مزالق سياسة العضلات

لماذا نحن مختلفون مع السيد المالكي وسياساته وعداواته وخصوماته التي لا تنتهي؟ أليس جنونا منا أن نخالفه لو كان القائد َ الشهم والعادل والعاقل الذي يجاهد، بصدق وأمانة ونزاهة وإخلاص، ليصل بنا إلى شاطيء السلامة والعز والرفاه والكرامة؟

نعم، نعارضه بشدة وتصميم إلى أن يتنحى أو يُنحى، لأنه فشل، وليس لسبب آخر، لا طائفي ولا ديني ولا مناطقي. فنحن المستقلين الديمقراطيين العلمانيين، لا نفرق بين عراقي وآخر بسبب دين أو طائفة أو عرق أو لون أو جنس أو مدينة أو قرية أو حزب أو فريق. المهم أن يقودنا بعقل وليس بعضلات، وبلا حبك دسائس وتلفيق ملفات وافتعال أزمات، وإثارة فتن وحزازات.

إن لهذا الرجل في كل يوم أزمةً، وفي كل شهر حربا ومعركة. مرة مع الداخل ومرة مع الخارج، مرة مع السنة ومرة مع الكورد، مرة مع المجلس ومرة مع الصدر، ويظل الوطن ملبدا بالغيوم، وغارقا بالمخاوف والهموم.

وآخر حلقات مسلسل معاركه ومشاكساته وحروبه الهوائية الحامية هي التي نتفرج عليها هذه الأيام. وقبل المضي أكثر في الحديث عن حالة الاحتراب الجديدة بينه وبين القيادة في كردستان لابد أن نوضح أننا فيها لسنا ضد (س) مع (ص)، ولكن لأن شعبنا ملَّ من هذه المسرحيات الاستعراضية العبثية التي كلفتنا في الماضي وتكلفنا اليوم ما لا نطيق.

فهو يعرف، ونحن نعرف، والكورد يعرفون، أن في كل قضية خلافية بين بغداد وأربيل خطوطا حمراً ينتحر من يتجاوزها ويقضي على مستقبله السياسي، دون ريب. فمسألة المناطق المُختلف عليها، مثلا، والبيشمركة والنفط والغاز والميزانية والتعداد السكاني، مؤجلة، ودخول الجيش المالكي إلى الإقليم ممنوع، بأمر الباب العالي. فلماذا تُقرع الطبول ويوقد الفتيل؟ على هامان يا فرعون؟

إلا إذا كان "رئيس الشيعة"، كما أسماه سامي العسكري، يرمي من وراء تهديده الشعبَ الكوردي بأنفال جديدة إلى استفزازهم واستدراجهم ودفعهم دفعا إلى الانفصال، ليريح ويستريح، ولكي يتفرغ لسحق من يتبقى من خصوم دولته التي لن تكون شيعية ولا عربية ولا عراقية ولا حتى دولة قانون، بقدر ما سوف تكون امبراطورية "مالكية" خالصة لا شريك له فيها ولا منافس.

إن خلافنا مع نوري المالكي مبدأيٌ محض، ووطني خالص، لا غبار عليه. فلو كان رئيسا عراقيا لكل العراقيين، سواء منهم الأقربون من حزب الدعوة أو الأبعدون، وليس رئيسا للشيعة وحدهم، (وهذا اللقب ليس مني)، ولو وقف مرة واحدة فقط بوجه حكومة طهران مدافعا عن هيبة الدولة وكرامتها وثرواتها ومصائر أبنائها وأرزاقهم، ولو احتج، ولو بالكلام، على تجفيف الجداول والسواقي والروافد التي تسقي مزارع العراقيين، ولو منع إيرانيا واحدا من فيلق القدس أو الباسيج أو إطلاعات من التدخل في شؤون الدولة العراقية، ولو حاكم سارقا واحدا من رفاقه في حزب الدعوة أو دولة القانون أو الائتلاف، ولو أحال واحدا من أعوانه ومستشاريه إلى إحدى محاكم قضائه (العادل المستقل) بتهمة الفساد واستغلال النفوذ، ولو عاقب أحد قادته العسكريين والأمنيين على جريمة اعتقال واحدة غير قانونية، ولو منع مؤسسة أو وزارة أو كتيبة عسكرية واحدة من ممارسة طقوس طائفية يستخدمها أعوانه لأغراض سياسية، وقال لهم، لا يا جماعة، إنها ملكٌ لجميع العراقيين، شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، عربا وكوردا وتركمانا وصابئة وكلدوآشوريين، ولو ترك الأمن لقوى الأمن، وترك الجيش لحماية الوطن وليس للاحتلال والاستفزاز والترهيب والتخويف والترويع، ولو منع وزير تربيته ووزير تعليمه العالي من إقحام المفاهيم والأفكار الدينية المذهبية في برامجها ومناهجها، ولو قطع يد واحد فقط من لصوص النفط، وواحدٍ فقط ارتشى، وواحد فقط تاجرَ بالممنوع، أو زور شهادة، من طائفة السيد الرئيس وليس من القوائم المنافسة وحدها، لصدقنا أن خلافاته مع الكورد وطنية مجردة من المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، ولانخرطنا، وعلى الفور، في حزب الدعوة، ولأصبحنا جنودا في جيوشه دون تردد، حاملين سيوفنا وتروسنا، ونافرين لقتال المتمردين الكورد والتركمان والسنة والصابئة والإيزيديين والكلدآشوريين والترك والسعوديين والأردنيين والسوريين (الثوار) والكويتيين والأردنيين والمصريين والتوانسة والليبيين والمغاربة والأميركيين والفرنسيين والألمان والإسبان وكل من يخالف الحجي، دون شك ولا ريب.

