مركز زايد يقدم القصة الكاملة لجنوب السودان

الدراسة تلقي الضوء على التاريخ لنفهم الحاضر

ابو ظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة باللغة الإنجليزية عن جنوب السودان في محاولة لدراسة تاريخ وتحليل أحداث النزاع وإلقاء الضوء على إمكانية الحل.
وتشير الدراسة إلى أن مشكلة الوحدة الوطنية في السودان تعتبر من أعقد وأخطر المشاكل التي تشهدها أفريقيا والعالم العربي. وبدأت المشكلة قبل استقلال السودان وتسببت في العديد من الأزمات السياسية ونتج عنها الانهيار الاقتصادي الذي مازال السودان يعاني منه حتى الآن.
فالنزاع يكلف الخزينة السودانية مليون دولار يومياً ولا يشمل هذا الرقم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة. وأهم من كل ذلك الأرواح التي تهدر ولا تقدر بثمن والمعاناة الإنسانية التي تسببها الحرب.
وتهدف الدراسة إلى الكشف عن العوامل التاريخية والسياسية والثقافية التي أدت إلى النزاع السياسي والعسكري والجهود المستمرة في السعي من أجل السلام. وتؤكد بأن النزاع هو السبب الرئيسي الذي يمنع استقرار السودان ويتسبب في الاضطرابات الاجتماعية ويؤثر على علاقات السودان الدولية والخلافات الداخلية.
وتعزى أسباب النزاع إلى التعددية العرقية وتاريخ تجارة الرقيق والسياسات الاستعمارية وعدم عدالة توزيع الثروة والسلطة والاختلافات الدينية، علاوة على السياسات الانفصالية التي اتبعتها الحكومة الاستعمارية البريطانية المتمثلة أساساً في قانون المناطق المقفولة الصادر عام 1922 والأخطاء السياسية التي وقعت فيها الحكومات السودانية المتعاقبة منذ عام 1955 والتي عمقّت الاوضاع التي تشكو منه النخبة الجنوبية.
وتأخذ الدراسة منحاً تاريخيا وتعود إلى عام 1821 عندما دخلت جيوش محمد علي السودان وأسقطت مملكة الفونج التي أقامت دولتها في شمال السودان حتى خط عرض 12 جنوباً. ووحدت دولتها عن طريق نشر الإسلام واللغة العربية والطرق الصوفية، وعمل تواجد العلماء على تعميق إحساس الانتماء إلى العالم العربي.
ومن إيجابيات حكم محمد على كما تشير الدراسة ظهور السودان الحديث بحدوده الحالية التي استمرت كما هي مع قليل من التعديلات، ولأول مرة خضع الجنوب والشمال إلى إدارة حكومية واحدة. ورحب تجار الرقيق بالحكومة الجديدة وكان هؤلاء التجار من الشماليين والجنوبيين والأوروبيين".
بعدها تفجرت ثورة المهدي في عام 1881 وسقطت الخرطوم في أيدي الثوار عام 1885.
وتشير الدارسة إلى أن الحكومات الاستعمارية الغربية اتفقت على تحديد مناطق نفوذها في أفريقيا إلا أن خوف بريطانيا من التدخل الأجنبي في السودان أدى إلى قيامها بتسيير حملة مصرية – بريطانية مشتركة لإعادة غزو السودان، وسقطت الخرطوم في يد الحملة عام 1898، ولكن ما لبث أن انفردت بريطانيا عملياً بالحكم. وبالرغم من أن بريطانيا لم تستطيع أن تفرض سيطرتها على كل مناطق الجنوب حتى عام 1936 إلا أنها ومنذ البداية اتبعت سياسة لعزل الجنوب عن الشمال، فأطلقت يد الجمعيات التنصيرية في الجنوب وطبقت قانون المناطق المقفولة ابتداء من عام 1922 وبموجبه مُنع الجنوبيون من استخدام الأسماء العربية/الإسلامية، ولبس الأزياء الشمالية وأغلقت المدارس القرآنية (الخلاوى) وحظر استخدام المدرسين الشماليين في الجنوب ولم تجدد الرخص التجارية للشماليين وتم إخلاء الجنوب من الشماليين ومنع تدريس اللغة العربية ومنع المسلمون الجنوبيون من أداء شعائرهم الدينية على الملأ، ومنع شيوخ القبائل خاصة من لبس الملابس الشمالية وأجبروا على التخلي عن الأسماء العربية التي حملها بعضهم لأجيال.
