مسارات البوح واكتلام الحروف بين أصالة التراكيب وحداثية الرؤى (8 / 8)

أنا المواجع ساكنات صلب نايك

سابعا: تجليات النغم:

تضافر رافد النغم مع روافد الطير والزهر والأحجار الكريمة في رصد منظومة الصفو التي تستلزمها مسارات البوح في ديوان "قلبي وإرث الأمتعة"؛ إذ وظفت الشاعرة جيهان بركات، تباريح النغم بحقيقتها ومجازيتها في اثنين وعشرين موضعا توزعت على ثلاثة أنماط على النحو الآتي:

النمط الأول: الآلات الموسيقية:

وقد وردت في ثمانية مواضع

1- قولها من قصيدتها "همسا يبوح اللازورد":

وكنت إلى دوزنات كماني

كــ (مي) (فا)

على بعد لحن وعزف

2- قولها من القصيدة ذاتها:

تشعشع بالنور هذا الخراب الجميل

تموسق جرحي

3- قولها من قصيدتها "بين الخشية والعصيان":

وتلون نبراتي

وتموسق ذكركْ

4- قولها من قصيدتها "رقص على هزج الدخان":

راودت مزماري عن الألحان

فاستعصم

5- قولها من القصيدة ذاتها:

واغرورقت عين الكمان

وأطرقت

6- قولها من قصيدتها "ما كشف الفؤاد ما هوى":

وأحب عذوبة صوت كالقيثار

7- قولها من قصيدتها "نون البوح":

وأنا المواجع

ساكنات صلب نايك

8- قولها من قصيدتها "عبر القصيد تلوت سفري":

وأرِقُّ للنايات حال أنينها

النمط الثاني: الرقص:

وقد ورد في خمسة مواضع:

1- قولها من قصيدتها "همسا يبوح اللازورد":

تراقص خيبات عمري

وأعجاز نخل خوت منذ دهر

2- قولها من قصيدتها "رقص على هزج الدخان":

ولا جموع الراقصين

على دماء جراحه

والنائحون

3- قولها من قصيدتها "إني كتبت صحيفتي ورفعت قلمي":

أراقص النجمات

في فرح معكْ

4- قولها في قصيدتها "مجمرة من صخر":

ودغدغ العطر جيدي فانتشيت له ** وراقصتني فراشات بأخيلتي

5- قولها من قصيدتها "عبر القصيد تلوت سفري":

ولربما

يصطف ما بين السطور

مراقصا خصر الحروف

النمط الثالث: أصوات النغم:

وقد وردت في تسعة مواضع:

1- قولها من قصيدتها "بين الخشية والعصيان":

يترنم في خدر باسمك

2- قولها من القصيدة نفسها:

تشدو

وتلون نبراتي

3- قولها من قصيدتها "رقص على هزج الدخان":

جف الوريد

قلن يدندن نابضا

4- قولها من القصيدة ذاتها:

هل آنت أهازيج الرحيل؟

5- قولها من قصيدتها "ما كشف الفؤاد ما هوى":

فترقرق لحنا هتانا

يسري سريان النهر بأعصابي

6- قولها من القصيدة ذاتها:

تربت ربتة فنان بالفرشاة

فترسمني ترتيلة عشق

7- قولها من قصيدتها "صوتك":

تدندن حين تقبل

شغر الكأس الظمأى

8- قولها من قصيدتها "قلبي وإرث الأمتعة":

كانت تعد لي الحقائب

وترتل الآمال وِرْدا

9- قولها من قصيدتها "عبر القصيد تلوت سفري":

فإلام يثنيني التغني بالحياة

عن الحياة؟!

ثامنا: تعابير السفور:

وهي الملمح الأخير المتمم لملامح حداثية الرؤى، ونقصد بها هذه التعابير المباشرة الواضحة المباغتة الصريحة التي تتخذ الشاعرة منها سبيلا لاختصار وصف حالها او حال الآخر في إطار مسارات بوحها واكتلام حروفها.

ونسوق من هذه التعابير عشر جمل شعرية تعكس – في مجملها - هذا الملمح في ضوء النص والسياق:

1- قولها من قصيدتها "همسا يبوح اللازورد":

وأنت إلى من النبض أقربْ

2- قولها من القصيدة ذاتها:

فجئت ضمادة بوح

بترياق حب تطببْ

3- قولها من القصيدة ذاتها:

وكدت أناديك

هيت.. تقربْ.. تقربْ

4- قولها من القصيدة ذاتها:

من الحب لا تختصر أي حرف

5- قولها من قصيدتها "بين الخشية والعصيان":

أوَ جرم أني أحببتك؟!

6- قولها من قصيدتها "ما كشف الفؤاد ما هوى":

وأحب الشجن الخافت في عينيك

وأحب رفيف البسمة في شفتيك

7- قولها من قصيدتها "صوتك":

صوتك

في أدنى حالات تجليه

حياة

8- قولها من قصيدتها "إني كتبت صحيفتي ورفعت قلمي":

إني اصطفيتك وانتهى أمري

9- قولها في قصيدتها "ظبية في شراك الحب":

ووددت لو كانت حياتي قبلة ** فأريقها في راحتيك مناصَفَة

10- قولها من القصيدة ذاتها:

لن ينفع الكتمان، قلبي ماله ** - يا قبلتي - من دون حبك كاشفة

وبعد.. فبذلك تكتمل "مسارات البوح واكتلام الحروف بين أصالة التراكيب وحداثية الرؤى" لشاعرة أراها قد زاحمت شواعر جيلها في العصر الحديث وتقدمت عليهن بإتقان أدواتها وامتلاك عدتها ورصانة خطابها الشعري، وثراء قاموسها اللفظي، وبريق تصويرها الفني، وغوصها في خضم راقٍ رائقٍ من فرائد الكلم وأقواها وأصفاها وأوْلاها وأنسبها لمزاجات قصيدها المتنوع.

شاعرة تتقن فنيات التراكيب، وتعشق ثراءها وتستمتع بمداعبتها وتقليبها ظهرا لوجهٍ ووجها لظهر، وتستعذب آثارها وتناغيمها ضمن أطرٍ تصويرية مبدعة.

ولذا.. فقد أتاح لها ذلك كله أن تأخذ مكانها وتلوِّح بمكانتها في عصرٍ اضطرب فيه فحوى الكلام وخارت وسائله، عصرٍ زاغت فيه الرؤى وتدنت فيه روائع النظم.. فكانت "هي" بفنيتها وثقتها وثقافتها وموفور اطلاعها تقول: هأنذي.. هذه قصيدتي وتلكم رؤيتي أودعها مكامن نصفتكم، راضيةً عما قدمت بين دفتي هذا الديوان، واثقةٍ في رضانا عنه.. نتركها وقد ساورنا الأمل بان نعود إليها وقد أضافت إلى قلبها وإرث أمتعتها زهرات أخرى لا شك سنسعد بها.

أ. د. مختار عطية ـ أستاذ النقد الأدبي والبلاغة ـ كلية الآداب جامعة المنصورة