مزابل الشام خير من جنات استراليا

لم يجد رجل الدين السوري مجازا لغويا يحاول من خلاله أن يحث الشباب السوري على عدم الهجرة سوى تلك المقارنة البائسة. ولكنه مجاز غبي، كشف من خلاله الرجل عن فقره الخيالي.

لو أنه ذكر مزارع الزيتون أو حدائق الياسمين لهان الأمر، لكنه ذهب مباشرة إلى المزابل التي لم تكن الشام تعرفها من قبل. فالشام هي واحدة من أكثر بقاع العالم نظافة، وكانت تصنف قبل الحرب التي عصفت بها باعتبارها أكثر الاماكن أمنا.

وإذا ما استحضرنا المرويات العربية فإن الشام هي الصورة الأرضية لجنة السماء.

لا يمكن لمن يزورها أن يتفادى الوقوع في غرامها وحب أهلها الذين تبين في ما بعد أنهم لم يقدروا ما انطوت عليه بلادهم من معان جمالية خالدة فسمحوا لأنفسهم وللآخرين العبث بها واستباحة جمالها.

جمال هو هبة الشام إلى العالم تحول فجأة إلى قبح لم يجد رجل الدين ما يستحضره منه سوى المزابل. جنة انقلبت إلى جحيم، تتقافز بين منعطفات دروبه الشياطين وتنفث الافاعي سمومها من حفره.

أبالمزابل صار علينا أن نباهي الامم؟

ثم ألم يجد رجل الدين وهو يستعرض وطنيته ما يمنعه من ذكر الجنة وهو يقارنها بالمزبلة، حتى وأن عُدَ ذلك القول اعترافا بأن بلاد المشركين كما يسميهم صارت جنة فيما تحولت بلاد المؤمنين إلى جحيم؟

سيكون من الصعب عليه استدراك ما انتهت إليه بلاهته المنافقة في سياق ثقافة عمياء يلخصها بيت الشعر الذي يقول "بلادي وإن جارت علي عزيزة".

مفارقة غبية طوقت كل المفاهيم المعاصرة بغبار بداوتها. ففقد الإنسان العربي بسببها حقه في المواطنة التي هي مصطلح قانوني حديث وتخلى عن حريته التي هي أعز هبات الطبيعة وصار يتنقل بين أنواع مختلفة من الصمت المهين وإن تكلم فما عليه سوى أن يكون معتقلا أو منفيا.

وها هي الشام تُعتقل كلها حسب الشيخ السوري في مزبلة مثلما اعتقل العراق من قبلها في المكان عينه.

لقد تم ارجاء فكرة المواطنة، يوم كان الوطن على قدر من الجمال وحين مُحي الجمال صار مطلوبا من البشر أن يكونوا مواطنين في مزبلة.

تساءل صحفي اميركي وهو يطل من نافذة في مكتب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي "ترى كيف تمكن المالكي أن لا يرى تلالا المزابل التي تحيط بقصره الرئاسي؟" المالكي الذي عاش في دمشق زمنا طويلا لم يدرك أن الجنة ممكنة في الأرض، لا لشيء إلا لأنه عاش في مزبلة عقيدته الحزبية بمنطقة السيدة زينب.

أما السوريون وقد هربوا من المزبلة فإن القلة منهم كانت قد وصلت إلى بر الأمان. الناجون بفكرة جمال سوري لا يُفنى هم الاكثرية التي لا تزال تقيم في مخيمات الاعتقال الاردني والتركي واللبناني والكردي.

وقد يكون صادما أن نعرف أن الاردن قد قام ببناء جزء من مخيم الزعتري على أراضيه المحاذية لسوريا قبل أن تشهد سوريا حراكا سياسيا شعبيا معارضا. ألم تكن تركيا مستعدة لإقامة مؤتمر للمعارضة السورية قبل أن تعلن تلك المعارضة عن تجمعها؟

كان الخيار السوري المستقل، حكما ومعارضة صعب الهضم بالنسبة للجميع. ففي ذلك الخيار ما يبقي سوريا بلدا جميلا، وهو ما لا يرضاه لها حتى الأحبة من مثل حزب الله اللبناني وايران وعراق المالكي.

أما أصدقاء الشعب السوري فقد عبروا مبكرا عن رغبتهم في اعادة توطين السوريين، كما لو أنهم كانوا دائما بدون. وهو المصطلح الكويتي الذي يطلق على من يقيم على أراضي الكويت ولا يحمل جنسيتها أو أية جنسية أخرى.

أبناء الجنة السورية طردهم جحيم كارهيها الذين هم صانعو تلك المزبلة.