مساع غير حميدة من طهران

بقلم: نزار جاف

تتسع يوما بعد آخر دائرة الرفض الشعبي للنظام الديني المتزمت في طهران، وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة للنظام لكي يمسك زمام الامور بقبضة حديدية، إلا أن قوة وحجم حركة الرفض التي هي دوما في تصاعد مستمر، تجعل من غير السهل أبدا عبر مثل هذا الاسلوب (أكل عليه الدهر وشرب) أن يسيطر على الشارع.

تكمن مشكلة النظام في أن حركة الرفض الشعبي داخل إيران انما تستمد قوة غضبها من سوء التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من قبله، لكنها، باتت أيضا تستمد عونا ودعما معنويا إضافيا بالغ القوة من حركات الرفض الشعبي للشعوب العربية في العديد من الدول، خصوصا وان هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الشعب الايراني وهذه الشعوب، وقد سعى النظام ومن خلال تخمينه المسبق بالخطورة الكبيرة التي قد تشكلها الانتفاضة الشعبية العربية على الاوضاع في إيران، الى إنتهاج سياسة غريبة بمعايير مزدوجة ضد هذه الانتفاضات تجلت في اتجاهات ثلاث هي:

ـ التظاهر بدعم واسناد هذه الانتفاضات (خصوصا أثناء ما حدث في تونس ومصر، حيث بوغت النظام على حين غرة)، والسعي الى احتوائها بمخلف الطرق والوسائل، في حين أنه يتوجس منها ريبة ويتخوف من تداعياتها وإنعكاساتها على اوضاعه الداخلية.

ـ الايحاء للشعب الايراني بأن الانتفاضات الشعبية العربية التي حدثت وتحدث، هي في اساسها ذات محتوى ديني وانها إنعكاس للمبادئ والافكار التي بشر بها الخميني وامتداد طبيعي وتأريخي لها وهو ما أكده النظام في تصريحات واقوال صادرة عن كبار المسؤولين.

ـ العمل على خلق حركة مضادة يكون هدفها الاساسي تشويه وتزييف جوهر ومضمون هذه الانتفاضات من خلال دعم اوساط وجهات تابعة لها داخل بلدان عربية محددة من أجل فرض إملائات سياسية او أمنية معينة على حكومات هذه البلدان.

لكن النظام الايراني الذي يحاول عبر سياساته الخارجية إمتصاص النقمة الداخلية او على الاقل التخفيف منها، بدأ اليوم يعاني من تبعات وإنعكاسات سياساته الخاطئة عندما بدأ الاجماع الدولي يكاد أن يكون بحالة من القوة والاصطفاف بحيث لم يسبق وان كان بحالة مماثلة طوال العقود المنصرمة، غير ان ثمة تحرك إقليمي في المنطقة بات بدوره يؤثر بصورة بالغة السلبية على الاوضاع الداخلية في إيران، إذ أن طرد السفير الايراني من الكويت على أثر ما أكدته الحكومة الكويتية من اكتشاف شبكة تجسس إيرانية وإصدار حكم بالاعدام على ثلاثة أعضاء فيها، وكذلك التصريحات القوية التي صدرت عن مسؤولين بحرينيين بخصوص تدخلات إيرانية في الشؤون الداخلية للبحرين، كل ذلك كان له الكثير من التأثير على الاوضاع الداخلية في إيران ومنحتها المزيد من مقومات ومرتكزات الاستمرارية. إلا أن النقطة التي أثارت رعب النظام وأقلقته كثيرا وأقضت من مضجعه تجلت في المحاولات الحثيثة التي يبذلها العديد من الساسة والنواب الاميركان من أجل حث الحكومة الاميركية على إخراج منظمة مجاهدي خلق العدو والخصم العنيد للنظام الديني في طهران من لائحة المنظمات الارهابية، خصوصا بعد أن نجحت المنظمة وبصورة ملفتة للنظر على الصعيد الاوروبي بهذا الخصوص وبدأت بكسر سلاسل الحظر المفروض عليها لدوافع ومرام سياسية. وقطعا لم تكتف طهران بالرفض النظري وانما إبتغت تفعيل رفضها على أرض الواقع خصوصا فيما يتعلق بالمساعي المبذولة من أجل إخراج المنظمة من قائمة المنظمات الارهابية.

وقد بدأت طهران ومن خلال لوبي خاص لها جندته من أجل هذا المسعى بالعمل الجاد والحثيث من أجل الحيلولة دون إخراج المنظمة من تلك القائمة وبدأت من خلال أقلام مأجورة ومشبوهة بالزعم من أن إخراج المنظمة من تلك القائمة سوف يعود بالضرر على "الحركة الخضراء"، ويقود أيضا الى المزيد من التشدد من جانب النظام الديني.

ان مثل هذه المزاعم الواهية والخاوية من كل بعد سياسي يتمتع بالمصداقية، تهدف فيما تهدف الى الطعن بمصداقية منظمة مجاهدي خلق كطرف رئيسي ومهم في المعارضة الايرانية ولاسيما من حيث دورها الحيوي في الشارع الايراني والذي إعترف به النظام ذاته لأكثر من مرة عقب الاحداث الاخيرة، من هنا، من الضروري جدا فضح هذه الاقلام المنتمية اساسا الى لوبي صنعه النظام من أجل هدف يصب في غير صالح مستقبل الشعب الايراني. لقد كانت منظمة مجاهدي خلق ولازالت من أشد الاطراف السياسية في إيران من حيث إيمانها وإلتزامها بالقيم الديمقراطية وبمبادئ حقوق الانسان وحقوق المرأة وإبقاء الدين بعيدا عن السياسة، وان خلافها مع هذا النظام ومنذ الايام الاولى للثورة قد كان بسبب من تمسك المنظمة القطعي بهذه المبادئ، وان عودة نفس النظام ومن خلال أقلام مأجورة له لكي ينفخ في قرب مثقوبة لهو سعي غير حميد وانه من الواجب أن تنتبه مختلف الاوساط السياسية والفكرية والاعلامية من هذه المحاولات وتتجاهلها ولا تأخذ بها.

نزار جاف

کاتب و صحفي عراقي مقيم في المانيا