مسرحية 'العيد' .. حقائق في زمن الخراب

مفاهيمية درامية لصفة الشهيد

بعد ان يقوم الأب (الارهابي) بتفجير نفسه، لم يتبق للأم (جميلة) وابنها الوحيد (عياد) الا طلب النجاة من الله والحياة، لأنهم استقبلوا عيدهم هذا العام باليتم وبالخسارات من كل صوب. فلا مأوى لهم سوى التشرد والضياع في البراري او القبول بخيارات واقع مزرٍ وفاسد بأناسه الخارجين عن الحياة الحقة وعن الدين والقانون، والمتمثلين هنا بباقي شخصيات المسرحية ممن انتقاهم المؤلف بوصفهم نماذج من البشر اليوم. لاهم لهم سوى تحقيق مآرب غرائزية كامنة في حيوانيتهم البشعة وهم يوجهون سهامهم الضالة نحو فريستهم (جميلة) الارملة ووحيدها (عياد).

مسرحية "العيد" من تاليف بدر الحمداني واخراج محمد المعمري وانتاج فرقة الرستاق المسرحية، هي آخر عروض مهرجان المسرح العماني السادس 6 - 15/12/2015 في المركز الثقافي (نزوى) سلطنة عمان.

كانت طافحة بثوب الجرأة الدرامية تلك التي تجاوزت الخطوط الحمر، وللمرة الثانية في المسرح العربي في إدانتها للشذوذ الجنسي, بعد ان كانت الاولى لمسرحية "طقوس الاشارات والتحولات" للراحل سعد الله ونوس. فضلا عن تناولها مواقف جريئة أخرى اتسقت ونسيج المتن الحكائي لخطاب العرض كركيزة محورية لشواذ أخر من نماذج الحياة الخربة. ممن تدعي شيئا وتضمر شيئا مغايرا. شعارات التستر والوجاهة والمصالح التحزبية المعلولة.

لقد جمع المخرج بين المنهج الملحمي البريختي والمنهج الواقعي المرتبط بستانسلافسكي. فقد أفاد من الاول بتأسيسه فضاء العرض سينوغرافيا, ومن الثاني التقمص الادائي لشخصيات المسرحية, ولم تربك هذه الثنائية من العرض شيئا, بل على العكس تماما لأنها ارتقت به نحو تحقيق عاملين دراميين أساسيين هما: الترقب والتوقع.

اقتناص الموضوع وحكايته أسهم في تفعيل عامل الترقب ومتابعة الاحداث بإثارة تامة, وهذا يقود حتما للقبض على العامل الثاني بإعطاء فسحة تأملية يتوقع فيها المتلقي ما هو لاحق من الاحداث. وبذا يكون المخرج قد هيمن على الاواصر الساخنة بالعاطفة وجذب المتلقين نحو أهداف العرض برمته حتى النهاية.

اعتمدت بيئة العرض منظريا على السهل الممتنع في تأثيث فضائها المستند فقط على ثلاثة جذوع النخل مقطوعة الرأس وهي متحركة من قبل الممثلين أنفسهم من مكان الى آخر بحسب الحاجة والموقف الدرامي المراد التعبير عنه مكانيا وزمانيا والانتقال من البيت الى الشارع ومن ثم الى المسجد والى المقبرة وهكذا دواليك. بحركة كتلوية بسيطة ومعبرة دلاليا لامكان للغموض او الايهام فيها, لانها نبعت أصلا من منطقة كسر الايهام في فرضيتها النصية والاخراجية.

تبدت "العيد" وكأنها دراما نفسية تعصر شخصياتها كالليمونة للحصول على شراب عذابها ومرارة قسوة الأيام عليها. فبرغم الحوارية الطويلة بين الام وولدها في مشاهد عديدة, الا ان المخرج عمد الى تكوين عناصر جذب جمالية, ثابتة منها ومتحركة بغية التوثب الايقاعي للعرض الذي هيمن على مشاعر التلقي وفكره طيلة زمن العرض.

وبرغم عدم توفر القناعة لنا في الفارق العمري ما بين الام جميلة التي جسدتها الفنانة المتالقة نهاد الحديدي، وولدها عياد الذي جسده الفنان الواعد عبدالله الفارسي، الا ان الاداء المتميز والمبهر قد أبعد الفارق العمري لان الاحساس الصادق أفضى بنا نحو القناعة مباشرة.

