مزاج المعارضة السورية وواقع النظام

يطرح بعض المعارضين السوريين فكرة رحيل النظام شرطا لإشتراكه في مؤتمر جنيف 2 الذي يتوقع الكثيرون انعقاده نهاية الشهر القادم. ولأن رحيل النظام لم يتحقق بالسبل العسكرية خلال أكثر من سنتين ونصف من القتال الضاري فان فكرة اجباره على الرحيل عن طريق الحوار السياسي تبدو غير واقعية.

هي فكرة. نعم مجرد فكرة حلم بها الكثيرون، ونحن من بينهم. إذ ليس من المعقول أن تورث الجمهوريات بشعوبها فلا يتم الاكتفاء بثرواتها. وليس من المعقول أن تتحول الدولة إلى غول أمني يبطش بمن يشاء ومتى يشاء. وليس من المعقول أن تنتقل اسطورة (إلى الأبد) من الأب إلى الأبن تمهيدا لانتقالها إلى الحفيد.

كان لابد من تغيير النظام السياسي الذي يحكم سوريا منذ عقود.

تستحق سوريا نظاما أفضل، بل هي قادرة على صنع ذلك النظام.

غير أن هناك مَن عبث بذلك الاستحقاق التاريخي العادل. مَن انحرف به فصار عبئا، بل صار بمثابة تهمة يحاول الكثيرون التخلص منها.

حين خرج السوريون إلى الشوارع بدءا من يوم 14 آذار 2011 كانت الحرية شعارهم الوحيد. لم تكن الاحتجاجات التي كانت سلمية في بدايتها تنم عن أي شعور بالبؤس الاجتماعي، مصدره الفقر أو الجوع، وذلك أمر يحسب للنظام، من جهة أنه لم يفرط في قدرة سوريا على أن تنتج الغذاء الذي يكفيها ويفيض عن حاجتها فتصدره.

كانت سوريا تصدر الغذاء وهي محاصرة.

كانت مطالب السوريين في بدء حراكهم الثوري السلمي تصب في مصلحة النظام من جهة تطوير قدرته على مواجهة الأزمات التي يمكن أن يواجهها في أية لحظة. كان هناك من يسعى إلى تقديم النصح إلى النظام. ليس الأسلوب الأمني هو السبيل الآمن لحل المشكلات السياسية. هناك الشعب الذي يجب أن نكون ثقته بالنظام مبنية على قناعة أخلاقية، لكي لا يتخلى عنه في اللحظات العصيبة، كما حدث في العراق وليبيا.

غير أن النظام الذي لم يؤمن بالشعب قوة ملهمة بقدر ما كان مؤمنا بالقوة وسيلة لاستضعاف ذلك الشعب لم ير في تلك النصائح إلا نوعا من الحماقة التي تجب معالجتها عن طريق الحلول الأمنية.

لقد أساء النظام الفهم هذه المرة أيضا، غير انها ستكون فرصته لكي يلقي بالجميع في منطقة من سوء الفهم، لن تخرج منها سوريا إلا بوجوده. لم يعد هناك حراك سياسي، لم تعد هناك ثورة في سوريا. هناك حرب تشارك فيها أطراف سورية وأقليمية ودولية.

سوريا اليوم هي بلد منكوب وفق كل المقاييس.

لقد اخترعت روسيا والولايات المتحدة حلا وهميا اسمه جنيف 2.

لا أعتقد أنهما فكرتا في إنهاء النزاع المسلح عن طريق حوار يُجرى بين طرفي ذلك النزاع. لا لشيء إلا لأن النظام يمثل طرفا واضحا في مساهمته في الحرب فمَن يقف أمامه؟ لقد أعلنت الكثير من الفصائل المسلحة التي تقاتل على الأرض عن براءتها من الائتلاف الوطني السوري المعارض وقالت بشكل صريح أنه لن يمثلها، أما المجلس الوطني (جورج صبرا) فلم يعد أحد في الداخل يتذكره.

هناك الكثير من الحلقات المفقودة. لا في ما يتعلق بوجود تنظيم القاعدة والجماعات الدينية المسلحة الأخرى حسب، بل وأيضا بالجيش الحر نفسه، الذي يشوب علاقته بالهيئات السياسية المعارضة التي تقيم خارج سوريا الكثير من الغموض، خاصة بعد أن تم سحب الملف السوري من أيدي القطريين وتم تحجيم الدور التركي.

هنا يمكننا تخيل جلوس النظام موحدا أمام اناس لا يملكون سلطة على الداخل السوري إلا بطريقة اعتبارية أو شكلية. فهل يعقل أن أولئك الأفراد يملكون القدرة على فرض شروطهم على مؤتمر دولي، هو في حقيقته امضاء عالمي على ما أنتهى إليه حال سوريا، باعتبارها دولة مهشمة تتجاذب أطرافها الميليشيات؟

معطيات الواقع السوري المؤلم شيء وما كنا نحلم فيه شيء آخر.

على المعارضين السوريين أن يتوقعوا سماع كلام لن يعجبهم.