ولكن الذي يتفحص نفسية هذا الرجل ومزاجه، ويستعرض أقواله وتصريحاته وأفعاله، ويتابع أوامره وقراراته، وتلوناته وتقلباته وتخبطاته، ويتأمل مستشاريه وأعوانه المقربين المدنيين والعسكريين، ويدقق النظر في عنجهية نجله وكريمته وصهره وبعض ذوي قرباه، لا يملك إلا أن يغسل يده منه، ولا يعتبره إلا قائد مليشيا أو رئيس عصابة لا يختلف عن قائد عصائب الحق أو جيش المهدي أو فيلق بدر سيء الصيت.

وأخطر ما في الحاكم، أي حاكم، أن يجهل ما حوله، ومَن حوله، كمن يفقد البوصلة ويبحر في العواصف والظلمات بدونها.

إن هذا الرجل فقد عقله، وصار شمشون الجديد، يحارب البشر والشجر والرياح. والأكثر إيلاما في صراعاته التي لا تتوقف مع شركائه في العملية السياسية، وحلفائه في الائتلاف الوطني، ومع العراقية وكردستان وتركيا والسعودية والأردن وسوريا (الثورة) والكويت واليمن ومصر وأميركا وفرنسا وبريطانيا والسويد وسويسرا والهند والسند ومورتانيا والصومال، أنها مجردُ ألاعيبِ رجل ٍغير محنك في السياسة، وغير متضلع في قوانينها وتعقيداتها وأصول اللعب فيها، وغير مدرك لمخاطرها التي لا ترحم.

لقد أثبت لنا بالدليل القاطع أنه من فصيلة الحكام الذين تصيبهم لعنة الكرسي الذي يجيئهم مصادفة ودون استحقاق، بانقلاب عسكري، أو بحركة غوغائية طارئة، أو بغزوٍ أجنبي، فلا تتحملها عقولهم، وسرعان ما يصيبهم الغرور، ويسقطون في هوس الحكم والسطوة والجبروت، فيعضون على الكرسي بأسنانهم، وُيلصقونه بأيديهم وأرجلهم، ولا ينزلون عنه إلا على جثثهم وعلى جثث الكثيرين من المناصرين والمعارضين. وصدام وبن علي ومبارك والقذافي وعلي عبدالله صالح وبشار نماذج لا تنسى.

هؤلاء الحكام لا يستطيعون مغادرة السلطة، لأنهم يعرفون تماما أنهم بدونها نكرات ٌ لا مكان لهم إلا في المقابر أو السجون. وهذا ما يجعلهم، في الغالب، مستعدين لتدمير الدولة وهدم أركانها وتهديد أمنها واستقرارها وبعثرة ثرواتها إذا ما أحسوا بقرب النهاية.

أما "رئيس وزرائنا" فالمرض لديه مرضان، والخلل خللان. الأول من الكرسي الذي هبط عليه فجأة، مثل ورقة يانصيب، من حيث لم يحتسب، والثاني من كونه بلا ثقافة ديمقراطية ولا علم ولا اختصاص. فهو لم يغادر الحسينية، ولم يدرس شيئا في علم السياسة والديبلوماسية وإدارة الأعمال، ولا في شؤون الأمن والجيوش، ولا في علم الفلك وقراءة الطالع بالنجوم.