وهكذا اخلص جميع الممثلين لشخصياتهم أدائيا وقد حلقوا بنا في جماليات مدهشة ومثيرة امثال الفنانين: يوسف البلوشي وزاهر السلامي وعلي المعمري وهشام الحرامي ويوسف الخروصي وحاتم الحرامي ومرشد اليعربي وبسمة البلوشي، لانهم وجدوا لهم الفرز الأدائي لكل شخصية من شخصياتهم وأسبغوا عليها حرصهم الشديد على شكل الشخصية وجوهرها النفسي، فضلا عن تنوعهم الادائي ما بين المغلق والمفتوح بحسب الحاجة الدرامية له في هذا الموقف أو ذاك وانسجاما مع ايقاع العرض المنضبط.

العرض وجه نقدا واضحا للأجندات الخارجية او الداخلية من تلك التي تتوهم انها تتسيد مشهدنا اليومي والحياتي, تلك التي تتخذ من الواجهة الدينية او اليافطة الشعارية المسيسة وسيلة للتنفذ والتسلط الاعمى والغارق بالترهيب والتجهيل والدم. في حين أن المنطق العلمي يقول, إن مثل هذه المؤسسات انما هي أصلا جاءت في خدمة البشر واسعادهم وتحقيق العدالة الاجتماعية المنتظرة. لا أنها تمأسست من أجل خدمة الموت فقط, وتسفيه الحياة بالتطرف وصناعة الفتوى الخارجة عن الحياة؛ تلك الفتاوى التي لا تنتمي الا لنفسها فقط, وبغطاء (راسبوتيني، نسبة الى الراهب الروسي المحتال غريغوري راسبوتين 1898- 1916) مزركش شكلا ومتناقض مع أصله وسلوكياته المسكوت عنها دائما.

لقد افترض العرض المكان والاشياء والحكاية والانتقالات، لكنه لم يفترض الزمان أبدا، لان الزمان هنا كان الحقيقة الوحيدة النابعة فيه وفينا كمتلقين يحيط بنا هذا الخراب الملون بالفضائح والمفخخ بالدسائس والعفن. اسقاطات اخراجية لماحة بثها العرض وهو يسدد كراته نحو البؤر المخزونة في الذاكرة الجمعية - الآنية والتاريخية - من ذواتنا .. ليوقظ فينا - عله - بشائر ثورة جديدة تقتضيها أيامنا المترملة دوما ( الآن) بالوجع والخوف من المجهول.

كان خطاب الكوميديا السوداء مهيمنا في الكثير من محطات العرض, الى جانب كوميديا الابتسامة, لا الضحك. لانها مرارة الافتراض الجمالية المنسلة من الحياة الى فضاء الركح عبر تحولات ضوئية ولونية حملت مسوغات تنوعها وكشفها المكاني, فهي لم تكن تحولات زخرفية عاجزة عن رصد اهدافها التقنية الموحية دلالة، ورمزا دراميا كتلك التي نجدها في أغلب العروض المسرحية الشبابية اليوم.

فلم تكن سينوغرافيا الفنان خالد الضوياني إلا لماحة وراصدة, ولم تكن ـيضا المؤثرات الصوتية للفنان محمد باكوري إلا في مكانها الذي ينبغي ان تسمع فيه, وكذا الحال مع ازياء الفنان خميس مسلط إلا المعبرة فنيا عن الشخصية وواقعيتها المقنعة.

انهم جميعهم وبقيادة اخراجية من قبل المعمري محمد خميس قد أكدوا لنا فعلا اختلاف استعدادهم وتحضيراتهم لأيام "العيد" المختلف هذا، فياله من اختلاف مر وفاجع، أيقظ الفكر ونكأ الجراح، ولما يزل خرابنا يمتد ويتناسل. فهل ثمة ضوء في الأفق؟

لقد ألمح العرض الى مفاهيمية درامية لصفة (الشهيد) خاصة به. فمن هو الشهيد الحق هنا؟ هل هو الاب الذي فجّر نفسه ليقتل الابرياء من البشر؟ ام انه الابن (عياد) الذي يفجر نفسه ليقتل نماذج القذارة والخراب في حياتنا؟ لينبعث الينا صوت فيروز في النهاية مغنية بكل الفرح والغبطة (ليلة عيد ليلة عيد الليلة ليلة عيد .. صوت اولاد ثياب جداد وبكره الحب جديد). تفاؤل اخراجي درامي ربما؟ أو هو انتصار الشهادة الحقة تلك التي ضحت فانتصرت بالوعد الالهي؟ إنها ثنائية القبض على الجمال والابداع في المسرح العماني اليوم والتي كانت فعلا مسك ختام هذا المهرجان/ الفرح.