مسبار الأمل، استثمار حكيم

مشروع ملهم لجميع الشباب الطامحين الى الإنجاز والإبداع ورفع المستوى العلمي والتقني.


لحظة تاريخية أدخلت الفرحة الى شعوب نادرا ما تسمع خبرا سعيدا


العالم ماض قدما في استثمار الفضاء ولكن مجال التنافس فيه لا يزال محدودا


دائما ثمة طلاب يعرفون أكثر من أساتذتهم، فهل ساعدتهم حكوماتهم؟

أعلنت الامارات العربية المتحدة عن نجاح دخول مسبار الأمل مدار المريخ في لحظة تاريخية احتفل بها جميع العرب ودخلت الفرحة الى قلوب هذه الشعوب التي نادرا ما تسمع خبرا سعيدا، فكان لنجاح مهمة المسبار أثر طيب في نفوس الجميع. وقد تعودنا من الامارات السعي الحثيث للتطور ومواكبة التقدم العالمي، وقد نجحت معظم مشاريعها التي خططت جيدا ونفذت ببراعة وعادت بالمنفعة العلمية والاقتصادية على الشعب الاماراتي، وامتد خيرها للمقيمين وبعض الشعوب خارج الامارات. وهذه المرة، ضاعت الفرصة على المنتقدين لأن المشروع نفذ بأيد اماراتية.

إن الأثر النفسي لهذا المشروع أكبر من النفع الاقتصادي، فهو مشروع ملهم لجميع الشباب الطامحين الى الإنجاز والإبداع ورفع المستوى العلمي والتقني، ولا شك أن ملايين العرب شاهدوا لحظة إعلان النجاح ووقع عليهم أثره الذي جعلهم يحلمون بأن يفعلوا شيئا كهذا ويحققوا أنفسهم ويجدوا مكانا لهم في هذا الماراثون العلمي، وكل الإنجازات الكبيرة تبدأ بحلم، وعلى ولاة الأمور أن يأخذوا بيد الشباب ويساعدوهم على تحقيق أحلامهم.

ومع ذلك، فإن المنفعة الاقتصادية موجودة، فقد أنفقت الدولة 22 مليون دولار على هذه المهمة، وهو مبلغ لا يعتبر شيئا مقابل ما تنفقه الدول المتقدمة على البحث العلمي، وقد تنفق المليارات ويفشل المشروع ولكنها لا تكف عن الإنفاق لأن البحث العلمي يعود بالنفع عليها، ويتحول الى مصانع ومتاجر ومنشورات علمية تباع وتشترى وتحقق أرباحا طائلة.

صحيح أنه لا يجوز لأية دولة امتلاك شيئا في الفضاء الخارجي بموجب معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 التي تنص على أنه لا يمكن لأي دولة في العالم المطالبة بسيادة أو ملكية هيئة سماوية معينة، ومع ذلك، إذا كانت المنظمة لديها القدرة على استغلال أحد الموارد، فيحق لها استخدامها لتحقيق مكاسب مالية، انطلاقا من مبدأ أن موارد الفضاء الخارجي مجانية للجميع لاستخدامها بطريقة تنافسية. فكيف يمكن للإمارات تحقيق الأرباح من استكشاف الفضاء؟

إن هذا ممكن من تصنيع المركبات الفضائية بما في ذلك المكوكات والصواريخ، لأغراض متنوعة كنقل البضائع ونقل الطاقم والملاحة ومن الأمثلة الموجودة على الشركات الخاصة في هذه الفئة: SpaceX وBlue Origin وThe Spaceship Company وAstra Space، كما أن هناك صناعة دفع المركبات الفضائية، وذلك باستخدام مختلف التقنيات مثل شركة Ad Astra Rocket التي تقوم بتطوير تكنولوجيا دفع صواريخ البلازما للمركبات الفضائية. بالإضافة الى قاذفات الأقمار الصناعية مثل شركة SpaceX Fox. وهناك أيضا شركات الاقتصاد القائم على الفضاء حيث تشارك الشركات الخاصة في العديد من أنشطة استغلال الموارد الفضائية واستكشافها. على سبيل المثال، تصنع شركة Made in Space معدات مثل الألياف البصرية في محطة الفضاء الدولية. من ناحية أخرى، تشارك Deep Space Industries في أنشطة التعدين في الكويكبات القريبة من الأرض كما تقدم شركات أخرى خدمات المحطة الفضائية مثل Axiom Space. وفي السياحة، توجد شركات تقدم خدمات النقل لسياح الفضاء مثل Space Adventures، التي تمكنت من إرسال 7 سائحين على الأقل إلى الفضاء الخارجي وشركة Virgin Galactic.

أي أن العالم ماض قدما في استثمار الفضاء، ولكن مجال التنافس فيه لا يزال محدودا مما يفتح المجال أمام الامارات لولوج هذا المجال مع احتمال أعلى لتحقيق الفوائد الاقتصادية والتجارية، وهي تقوم بذلك إدراكا منها أن النفط لا يمكن أن يكون مصدرا للرزق الى الأبد، وهي تحتاج الى بديل حاجة ملحة، من خلال بناء الانسان وبث روح الإقدام والطموح وتجنب الإحباط لأنه قاتل لروح العمل والإبداع.

كانت لحظة اعلان نجاح المهمة لحظة تأمل، فالذي عمل في التعليم يدرك أكثر من غيره الطاقات الموجودة في البلاد العربية، فهناك من الطلاب والطالبات، من الكليات العلمية على وجه الخصوص، من يعرفون أكثر من أساتذتهم، وهم يتكررون في كل عام دراسي، فهل ساعدتهم حكوماتهم؟ هل وفرت لهم الفرص للإبداع وخدمة أوطانهم؟ أم انتهى طموحهم عند حصولهم على درجة الدكتوراة والعمل في سلك التدريس وانتهى الأمر؟

إن ما تحتاجه الدول العربية هو ما تفعله الامارات، وهو القيام بمشاريع تجلب دخلا وتفتح المجال للإبداع والتطوير وبيع المنتجات، وما يزيد يدخل في جهاز أبو ظبي الاستثماري حفاظا على المال العام. وإذا تبرعت لدول فقيرة فإنها لا تعطي مالا، بل تنفذ مشاريع خدمة للشعوب على المدى البعيد. عندما أنشئ برج خليفة، تعرضت الامارات لانتقادات عنيفة على هدر المال العام، واليوم يقف برج خليفة كمعلم نابض بالحياة تتوجه اليه الأنظار عند كل مناسبة محلية أو عالمية، ويجلب دخلا للدولة على مدار الساعة، وسوف ينجح المشروع الفضائي للإمارات بنفس الطريقة.