مع التأكيد مجددا على أن رجل الدين الإسلامي السياسي لا يصلح للديمقراطية، ولا يطيقها، بحكم العُرف الثابت الذي توارثه عن أسلافه الأئمة المتعاقبين، والقائم أساسا على حصر إصدار الفتاوى والتعاليم والقرارات بالإمام، ومَن يُناقش أو يُسائل أو يعترض يكون مارقا وخارجا عن السراط المستقيم. وهذا محمد مرسي، أمامَكم، لم تمض على "ترئيسه" إلا خمسة شهور حتى رفس الربيع المصري ورجاله ودماء شهدائه وأحلام ملايينه، ونصَّب نفسه فرعونا جديدا، جاعلا قراراته نهائية وغير قابلة للنقاش والمراجعة، والآتي أعظم. ثم تأملوا نظام الولي الفقيه، من أيام الخميني وإلى اليوم، أو دولة طالبان، لتتعرفوا على الديمقراطية الفريدة من آخر طراز.

لقد عودنا هذا النوع من الحكام على إلباس المصلحة الشخصية رداءَ الوطن والخوف عليه من الصراصير والجرذان والأفاعي، ولفلفة الباطل بثوب الحق، والظلم بعباءة العدل، والعدوانية بالرحمة والمودة والابتسام، لكنَّ دواخلهم تغلي بالشر والعدوان والكراهية والأنانية والجشع والغدر والخيانة والنفاق.

فمَن من العراقيين لا يتذكر ما فعله الخميني وصدام حسين بالعراق وإيران والمنطقة، وكيف ارتدى الأول طاقية الإمامة لجميع المسلمين، وأفتى بتصدير إمامته إلى دول العالم، وأولها العراق ودول الخليج العربي، وكيف وضع الآخر على وجهه قناع العروبة والدين والدفاع عن البوابة الشرقية ضد الفرس المجوس، زورا وبهتانا، وجريا جنونيا وراء المجد الشخصي والسلطنة والوحدانية والجبروت؟

ومَن من السوريين والعراقيين ينسى يوم خاف حافظ الأسد على نظامه من رفيقه الأكثر خبثا منه وشراسة، صدام حسين، وأراد أن يعاقبه فعاقب العراقيين والسوريين أجمعين، حين تصرف بحماقة وهمجية ودون وازع أخلاقي أو ديني أو إنساني، فجفف نهر الفرات، وقطع أنابيب النفط العراقي إلى بانياس، فحرم الشعب السوري من الملايين التي كانت تدرها عليه تلك الأنانبيب، وحمَّل المواطن العراقي (وهو شقيقه) تكاليف خط أنابيب جديد إلى ميناء جيهان التركي؟ بمماذا يختلف عن نيرون الذي أحرق روما ذات يوم؟

ولماذا نذهب بعيدا؟ من منا لا يتابع ما يفعله شبلُ الأسد البار، منذ ما يقرب من عامين، وهو يدك سوريا كلها على رؤوس أهلها، دفاعا عن الكرسي، بدعم ٍ كامل عسكري ومالي وبالخبراء والمقاتلين من نظام خامنئي وحزب المالكي ومليشيا حسن نصرالله، وهم الذين يضربون ظهورهم بالسلاسل ورؤوسهم بالسواطير حزنا على مظلوم؟

يا مجاهدي دولة الإمام والشريعة والقانون، عليكم بما بين أيديكم من مدن وقرى في العراق العربي البائس الحزين، فعمروها، وامنحوها الماء والكهرباء والغذاء والدواء، وامنعوا عن أهلها ظلم ذوي القربى، حزبية كانت أو طائفية، وكفوا عن سكانها أيدي أولياء أموركم الأوصياء على جيوشكم وأحزابكم ومليشياتكم، إن كنتم صادقين ومخلصين.

وبعد أن تنجزوا هذه الوظائف كلها، وُتحولوا العراق من وطن الحشرات والقوارص والجراثيم إلى وطن ٍ حقيقي يليق بالبشر، مزدهرٍ وآمن ومحفوظ السلامة والكرامة، عندها فقط يكون من حقكم أن تحزنوا على كردستان لأن قيادتها لم تصنع لأهلها ما صنعتم أنتم لأهلكم. وعندها فقط، أيضا، سنكون معكم زاحفين لتحرير كردستان من غاصبيها الكورد، ونعيدها إلى أحضان الوطن الأم، من جديد، لتنعم بما أنعمتم به علينا من حرية وكرامة وغنى وحضارة وتقدم وأمن ورفاه.

أما قبل ذاك، وبدون ذلك، فأنتم كاذبون مزورون منافقون، وليس لكم من نسائنا وشيوخنا وأطفالنا، عربا وكوردا وتركمانا، شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، أجمعين، سوى الابتهال إلى الله أن يُعجل رحيلكم عنا، ويُثيبكم بسوء المصير، وبما تستحقونه من جزاء.

إبراهيم الزبيدي