مستقبل تونس: حكومة 'منطقة خضراء' معزولة.. يحميها الجيش على الطريقة العراقية

بقلم: سمير عبيد

لقد كتبنا قبل أيام تحليلا سياسيا موسعا ومن وجهة نظر الأمن القومي، ونشر في وسائل الإعلام العربية، وتوقعنا من خلاله عدم الاستقرار في تونس بشكل عام، مقابل عدم قبول الجماهير بالتوليفة التي خرج بها السيد محمد الغنوشي بشكل خاص، وأكدنا بأن تونس في طريقها لتغري وتجذب لاعبين جدد، عرب وإقليميين ودوليين، وبالتالي ستنزلق نحو الفوضى.

وبالفعل صدقت توقعاتنا، فها هو المشهد التونسي أخذ بالتعقيد رويدا رويدا، والبداية عندما باشر اتحاد الشغل التونسي بالتحرك لرفض حكومة الغنوشي، لأنها خرجت من جلباب الرئيس المخلوع بن علي، وسارع الغنوشي لامتصاص غضب الاتحاد، والشارع التونسي فقرر هو ورئيس البرلمان الذي أصبح رئيسا مؤقتا بطرد الرئيس المخلوع من الحزب الدستوري، وأستقالتهما من الحزب، والقرار الأول لا يشبه الثاني وبالعكس، وهذا يدل على التخبط وألأصرار على الترقيع والمسكنات، ومع ذلك أصر اتحاد الشغل على الضغط، وبالفعل أستقال عددا من الوزراء تلبية لنداء الاتحاد والشارع التونسي، ولن ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل تطور الأمر أكثر، وعندما صعّدت الجماهير التونسية من مطاليبها ففرضت أصدار العفو عن الجميع " تنظيمات وسياسيين" بضمنها التيارات الإسلامية وقادتها، ولم تكتف بهذا حتى طالبت بهجر ونبذ حزب الرئيس المخلوع وسارع أعضاء الحكومة للتخلي عن تركة الرئيس المخلوع حزبيا وسياسيا، وأخيرا برزت قوى جديدة أطلقت على نفسها "قوى الرابع عشر من يناير" وهو اليوم الذي هرب فيه بن علي ونجحت الانتفاضة الشعبية، والأسم مستوحى من الرابع عشر من آذار اللبناني، وطالبت هذه القوى بكسر الخط الأحمر، وعندما طالبت بتغيير فقرات الدستور التونسي ليكون لهذه الثورة حضورها في الدستور، وأنهاء العلاقة مع الماضي تماما أي لا يجوز أستمرار حكومة الغنوشي ولا بقايا نظام بن علي.

والغريب عندما تحركت الشرطة التونسية لتساند المتظاهرين، وكأنها تقول "ها قد صحونا ونعتذر لعائلات الجرحى والشهداء" فباشرت بالتصعيد بل أغلقت الطريق على موكب الرئيس المؤقت، وكانت رسالة بالغة الأهمية، وكأنهم أبلغوا الرئيس المؤقت بأنك لن تسلم في المرة القادمة، وسوف لن يتوقف الأمر هنا، بل سيتطور الى سلسلة من التداعيات التي سوف نشاهدها قريبا جدا.

فالتوليفة التي خرج بها السيد الغنوشي مع بقايا رفاق بن علي أصرت على أبعاد الإسلاميين بنصيحة أميركية وغربية في بادئ الأمر، علما أن واشنطن تعرف جيدا بأن هناك تنظيمات إسلامية مختلفة في داخل تونس وخارجها، وهناك تعاطف شعبي كبير مع الحالة الإسلامية بسبب سياسة التغريب التي أتبعها الرئيس المخلوع، خصوصا وأن الرئيس المخلوع قد مارس حربا شعواء ضد الإسلاميين وضد الأزياء والرموز الإسلامية، وكالتي مارسها الرئيس الراحل صدام حسين ضد حزب الدعوة الإسلامية (الحاكم اليوم) في عهد الثمانينات من القرن المنصرم ـ من باب المقارنة السياسية فقط.

ولكن وحسب أعتقادنا ومتابعتنا لملف الأنتفاضة التونسية نشعر بأن السيد محمد الغنوشي وقع ضحية مكائد رفاق الرئيس المخلوع، وعندما قرروا الأختباء تحت عبائته فأصبح هو في الواجهة، فأحرق نفسه وتاريخه بل وضع نفسه في دائرة الخطر، فكان يتوقع أن يكون بطلا قوميا وأطفائيا لجميع المشاكل، ولكنه لم ينتبه لأمر في غاية الأهمية، وهو عندما ورطه رفاق بن علي بعدم التشاور مع الإسلاميين ولا حتى ألاستئناس برأيهم، والورطة الأشنع عندما أعطى ظهره لشرائح الأنتفاضة الشعبية، ولم ينزل الغنوشي الى الشارع، ولم يخاطب شرائح الأنتفاضة وينصحهم لتنظيم صفوفهم، ولم يترك مقاعد فارغة لشخصيات من الأنتفاضة، كل هذا لم يفعله الغنوشي، وهذا يدل أن الغنوشي مُهَيمَن عليه تماما، أو هو عكس ما مسمعنا عنه ماهو إلا كاريزما كارتونية مستنسخة من كارتونية الرئيس الهارب.

