مستقبل المنطقة الجديد: مكافحة للإٍسلام، ومزيد من الأمن لإسرائيل

بقلم: هيثم أبو الغزلان

تتزايد احتمالات قيام آلة الحرب الأمريكية بشن هجوم على العراق، ويبدو أن هذا الاحتمال يتعزز بسبب القناعة الموجودة لدى الإدارة الأمريكية تجاه (ضرورة) خوض هذه الحرب، ووضع قواعد جديدة للسياسة فى المنطقة تحمى من خلالها الوجود الصهيوني، ويحافظ فيها على مصالح الولايات المتحدة، ومن ثم القيام برسم خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط يؤخذ فى الاعتبار بها المتغيرات العالمية وانعكاساتها وتأثيرها الجوهرى فى النظم السياسية والاقتصادية فى العالم: كالثورة التكنولوجية، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وتحول الأنظمة الاشتراكية إلى اقتصاديات السوق، وقيام منظمة التجارة العالمية، وبروز التكتلات الاقتصادية العملاقة.
ويرافق تحضير الولايات المتحدة لغزو العراق حملات شديدة التوجيه ضد العالمين العربى والإسلامي، وتستهدف بشكل أساسى النظم القائمة بغية إرغام بعضها على ابتلاع رفضه لهذه الحرب ـ وإن كان على استحياء ـ. ويتم ذلك، أيضاً، من خلال فرض رؤى أمريكية تقولب ممانعة هذه النظم للحرب بالاستتباع والإلحاق بالولايات المتحدة. ويظهر ذلك جلياً من خلال مبادرة الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية التى أعلن عنها وزير خارجيتها كولن باول، وحظى هذا الإعلان بميزانية قدرها (29) مليون دولار، وهى تكفى للإنفاق على البرامج الدعائية للمشروع إلا أنها لا تصنع مشروعاً ديمقراطياً حقيقياً.
ويظهر من خلال هذا الإعلان أن الهدف الأساسى منه إلحاق هذه النظم بالمنظومة الأمريكية عن إرادة مفروضة بقوة السلاح والتهديد باستخدام القوة ولطف الخطاب المستند إلى غطرسة القوة ضد العرب والمسلمين على قاعدة "تكلم بلطف واحمل عصا غليظة"، وخصوصاً أنه يأتى فى ظل ميزان قوى مختل لغير صالح العرب والمسلمين، ويحمل طابعاً صليبياً مستنداً إلى فكرة صدام الحضارات التى أطلقها صموئيل هانتنغتون، والتى تكوّن على أساسها تحالف عنصرى جديد ضد العرب والمسلمين بعد أحداث الحادى عشر من أيلول، يضم الإدارة الأمريكية بوجهها النازى والمؤيدة من التيار الصهيونى المسيحى المتطرف الذى يمثل امتداداً للحركة الصهيونية التى لها نفوذ هائل فى الحياة الأمريكية، وباتت سياجاً يحمى الفكرة الصهيونية فى سطوتها وسيطرتها على القرار الأمريكي.
وتعززت هذه الصورة بعد سقوط الاتحاد السوفياتى بخلق الولايات المتحدة لعدو جديد لها المتمثل بالإسلام (الحركة الإسلامية)، وعملت بشكل جدى على تنميط صورة الإسلام الذى ينتج أناساً إرهابيين متطرفين سمتهم الأساسية العنف والتطرف والإرهاب ومصادرة حرية الآخرين. والحرب على العراق، وبالمحصلة النهائية على الأمة العربية والإسلامية، تأتى فى هذا السياق.
ويبدو أن الحرب على العراق قد اتخذ قرارها، فعلى الرغم من نفى العراق لحجج الإدارة الأمريكية القائلة بامتلاكه أسلحة دمار شامل إلا أنها مصرة على استمرارها بالتلويح باستخدام القوة ضده.
ويتحدث مراقبون أنه لو وصل العراق لتقنية أسلحة الدمار الشامل لكان استعملها عام (1991) عندما هوجم، أو على الأقل عرفت واشنطن أنه سيستعملها. ولهذا فإن هذه القضية بالذات لا تمثل أولوية فى السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط، وعلى هذا فإن الإدارة الأمريكية ترى أنه يمكن الوصول إلى السعودية ومصر وسوريا ولبنان وإيران عبر العراق بسهولة أكثر وكلفة أقل، ويبدو أن هذا هو الهدف الأساسى لهذه الحرب.
فالهجوم على العراق، واحتلاله، يجعله مركزاً لتخويف إيران وسوريا، ويمكن من خلاله التحرك باتجاه السعودية ودول الخليج لأحداث تغييرات تتوافق مع السياسة الأمريكية، كما أنه يمكن من خلاله التحرك باتجاه سوريا ولبنان، والسيطرة التامة على كل فلسطين والقيام بعمليات تهجير واسعة النطاق ضد الفلسطينيين، وخصوصاً أن قادة الكيان الصهيونى باتوا مقتنعين أن تغييرات جذرية قد حصلت بعد انتفاضة الأقصى التى أدت إلى إسقاط أوسلو ومن ثم فإنهم يعتقدون أن الظروف بعد الحادى عشر من أيلول قد تغيرت وأن اتفاقية أوسلو وملحقاتها لم تعد مقبولة.
وعلى الرغم من محاولاتها المتكررة للدفع باتجاه الحرب ضد العراق إلا أن إسرائيل تُظهر قلقها الواضح من احتمال تقسيم العراق إلى عدة أجزاء، لأن ذلك ليس من مصلحتها، وكذلك ليس من مصلحة تركيا أن يكون لإيران أى تدخل فى أى جزء من أرض العراق فى حال تقسيمه.
وتهتم إسرائيل فى الفترة الحالية من الناحية الأمنية فى المنطقة العراقية الدفاعية الأمامية فى الغرب، والتى تقع على مسافة غير بعيدة من الأردن والتى من الممكن أن يُطلق منها صواريخ ضدها (على مدى 600 كلم) أو صواريخ العباس (900 كلم)، وهذا ما استدعى من إسرائيل فى المقابل تعزيز شبكتها الدفاعية بدعم أمريكي.
وبطلب من الإدارة الأمريكية، أعد الدكتور ماكس زينغر (المختص فى تحليل السياسات، ومؤسس معهد هدسون للدراسات الاستراتيجية والسياسية) وثيقة ترسم سيناريوهات محتملة للعالم خلال العقدين المقبلين، وأهم هذه السيناريوهات هي:

1. أن الولايات المتحدة ستقوم بهجمات عدة ضد دول وربما يؤدى ذلك إلى سقوط حكومات إسلامية، وستمتلك العراق ومصر وإيران والسعودية سلاحاً نووياً، وأن دولاً أخرى ستمتلك أسلحة بيولوجية تستخدم فى النزاعات فيما بينها.
وأن إسرائيل ستبقى موجودة بعد (18) عاماً، إلا أنها ستواجه خطراً كبيراً على وجودها. وقد تتعرض للإبادة بواسطة السلاح النووى الإسلامى الذى سيتوافر بكثرة فى الشرق الأوسط.
2. سيتعزز دور (الإسلام الكفاحي) وسيمتد فى دول عديدة مثل الجزائر وتونس والمغرب، وستزداد حالة العداء لأمريكا فى المنطقة العربية، إلا أنه سيرفض فى دول إسلامية فى آسيا. ووفقاً لهذا السيناريو فإن مصر ستكون الدولة الوحيدة التى لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة على الرغم من أنها ستمتلك سلاحاً نووياً ومثلها إيران والعراق والسعودية.
3. يتحدث زينغر بتفصيل عن هذا السيناريو، ويقسم الدول إلي: مؤيدة (للإسلام الكفاحي) ودول معارضة له. وأن الإسلام الكفاحى سيسيطر على الدول العربية (900 مليون نسمة) وإسناد الجاليات الإسلامية فى أوروبا وإفريقيا، وسيرفض فى تركيا ووسط آسيا (400 مليون نسمة).
4. فى هذا السيناريو، يتحدث زينغر عن سقوط الإسلام الكفاحى بسبب القمع والاستبداد والعنف الموجود بين العرب، وكذلك عن انهيار أنظمة العراق وإيران. وبحسب زينغر أيضاً فإن الديكتاتوريين سيبقون مسيطرين على العالم العربي.
وتتضمن الوثيقة التى أعدها زينغر أيضاً، خطة لمكافحة الإسلام الكفاحى يقسمها لعشرة مراحل منها حل الصراع العربى ـ الصهيوني، وذلك بـ: حل مشكلة اللاجئين من خلال إعادة توطينهم، وحظر استخدام الإرهاب، وتشجيع التعددية فى أوساط الفلسطينيين، وإقامة حدود واضحة وآمنة لإسرائيل، ودولة فلسطينية ملتزمة بأمن إسرائيل… ويفترض زينغر أنه من الممكن العمل على إخضاع الفلسطينيين حتى يخضعوا للحل الذى تريده إسرائيل.
ومن هنا، فإن المنطقة متجهة لمرحلة شديدة السواد وفق السيناريوهات التى ترسمها الإدارة الأمريكية، وتحاول فرضها ليس على العالم العربى والإسلامى فحسب بل على العالم كله، ولكن تبقى إرادة الممانعة، والإصرار على التغيير، وفرض الوجود قادرة على إفشال هذه المخططات والبقاء على ساحة الحياة. هيثم الغزلان: كاتب فلسطيني