مسجد قرطبة.. للمسلمين أم للمسيحيين؟

تجاور معماري لم يقد بعد الى تجاور تعبُّدي

قرطبة (اسبانيا) ـ لا يمثل مسجد قرطبة الإسبانية بالنسبة للمسلمين داراً للعبادة فحسب، بل انه يقف شاهدا على ماضي حضارتهم العريق في أوروبا كذلك.
فقرطبة (التي تقع في جنوب اسبانيا) كانت في يوم عاصمة المسلمين في اسبانيا، واعتبرت في مرحلة من التاريخ المحج الثالث للمسلمين بعد بيت الله الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس.
وقد اعلنت الأمم المتحدة هذا المسجد جزءاً من التراث الإنساني العالمي عام 1984، نظراً لأنه شكل ذروة الفن المعماري الإسلامي في الأندلس، كما انه كان منارة للعلم في القرن العاشر في أوروبا.
ورغم تحويله الى كاتدرائية منذ القرن الثالث عشر ـ عندما اسقطت الحملات المسيحية الاسبانية عاصمة المسلمين في الاندلس ـ ما زال سكان قرطبة يسمون هذا المسجد "موزكيتا" التي تعني "المسجد".
ونتيجة لذلك، تختلط المظاهر المسيحية بالآثار الإسلامية في قلب هذا المسجد، إذ يتجاور المذبح الكاثوليكي مع المحراب الاسلامي، بينما تحيط الابنية المسيحية غابة من الأعمدة الاسلامية البيضاء والحمراء التي يعتقد انها مستوحاة من عباءة العربي في الصحراء.
فمن يملك الحق في الصلاة في هذا المسجد البالغة مساحته 23400 متر مربع؟
أهم العرب المسلمون، أصحاب الحضارة التي حكمت أجزاء كبيرة من اسبانيا لأكثر من ثمانمائة عام، منذ تأسيس عبدالرحمن الداخل للخلافة الإسلامية في الأندلس؟
أم هم المسيحيون الذين حولوه الى كاتدرائية منذ القرن السادس عشر في عهد الملك شارل الخامس، بعد استعادتهم السيطرة على هذه الأراضي عام 1492م؟
ما فجر هذاالصراع هو تدفق ما يقرب من مليون مهاجر من المغرب العربي الى اسبانيا في السنوات الأخيرة، وقبل ذلك كان الاسبانيون يعتبرون أمر هذا المسجد محسوماً.
كما يلاحظ ان الآلاف من الاسبانيين من أصول عربية اعتنقوا الاسلام في بعض المدن
الجنوبية كغرناطة، حتى تكاد هذه المدن تتحول الى معاقل مغربية.
فقد قام منصور اسكوديرو، رئيس المجلس الاسلامي الاسباني، وهو اسباني اعتنق الاسلام حديثا، قام بالصلاة امام مسجد قرطبة، مطالباً بحق المسلمين باستعادته والصلاة فيه.
وكان المجلس بعث لقداسة البابا بينديكيت السادس عشر، برسالة اقترح فيها تحويل هذا المسجد الى دار عبادة مشتركة بين الديانات، المسيحية والاسلام على وجه الخصوص، ليصلوا معا فيه، داعيا الى طي صفحة الخلافات التاريخية ودفنها.
كما بعث رسالة مماثلة الى رئيس الوزراء الاسباني خوسيه زاباتيرو.
المنظمات الاسلامية في اسبانيا نأت بنفسها عن دعاوى تنظيم القاعدة باستعادة "الأندلس"، كما أدانت تفجيرات مدريد، عام 2004 والتي ذهب ضحيتها 191 قتيلاً."
"يمكن أن نستلهم من قوة المسجد الرمزية الروحية الهائلة، قوة روحية عالمية "، هذا ما قاله اودالا كونجيت، سكرتير المجلس الاسلامي. مضيفا "اسبانيا قد تكون مفتاح السلام" ملمحا الى الفترة التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود معا في انسجام.
ولعقود خلت، نظر الاسبان الى الهوية الاسلامية على انها نقيض الهوية الاسبانية، فعلى الدوام كانت الصورة التقليدية للمسيحي الاسباني الذي عليه ان يقتل الاندلسي المسلم، الا أن حدة هذه النظرة خفت في الفترة الاخيرة عندما أزال الاسبانيون تمثال القديس جيمس "موورسلايير" من كاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا.
ومع ان رئيس مجمع أساقفة اسبانيا ريكاردو بلازكويز أبدى تعاطفه مع مطلب المسلمين بالصلاة في مسجد قرطبة، إلا ان المجمع سرعان ما اصدر بيانا اعلن فيه انه لم يسمح لاي مسلم بالصلاة في اية كاتدرائية.
من جهته رفض الاسقف خوان خوسيه اسينهو مطلب المجلس الاسلامي الاسباني قائلا ان الصلاة المشتركة في هذا المسجد ستربك المؤمنين وتروج لذوبان الهوية الدينية.
وكان الفاتيكان رفض التماسات سابقة من مسلمين بهذا الخصوص، الا ان كونغيت يأمل بأن يتخذ البابا بينديكيت مواقف اكثر ايجابية في المستقبل. يقول "ان تصريحات الاسقف تتناقض مع مبادرات اهتمام أخرى اعلنها البابا في وقت سابق كالصلاة في مسجد اسطنبول".
الناطق الرسمي باسم مكتب اسقف قرطبة رفض التعليق قائلا انه ليس لديه ما يضيفه على تصريحات الاسقف بخصوص هذه القضية.