ثم أنشئت قوات بوليس جنوبية وفرضت اللغة الإنجليزية في التعليم والإدارة ومنعت السفر بين الشمال والجنوب لغير الأوروبيين وتركت خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية للمؤسسات التنصيرية التي ما فتئت تزرع الكراهية وعدم الثقة تجاه الشمال، وقدمت الشماليين على أنهم أبناء تجار الرقيق الذين يستهدفون فرض هيمنتهم واخضاع الجنوبيين لسيطرتهم. إلا أن سير جيمس روبرتسون السكرتير الإداري طلب إعادة النظر عام 1947 في سياسة فصل الجنوب لضمه إلى شرق أفريقيا.
كما تشير الدراسة إلى أنه في هذه الأثناء تنامت الحركة السياسية في الشمال وطالبت في سعيها للاستقلال بإنشاء مجلس استشاري. وتم عقد مؤتمر جوبا عام 1947 وبدأ الحوار بين الشمال والجنوب لأول مرة منذ بداية الحكم البريطاني.
وبالرغم من أن بعض الجنوبيين أبدوا تحفظات وشكوكاً إلا أن الجنوبيين اختاروا الوحدة وأُتفق على تمثيل الجنوب في المجلس الاستشاري بـ 13 عضواً. وما لبث أن حاول سير رالف ستيفنسون إعادة سياسة فصل الجنوب إلا أن زيارة الصاغ صلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة المصري إلى الجنوب أفشلت هذه المحاولة.
وبعد جهود مضنية توصلت مصر وبريطانيا إلى اتفاقية فبراير 1953 واتفقت الدولتان على منح السودان حق تقرير المصير وإجراء انتخابات وطنية تحت إشراف دولي. ومع ذلك بدأت عمليات الشك بين الشمال والجنوب تظهر إلى السطح من جديد. ويرجع السبب إلى فشل الأحزاب الشمالية في إيجاد قاعدة لهم في الجنوب، بل لم يكن لديهم أعضاء أو قيادات جنوبية، واستمرت التفرقة في المعاملات والمناصب واللجان بين الشمال والجنوب مما أدى إلى قيام أحزاب جنوبية تطالب بالفيدرالية والمناصب واللجان.
واستمرت النزاعات السياسية من الأحزاب الشمالية حتى قام الفريق عبود بانقلاب عسكري. ونتيجة لسياسة حكومة عبود العسكرية لجأ المتمردون الجنوبيون إلى الدول الجنوبية. وعندها تم تأسيس حزب الاتحاد الوطني السوداني الأفريقي وجناحه العسكري باسم "أنيانيا" مما شكل مرحلة أكثر تقدما وتنظيماً بدعم مباشر من بعض القوى الأجنبية وإسرائيل بعد لجوء بعض المثقفين الجنوبيين إلى الدول الأوروبية وأمريكا.
واستمر الوضع كما كان عليه الحال حتى الثورة الشعبية عام 1964 والتي عاد فيها السودان إلى الحكم المدني وقامت الأحزاب السياسية والجيش بإسقاط الحكومة العسكرية ومن ثم عاد الحوار بين الشمال والجنوب. لكنه فشل وعادت عمليات العنف في جوباعام 1965 إلى أن وقعت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي شكلت حكماً ذاتياً للجنوب.
وتستعرض الدراسة بعد ذلك أسباب اندلاع العنف والتمرد مرة أخرى عام 1983 فـي الجنوب السوداني خاصة بعد إعلان تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في الجنوب ، وتستعرض الدراسة بعد ذلك المحاولات والمبادرات التي تمت لإعادة وحدة السودان.
ومركز زايد إذ يقدم هذه الدراسة الموثقة إنما يحاول أن يساهم في توضيح جذور وأبعاد مشكلة جنوب السودان كخلفية ضرورية لفهم ما هو مطروح حاليا لإنهاء هذه المشكلة.