وبالتالي أصبح السيد الغنوشي رمزا تابعا لرفاق بن علي أي غير مقبول، لأن الإصرار على عدم التشاور مع الإسلاميين حول تشكيل الحكومة ومستقبل تونس كان خطأ أستراتيجي من قبل السيد الغنوشي الذي يخضع لضغوطات قاسية من الخارج والداخل، وحتى في داخل مكتبه، فأن رفض التشاور مع الإسلاميين يعني ومن وجهة نظر الإسلاميين أنفسهم هو نهج وأمتداد لسياسات بن علي، بحيث أن الجماهير التونسية عادت وأخذت زمام الأمور ثانية عندما شاهدت ولمست الإصرار على المضي قدما بالنهج القديم، وبالتالي صنع السيد الغنوشي لنفسه ولحكومته خصما عنيدا يتكون من الإسلاميين والشرائح الإجتماعية، وهناك خصوم آخرين لازال الوقت مبكرا لخروجهم، وهذا ما يُراهن عليه التيار المتشدد في واشنطن لكي تجد تونس نفسها في قلب مشروع الفوضى الخلاقة، وحينها تبدأ سيناريوهات أخرى تهبط من السماء، وتعبر من وراء الحدود ليجد الشعب التونسي نفسه أسيرا لها.

فعندما تتصاعد الخلافات السياسية بين الحكومة التونسية المسنودة من الجيش من جهة، والتيارات الإسلامية والنقابية والتيارات الأخرى من جهة أخرى، فهذا يعني تحويل تونس الى أرض رخوة من الناحية الجيوسياسية، ناهيك أن هناك خللا كبيرا قد حصل بالفعل في البنية التحتية للأمن القومي في تونس، وهذا سيجعل تونس مغناطيسا جاذبا للخلايا الإسلامية المتواجدة في دول المغرب العربي، وهنا ستجد تونس نفسها على بوابة المعترك الباكستاني، وحينها سوف يتخلخل كل شيء في تونس، وعندما يتخلخل الوضع تماما سوف تخرج تونس من "الحاضنة الفرنسية" نحو " الحاضنة الأميركية" أي من حاضنة السيناريوهات السرية التي تؤمن بها السياسة الفرنسية الى حاضنة الفوضى التي تؤمن بها السياسة الأميركية، وهي تهديم المكعبات ثم أعادة تشكيلها من جديد، ومثلما حصل في دول أميركا اللاتينية من قبل، وأخيرا في العراق وأفغانستان.

ولكن الأخطر في المشهد التونسي هو موقف الجيش التونسي الذي وجد نفسه في حيرة فعلية، وخصوصا عندما تحركت بعض أطراف من الشرطة لتدعم الجماهير الغاضبة، مقابل تصاعد الطلبات والضغوط على الحكومة المؤقتة، وظهور تشكيلات وتجمعات جديدة عززت وتعزز من ثورة الشارع التونسي، هنا سوف يجد الجيش التونسي نفسه في مأزق وقريبا جدا، فهل سيمضي في حماية حكومة الغنوشي وبقايا رفاق بن علي، وهنا سيكون خصما للجماهير الغاضبة؟، أم سينسحب عنهم وحينها سيفلت العيار، أم سيضطر الجيش التونسي للتدخل في السياسة ومن خلال سحب البساط من تحت أقدام الجميع وبحجة حماية تونس وشعبها ويعلن الأحكام العرفية في البلاد؟

وبالعودة للموقف الدولي.. فباريس ليست غبية عندما رفضت استقبال الرئيس المخلوع بن علي، ولكنها أرادت أذلاله، لأنها أعتبرت هروب بن علي ودون التنسيق معها هو بمثابة الخيانة لباريس، وللعلاقة التي تربطه مع المنظومة الفرنسية في تونس وباريس، ولهذا كانت فرنسا حانقة عليه تماما لأنه سلّم الحكم وتونس الى المجهول، والأصح أعطى تونس وعلى طبق من ذهب الى واشنطن، وعندما جاء الجيش التونسي فخطف كل شيء، وبعد التنسيق مع الأميركان وعبر سفارتهم وقنصليتهم العسكرية في تونس، وهذا يعني ضربة قوية للمصالح الفرنسية في تونس وفي دول المغرب العربي، ونصر كبير للولايات المتحدة الأميركية التي أخذت زمام المبادرة في تونس، ومن وراء الكواليس ولحد هذه الساعة، وبالفعل هي مفاجأة بل صدمة للفرنسيين وهذا ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الفرنسية.

