريحة الطفولة ومناهج تطورها، ومنها الفن المسرحي وبالتخصيص مسرح الطفل لمسرح الطفل وسائله الفريدة للوصول الى عقل الطفل:

1- وصول المعلومات بشكل غير مباشر.

2- تجاوز الروتين اليومي بما لا يتعارض مع سلوكيات ولعب الطفل اليومية.

3- خلق عالم التشويق الصوري والسمعي لشد الانتباه.

4- المشاركة الوجدانية وهو كمشاهد ومتلقٍ في فعاليات العمل المسرحي.

من هنا تأتي أهمية مسرح الطفل في الوصول بخيال وعقل الطفل لغايات سامية أو شريرة تبعا للطروحات الفكرية.

لكن أين هو مسرح الطفل في العراق والعالم العربي؟ هناك اهمال كبير ويبدو مقصودا وممنهجا لهذا الفن الحيوي.

ونرى ذلك بوضوح من خلال عدم فعالية المؤسسات التربوية الفنية وعدم الاهتمام فيها .

أين درس المسرح في المناهج الدراسية؟ وأين قاعات العرض المسرحي؟ اين هو الكادر الذي يعلم الطفل المبادئ الاولية لفن المسرح؟

ومن الغرائب في العراق أن المعلم أو المدرس يجبر أن يدرس فن الرسم وهو اختصاصه مسرح أو اخراج. وهذا تجنِّ على الاختصاص والطفل.

نحتاج الجدية والمثابرة والتنظير التربوي الصحيح لما هي احتياجات الطفولة والعمل على تفعيلها ونرى ممكن أن يتحقق ذلك من خلال ما يلي:

1- الايمان بقدسية وأهمية مرحلة الطفولة وحقها الانساني علينا في مراعاتها والاهتمام بها ووعي خطورة تنظيمها.

2-على دائرة الطفل في وزارة الثقافة الاهتمام بالبني التحتية لمسرح الطفل من خلال وضع الخطط الناجعة لبناء المسارح والكادر المتفهم للعمل مع شريحة الاطفال.

3- لوزارة التربية والتعليم العالي من خلال معاهدها وكلياتها الدور الاكبر في تخصيص اقسام مستقلة لفن مسرح الطفل. وكذلك وضع منهج الزامي في المدارس الابتدائية لمسرح الطفل.

4- إعداد ورش علمية لمناقشة المستجدات الجديدة في عالم تطور علم الطفولة وبشكل خاص مسرح الطفل ويمكن الاستعانة بالخبراء الدوليين في هذا المجال وعدم إغفال الخبرات العراقية المهمة.

5-دعم الفرق المسرحية التي تعني بالطفولة وإلزام دائرة السينما والمسرح بتكوين فرق مسرحية متخصصة بمسرح الطفل في كل محافظة وكذلك تعميم ذلك في النوادي الشبابية والمنظمات الجماهيرية والمهنية وصولا للمدارس.

6- توفير الامكانات للمسرح المدرسي ودعمه ونرى هنالك فرقا واعدة ممكن أن تعمل شيئا من خلال زجها في المهرجانات الدولية والعربية والمحلية.

ونحن المهتمون بالمسرح نشكو ندرة الاعمال المسرحية الجادة والهادفة بل أن التفتيش عن العروض المسرحية يحتاج الى بحث مضنٍ لعدم التسليط الإعلامي لما يعرض أو سيعرض. طبعا عدا العروض في الكليات والمعاهد الفنية التي تدخل ضمن المنهج الدراسي. عند متابعتي لم أعثر على نشاط مسرحي جاد للطفل. والسبب اما الاعلام او ضعف الدوائر الاعلامية المهتمة بهذا الفن المهم.