مستقبل الاقتصاد المصري بعد زلزال 30/6

إنتهى حكم الرئيس محمد مرسي بعد سنة واحدة فقط من توليه المنصب. المشاكل الإقتصادية نفسها التي أودت بحكم الرئيس السابق حسني مبارك قبل عامين ونصف، عصفت أيضاً بحكم جماعة الإخوان المسلمين وأنهت وجودهم في السلطة. أوجه الشبه، أو "الفشل"، واضحة تماماً هنا. سياسات "الحزب الوطني الديمقراطي" لمبارك، وكذلك برنامج "حزب الحرية والعدالة" الإخواني، فشلا، كل بطريقته الخاصة، في توفير الحد الأدنى والمقبول من "العيش والحرية والعدالة الإجتماعية" للمصريين.

حسني مبارك إختار، في السنوات الأخيرة من حكمه، التعامل مع المشاكل الإقتصادية عن طريق تطبيق سياسات نيوليبرالية كانت نتيجتها زيادة في معدلات الفقر والبطالة والبؤس للغالبية الساحقة من المصريين، وزادت من حدة فوارق الدخل بين الطبقات الإجتماعية. الإسلاميون، من ناحيتهم، لم يفهموا الأسباب الإقتصادية لثورة المصريين على حكم حسني مبارك في 25 يناير/كانون ثاني 2011. جاءوا إلى كرسي الرئاسة ببرنامج "نهضة" تبين لاحقاً أن لا وجود له، وبوعود خلابة إتضح بعد ذلك أن لا قدرة لهم أو خبرة على تحقيقها، وأخفقوا، بالتالي، في التعامل مع الأزمة الإقتصادية التي عصفت بمصر بعد سقوط مبارك.

النتيجة كانت تفاقم الأزمة، وسقوطهم المروع بعد أن خرج المصريون بالملايين يوم 30 يونيو/حزيران يعلنون "تمردهم" على سلطة الإخوان، ورفضهم الكامل للطريقة التي قام فيها الرئيس محمد مرسي بإدارة البلاد، وإستياءهم الشديد من تدهور أحوالهم المعيشية خلال فترة حكمه، وفشل حكومته في تقديم حلول لمشاكل حياتهم اليومية.

وكان لهم ذلك. في الساعة التاسعة مسااً، يوم 3 يوليو/تموز 2013، جاءت النهاية في بيان قصير لوزير الدفاع المصري، عزل فيه الرئيس مرسي، وعطّل العمل بالدستور الإخواني، وأسدل الستار على سنة كاملة من حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر.

تحديات أقتصادية كبيرة ستواجه حكومة الدكتور حازم الببلاوي الجديدة. أكثر من ثلاثة ملايين مصري عاطلون عن العمل، 80% منهم من الشباب وحملة الشهادات. 25% من المصريين تحت خط الفقر، ونسبة مماثلة لا تبتعد كثيراً عن هذا الخط. أسعار المواد الغذائية في إرتفاع مستمر، خاصة بعد التدهور الذي حدث في قيمة الجنيه المصري الذي فقد أكثر من 15% مقابل الدولار خلال فترة حكم جماعة الإخوان. الفترة نفسها شهدت أزمات متكررة في توفير إحتياجات المصريين من الوقود ومن الغاز والكهرباء، وذلك بسبب تراكم الديون على الهيئة العامة المصرية للبترول والتي وصلت إلى 8 مليار دولار لصالح الشركات الأجنبية.

هناك أيضاً الارتفاع المتواصل في حجم الديون الداخلية والخارجية التي وصل مجموعها في نهاية شهر مايو/أيار الماضي إلى أكثر من 250 مليار دولار، إضافة إلى العجز المتزايد في الموازنة العامة للدولة الذي يُقدر في السنة المالية التي إنتهت في يوم 30/6 الماضي بحوالي 30 مليار دولار. ثم هناك النفاد المتواصل لإحتياطات الدولة من النقد الأجنبي الذي وصل في آخر تقدير له نهاية الشهر الماضي حوالي 14.9 مليار دولار. أضاف إلى ذلك الإنخفاض المستمر في مستوى التصنيف الإئتماني الدولي لمصر، كان آخرها نهاية الأسبوع الماضي لبنكين من أكبر البنوك المصرية.

كيف ستتعامل الحكومة المصرية الإنتقالية مع هذه الأزمة الطاحنة التي وضعت الإقتصاد المصري على حافة الإنهيار، وكانت أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الإطاحة السريعة لنظام الإخوان؟ هناك عوامل عديدة سيتوقف عليها نجاح أو فشل الحكومة. أحد هذه العوامل، وأهمها على الإطلاق يتعلق بقدرة الحكومة المصرية الجديدة على تحقيق أكبر قدر من الإستقرار في الأوضاع السياسية والأمنية والتي كانت سبباً رئيسياً في تدهور الأوضاع الإقتصادية منذ شهر يناير/كانون ثاني 2011 حتى اليوم.

عوامل هامة أخرى تتعلق بتشكيلة الحكومة الإنتقالية، ومدى القدرة والكفاءة والخبرة التي يتمتع بها إعضاؤها، وإلى أي مدى يمكن أن يُنظر إليها على أنها حكومة توافق وطني، تمثل كل القوى السياسية الفاعلة الموجودة على الساحة المصرية. عامل أخر يتعلق بطبيعة البرنامج الإقتصادي للحكومة الجديدة، وحجم الدعم السياسي والمالي، عربي ودولي، الذي يمكن لهذه الحكومة أن تستمر في الحصول عليه، بعد أن تعهدت حكومات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ودولة الكويت، مجتمعة، بتقديم 12 مليار دولار لمصر على هيئة منح وقروض لتمكينها من التغلب على الأزمة الراهنة الطاحنة التي تعصف بالإقتصاد المصري.

بإختصار، مستقبل مصر الإقتصادي، والمرتبط بدرجة كبيرة على التطورات السياسية لمرحلة ما بعد حكم الإخوان، لا زال تكتنفه درجة عالية من عدم اليقين رغم التفاؤل السائد في الأوساط الرسمية والشعبية.