وبالتالي فعندما تتطور الأحداث، وتتصاعد التجاذبات السياسية والشعبية في تونس، فسوف تكون هناك إغراءات قوية لأطراف دولية وإقليمية وعربية للتدخل في تونس، فهناك أطرافا دولية ستسارع لتحريك خلاياها ومجساتها السرية والإستخبارية للتدخل في تونس، وهذا متوقع تماما، وربما باشرت هذه الأطراف بهذه السيناريوهات، وهذا ما نتوقعه.

فواشنطن وبطبيعتها لن تركن الى طرف واحد، أو الى صديق واحد داخل الدولة الواحدة التي تتدخل فيها، بل تحاول الأتصال بأغلب الأطراف المؤثرة والصاعدة في تونس، ولن نستبعد أنفتاحها على اتحاد الشغل التونسي من أجل ترويضه وأحتوائه، وسوف تنفتح على الرموز الوطنية والحقوقية والأجتماعية في تونس، وهذا عمل تجيده وكالة المخابرات المركزية " سي أي أيه"، وباريس هي الأخرى لن تستسلم أبدا، وسوف تمارس الكثير من الطرق والسيناريوهات للحفاظ على الجزء الأكبر أو الحفاظ على جزء من مصالحها في تونس، وبالتالي فتونس كدولة وجغرافية ونظام سياسي قد أصبحت كرة بين أقدام قادة الإستخبارات الأميركية ومن معها، مقابل قادة الإستخبارات الفرنسية ومن معها، وهذا يعني أن تونس في طريقها لتصبح العراق الآخر، وعندما تتحول الى ساحة حرب أستخبارية "عربية وأقليمية ودولية"، والخوف كل الخوف أن تصبح "طريق الحرير الجديد" للمافيا الإقليمية والدولية..

ومن هنا نتوقع وبحجة الحفاظ على الحكومة والعملية السياسية " وهي أصطلاحات روجها الأميركان في العراق والمنطقة أخيرا" سوف تقترح واشنطن تخصيص منطقة "خضراء" أي "محمية دولية" داخل العاصمة تونس وبضمنها قصر قرطاج وبعض الوزارات، وعلى غرار المنطقة الخضراء التي صنعتها واشنطن في العراق وفي المغرب، وبحجة الحفاظ على الحكومة التونسية والعملية السياسية، وهي الطريقة التي أتبعتها واشنطن أخيرا في بعض البلدان الموالية لها، لكي تحمي الأنظمة التي تدور في الفلك الأميركي، وسوف تعطى المهمة الى الجيش التونسي ليحمي هذه الحكومة وطواقمها من غضب الشارع، وبنفس الوقت يحميها من المعارضين، وسرا سوف تتكفل واشنطن بدعم وأنجاح مهمة الحكومة وحمايتها من السيناريوهات العربية والإقليمية والدولية، وتحديدا حمايتها من فرنسا، ومن هنا ستطلق واشنطن رصاصة الرحمة على فرنسا في تونس.

ولكن لن ينتهي الأمر بهذه السهولة، فواشنطن وعلى مايبدو لديها سيناريو خاص وعلى مراحل ناعمة لتونس، وأوله صنع الجسور مع الساسة والقادة الذين هم في السلطة، وفي المعارضة، وفي المجتمع ومعشر الأقتصاد من أجل أدخالهم في النادي الأميركي، ومن ثم سيحاول الأميركان غسل أدمغة هؤلاء الساسة والقادة ورجال الأعمال، وكذلك غسل أدمغة الشعب التونسي ليكون أميركيا في آخر المطاف، وهذا يعني سوف نشهد تغيرا ملحوظا في الإعلام الرسمي والشعبي في تونس، وأن ألغاء وزارة "الأتصال/ الإعلام" جاء بضغط أميركي، وهذه هي الطريقة التي أتبعها الأميركان في جميع الدول التي حولتها واشنطن الى النادي الأميركي وأخرها العراق، لكي تهيمن واشنطن على الخطاب الإعلامي والثقافي في تونس، من خلال فتح هذا البلد الى مشاريع وكالة التنمية الأميركية، ومن هنا سيبدأ الخطر على تونس وفي العمق هذه المرة!

لهذا فالسؤال:

هل ستتصارع الأمركة مع الفرنسة وبالعكس؟

أم سنشاهد صراعا واسعا أبرز أطرافه الحركات الإسلاموية بجميع خطوطها ضد الحركات الثورجية وحركات الممانعة وبجميع خطوطها وبالعكس؟

سمير عبيد

كاتب وباحث في شؤون الأمن القومي

Sam.samir350@gmail.com