مسارح برودواي الروسية تنافس مثيلتها الاميركية

موسكو - من اولغا سوبوليفسكايا
المدرسة الروسية في المسرح تتميز بالابداع والاتقان

لم تعد "برودواي" المكان الوحيد لمشاهدة المسرحيات الموسيقية بالنسبة لمحبي هذا النوع من الاعمال الاستعراضية من الروس. فالاكثر حماسة من هؤلاء يؤكدون على ان موسكو سوف تحتل قريبا مكانا بارزا ضمن عواصم المسارح الموسيقية. وحتى المتشائمين لا يملكون الجرأة على نفي واقع ان المسرحيات التي تقدم في موسكو تعتبر مسرحيات ناجحة وهي تتحول شيئا فشيئا لكي تكون من بين افضل المسرحيات في العالم.
المسرحيات الموسيقية كانت موجودة بالطبع في العهد السوفييتي ولكنها كانت تسمى عادة "بالكوميديا الغنائية". ونجوم هذه المسرحيات لم يكونوا ابدا اقل قدرة من نجوم هوليوود. ومن هؤلاء على سبيل المثال المغني الاستعراضي صاحب الصوت غير العادي ليونيد اوتيوسوف، ومعبودة الجماهير لوبوف اورلوفا التي استوت على عرش السينما في اعوام الثلاثينيات وبعدها.
ومن بين الافلام الموسيقية الاولى التي صورت في روسيا فيلم "الشباب المرح" الذي شارك فيه اوتيوسوف وارولوفا وأخرجه عام 1934 غريغوري الكسندروف. وهذا الاخير كان تعلق خلال رحلة قام بها في ذلك الحين الى الولايات المتحدة بهذا النوع من الموسيقى الجديدة والجماهيرية الذي كان يشتمل على عناصر منوعة من الفن التقليدي والاستعراضي والمسرحي والراقص والاوبرالي.
وفيلم "الشباب المرح" هو قصة سندريللا ولكنها في قالب روسي، وقد حقق نجاحا كبيرا. وكانت سينما الافلام الموسيقية تحوز على اعجاب جوزيف ستالين نفسه.
وبالمختصر نجحت عملية غرس الابتكار الاميركي في التربة الروسية. ولقيت كافة الافلام الموسيقية التي وضعها الكسندروف وزميله ايفان بيرييف في سنوات الثلاثينيات والاربعينيات نجاحا واسعا.
واستأنف مارك زاخاروف، الذي يرأس حاليا احد اكثر المسارح شعبية في موسكو وهو مسرح "لينكوم"، في اعوام السبعينيات والثمانينيات تلك التقاليد المجيدة. وجمهور افلامه يعتبر حتى اليوم الجمهور الاكبر والاوسع، ولكن فئة المثقفين تنظر اليه بمشاعر تقدير خاصة.
اما سبب تقدير المثقفين والنقاد له فيرجع الى ان الافلام الموسيقية الاخرى، ولا سيما الاميركية، تعتبر الطبيعة الراقصة-الموسيقية للعمل كافية بحد ذاتها بينما الموضوع له طابع شكلي وحسب ومطلوب منه فقط ان يشكل هيكلا لتعليق المشاهد عليه. اما عند زاخاروف فالامر مختلف. فهو مرتبط بشكل وثيق بالمشهدية الا انه لا يجعلها مطلقة. أي انه نجح في تحقيق المعادلة الصعبة وهي اخراج قصة محبوكة دراميا في قالب موسيقي.
وقد عمل كثنائي مع كاتب السيناريو الموهوب غريغوري غورين الذي اجتمعت في رواياته في وقت واحد الفكاهة اللاذعة والخفة والشاعرية والعمق الفلسفي بينما كان بمقدور الممثلين، الذين كان المخرج يختارهم بعناية، التعبير عن كل التفاصيل النفسية والقاء الضوء على كل ما كان مخبأ بين السطور.
ان الصيغة الروسية من المسرحية الموسيقية "احدب نوتردام"، المأخوذة عن قصة الكاتب الفرنسي فيكتور هيغو، تعتبر من انجح المسرحيات الحالية، وهي ثرية لحسن الحظ بالتقاليد التي وضعها زاخاروف.
وتذكرنا "نوتردام" بشكل او بآخر بمسرحية "يونونا وآفوس" عن الحب المنتصر على الموت التي تحولت الى مسرحية موسيقية تعرض منذ عدة عقود على مسرح "لينكوم".
ومن اهم خصائص هذه المسرحية، في قالبها الروسي، التوازن الواعي بين الاستعراضات والدراما. وعمل على ترجمة النص الفرنسي المغني الروسي المعروف يولي كيم الذي تتصف أشعاره "بالبساطة الباريسية" والعمق الروسي.
كما لم يخطئ واضعو المسرحية باختيار ممثل شخصية كوازيمودو (وهو احدب نوتردام) ايضا. فالدور يلعبه المغني الشاب المعروف فياتشيسلاف بيتكون قائد احدى الفرق الموسيقية المحبوبة من الشباب.
وبالرغم من ان المغني وحسب اعترافه "لم يمثل قبل الآن في المسرح ولم يتعلم في اي مكان مهنة التمثيل" الا ان انظار الجمهور مسمرة عليه هو بالتحديد. وهذا بالامكان تفسيره بأنه يعيش على المسرح وبشكل حقيقي حياة شخصيته المحبة التعيسة وجاذبية صوته الجميل بشكل مسرحي.
ويشير النقاد الى الذوق الرفيع الموجود في الملابس والديكورات والمؤثرات الخاصة. وهناك من لفت الانتباه الى الشكل الحديث للمسرحية حيث ان حراس الملك شبيهون برجال الشرطة الحاليين والمغنين الجوالين شبيهون بالهيبيز.
وفي مقالات أخرى يشار الى الاعجاب بالاعلان المهني الرائع عن المسرحية الذي دفع حتى رئيس الوزراء ميخائيل كاسيانوف ووزير الثقافة ميخائيل شفيدكوي والعديد من القيادات الاجتماعية الى حضورها.
وشيئا فشيئا تحول الاهتمام الجدي باعمال المسرح الموسيقي الى تقليد متبع. فمسرحية "نورد-أوست" التي لا تقل لمعانا عن "نوتردام" والموضوعة قبلها زمنيا لقيت جدالا واسعا في المجتمع ايضا. وهي وضعت من مادة روسيا مقتبسة عن قصة الكاتب السوفييتي بنيامين كافيردين "القبطانين" وتتحدث عن صيرورة الشخصية ومعاني الشرف والبطولة.
ويبدو ان نجاح المسرحيتين الموسيقيتين "احدب نوتردام" و"نورد-اوست" لا تعطي مجالا للراحة للمخرجين ونجوم البوب والممثلين. ففي الموسم الجديد ستقدم اربع مسرحيات من بينها الصيغة الروسية لمسرحية "ساحرات ايست ويك" عن قصة جون آبدايك، ومسرحية "شيكاغو" التي وضعها في برودواي منذ اكثر من ربع قرن المخرج بوب فوس.
اما في روسيا فقد أخذ مسألة عرضها على عاتقه فيليب كيركوروف مغني البوب الطموح الذي تصفه الصحافة مؤخرا بالنجم. وهكذا تستمر الاعمال الموسيقية الاستعراضية في روسيا بمسيرتها الى الامام. ويبدو ان برودواي الروسية في طريقها لان تنافس مثيلتها الاميركية، وربما تتفوق عليها.