'مسارات' تدعو إلى تحطيم الخرافات

كتب ـ حسن عبيد عيسى
حرية الكلام

ها هو العدد الجديد من مجلة "مسارات" الفكرية الثقافية العراقية، وهو العدد الثاني من السنة الثالثة من عمر المجلة، يحط بين أيدي القراء ليشكل حلقة من سلسلة فكرية متواصلة بدأت مع العدد الأول.
ولعل سمة العدد الجديد تتمثل في دعوة المجلة على لسان رئيس تحريرها سعد سلوم إلى (تحطيم الخرافات)، فهو في موضوعه الذي يتصدر العدد عادة، والذي جاء هذه المرة بعنوان (سيناريوهات يوم القيامة) يترك الحرية للنَفَس الروائي والخيال الواسع الذي يسكنه ليوظفا فكرة الخوف البشري الذي يسود الكوكب المسكون من مخاطر جمة منها اجتياحات وبائية وسخونة بدأت تخيف سكان الأرض.
فضلا عن تدمير بشع للغابات، وانقراض مختلف الأسباب لحيوانات كثيرة، والتصحر الذي يضرب أطنابه في عموم الكوكب، والتلويث الواسع الامتدادات للبيئة..الخ.
ولم يترك سلوم قارئه فريسة لكوابيس الرعب التي يحملها مثل هكذا سيناريو، بل يقدم ما يراه حلا ناحجا لكل أو لأغلب تلك المشاكل التي تشكل مخافا مشروعة يسكن بعض الهلع والمخاوف التي تثيرها عملية استذكارها.
ومن بين المساهمين في هذا العدد الدكتور باقر جاسم محمد الذي ترجم نصا كتبه روي هاريس بعنوان "حرية الكلام"، وهو ينطوي على قضية وثيقة الصلة باللسانيات.
وتواصلا مع اهتمامات هيئة تحرير المجلة بكشف خفايا العناصر المكونة للمجتمع العراقي، والتي بدأت بملف خاص بالديانة اليزيدية لما يلف هذه الديانة من غموض بسبب عدم وجود نشاط إعلامي مكثف يتناول طقوسها وأفكارها، فإن المجلة قدمت لقرائها في هذا العدد ملفا مماثلا عن ديانة الصابئة المندائيين في العراق.
افتتح الملف بدراسة تحمل البسملة الصابئية (بسم الحي العظيم) عنوانا لها، وهي عرض لبعض الطقوس والأفكار التي تقوم عليها ديانة الصابئة المندائيين، كتبها ماجد ثاني زهيري، فيما فصل الترميذا (= رتبة دينية) يوحنا النشمي حقيقة الديانة المندائية واستقلاليتها عن كل من اليهودية والمسيحية بدراسة تعريفية موسعة عنوانها "الديانة المندائية وأنبيائها المقدسين".
وتتواصل عملية الكشف عن أفكار هذه الديانة التي ذكرها القرآن الكريم، مع دراسة سالم غصاب كفل الموسومة "معرفة الله في التصور المندائي" ثم يقفل عزيز سباهي هذا الملف ببحثه الموسوم "ما بين الماركسية والدين متسعا رحبا للتعبير عن هموم الناس".
كانت القصيدة الوحيدة التي نشرت في هذا العدد هي "الحائر بوعائه" لفراس حرّام، بينما غاص مدير التحرير صفاء صنكور في أعماق الأديب المبدع جاسم عاصي في حوار كان عنوانه "للمكان قيمة بنيوية أسهمت في بلورة علاقتي بالوجود".
واستكمالا للرحلة الأدبية لجاسم عاصي نجد قصة قصيرة عنوانها "ما روته الذاكرة" أهداها عاصي إلى صديقه مجيد حميد الحداد .. ذكرى سنوات الأقفاص البشرية كما ورد في أعلى القصة، وهي آخر قصة كتبها الصديق جاسم عاصي كما أخبرني هاتفيا.
أما الفنان الذي كان موضع حفاوة هذا العدد من مسارات فهو الفنان التشكيلي شداد عبد القهار، وقد أعد مواد الملف كل من فاخر محمد برؤية عنوانها "شداد عبد القهار حداثة السطح"، وصلاح عباس الذي قدم رؤية بعنوان "شداد عبد القهار ثنائية من الحب والحرب"، بينما رأى محمد الهجول أن لوحات شداد عبد القهار (إيقونة واسعة لأقليات الصياغة المحكمة)، فيما ختم خصير الزيدي الملف بحوار مفصل مع فنان العدد.
جاء مسار السينما مترعا كعادته، إذ تضمن "ضربات مايكل مور السينمائية" التي يفضلها البعض قاسية، كما يصف ذلك ويفسره كاتب البحث فراس عبد الجليل الشاروط، بينما بحث أحمد ثامر جهاد في "مرايا شاعر السينما أندريه تاركوفسكي في كتاب المقارنات"، أما البحث الأخير من مسار السينما فهو نص بعنوان "التكعيبية في السينما" ترجمه عباس المفرجي.
من بين المواضيع المترجمة والتي تعالج موضوعا فريدا ليس من السهل فهم طويته من دون الاطلاع على الخبرات المتخصصة كالتي أنتجت هذا البحث الموسوم "سايكولوجيا الميديا"، وهو دراسة في التأثيرات النفسية لوسائل الإعلام لبروفيسور علم النفس في جامعة كاليفورنيا ستيوارت فسكوف، ترجمة علاء هاشم.
ولفهم واقع الحرب التقنية وفهم مساراتها التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم منذ الحرب الأهلية الأميركية التي أبرزت للعيان فجأة تلك التقنيات، فإن أمير دوشي ترجم لنا بحثا بعنوان "صور حروب أميركا من الواقعية إلى الواقع الافتراضي"، وهو بحث لبروس فرانكلين، ومفيد ذكره أن الواقع الافتراضي هو تصوير حاسوبي للواقع يعطي المشاهد انطباعا بأنه في واقع فعلي يمكنه التعامل معه.
ولما كانت مسارات قد عودت قراءها على تقديم كتاب مع كل عدد إما أن يكون منفصلا عن جسم المجلة أو يشكل بعضها من هيكلها، فهي في هذا العدد قدمت ترجمة لكتاب أي. إيفانز بريتشارد الموسوم "نظريات الدين البدائي" قام بترجمته خالد شاكر.
وكانت الصفحة الأخيرة من هذا العدد مكرسة لإجابة ياسين النصير على سؤال طرحه كعنوان للصفحة وهو "ما الشعر؟". حسن عبيد عيسى ـ العراق