مركز الوثائق والبحوث، أقدم وأغنى أرشيف عن الخليج العربي

أبوظبي - من عبد الناصر فيصل نهار
ليوا توثق الحياة في الامارات خلال العقود الماضية

جاءت مشاركة مركز الوثائق والبحوث في فعاليات معرض أبوظبي الدولي الرابع عشر للكتاب إبريل/نيسان الجاري، لتعكس ما يقوم به المركز من جمع وتوثيق وترجمة للمواد التاريخية القيّمة المتعلقة بدول مجلس التعاون الخليجي عامة ودولة الإمارات العربية المتحدة خاصة.. وكذلك إعداد البحوث التاريخية المتخصصة والعمل على نشرها في دراسات قيمة ومن خلال أحدث مطبوعاته التي صدرت حديثاً وهي مجلة "ليوا" الثقافية العلمية البحثية المنوعة التي تعنى بدراسة وتوثيق التاريخ والتراث الحضاري والثقافة الشعبية لدولة الإمارات وشبه الجزيرة العربية، وتعتمد المجلة الشهرية بشكل أساس على رصيد المركز الوثائقي وموارده البشرية المتخصصة، وتهتم بشكل خاص بعلوم الأرشفة والتوثيق وتعميم المعرفة التاريخية والتراثية الخاصة بالمنطقة.
وأسس مركز الوثائق والبحوث في أبو ظبي عام 1968م بموجب توجيهات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث حددت أهدافه بجمع الوثائق والمعلومات المتعلّقة بتاريخ وثقافة شبه الجزيرة العربية من مصادرها الأصلية في البلاد العربية والأجنبية الأخرى، والهدف من ذلك تزويد الباحثين والدارسين والطلاّب بتلك المعلومات لتعليمهم وتعريف الجمهور بمدى ثراء التاريخ العربي.
وتشكل الوثائق الرسمية من الأرشيفات والمكتبات من البلاد التي كانت لها علاقات تاريخية بمنطقة الخليج العربي المصادر الأولى لمعلومات المركز، وخاصة من البرتغال، وهولندا، وبريطانيا، وتركيا، وإيران، والهند، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والولايات المتحدة، واليابان، والفاتيكان. كما يعتمد المركز كذلك على تقارير ومذكّرات الشخصيات الأجنبية الذين كانوا يحتلّون مناصب ومهمات رسمية، أو أنّهم كانوا يديرون أعمالاً حرّة، وعاشوا في المنطقة خلال السنوات الأولى من قيام الاتحاد. وهناك التراث المرويّ الذي تمّ جمعه من ذاكرة الأجيال القديمة من أهالي دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تصف الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في المنطقة في الماضي. فضلاً عن مجموعة من المواد المكتوبة والمقروءة والسمعية البصرية التي جمعت من المؤسسات والشخصيات الاعتبارية من مصادرها الموثوقة المختلفة.
ويهدف المركز الذي يرأسه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان رئيس مكتب رئيس الدولة لتوثيق التطوّرات الحديثة التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من البلاد الواقعة في شبه الجزيرة العربية. والمحافظة على الوثائق الإدارية من مختلف الوزارات والدوائر الحكومية والشركات الهامة في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويقوم مركز الوثائق والبحوث أيضاً بوضع التشريعات والقوانين الضرورية لحفظ واستخدام هذه الوثائق. ويعمل على وضع المواد الأرشيفية كافة بالنظام الرقمي لحفظها وجعلها متوفّرة على شبكة الإنترنت. وكتابة البحوث والدراسات التخصصيّة المختلفة حول تاريخ وثقافة المنطقة ونشرها محلياً ودولياً.
ومن أبرز مهام المركز تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل لدفع عملية البحث العلمي، وإثراء الحياة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتبنّي ورعاية التفاعل الأكاديمي مع دول مجلس التعاون الخليجي وأنحاء أخرى من العالم العربي. والمشاركة الفعّالة في المؤتمرات والندوات والملتقيات المنعقدة في الخارج، وتعزيز مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة الثقافية والمعلوماتية على الساحة الدولية.
كما يعمل مركز الوثائق والبحوث على تعزيز مفهوم البحث العلمي بين الدارسين الناشئين وتشجيعهم للحصول على درجات علمية عالية، وبالتالي تقوية مقدرتهم على القيام بدور بنّاء وأكثر فعالية في نشاطات المركز المختلفة. وتزويد مختلف الوزارات والدوائر الحكومية، ومراكز البحث والدارسين، بالوثائق والمعلومات المتعلّقة بمجالاتهم التخصّصية المختلفة. أرشيف ضخم ظلّ مركز الوثائق والبحوث منذ تأسيسه مؤسسة منفردة تضمّ تحت سقف واحد أرشيفات عدة دول، ويعمل فيها موظفون لغتهم الأم هي لغة تلك الأرشيفات، وتحتوي الأرشيفات البرتغالية والهولندية والبريطانية والفرنسية في المركز ما يمكن اعتباره أقدم وأغنى مجموعة من المواد الأرشيفية المتعلّقة بمنطقة الخليج.
كانت منطقة الخليج بحكم موقعها الاستراتيجي الذي يصل الطريق البحري إلى الهند بالطريق البري إلى أوروبا، ضمن دائرة اهتمام النفوذ الأوروبي في القرن السادس عشر، وكان التجار البرتغاليون أوائلَ الأوروبيين الذين استوطنوا هناك، وقد تبعهم بعد ذلك تجّار أوروبيون آخرون من بريطانيا وهولندا وفرنسا. وخلال فترة التنافس اللاحقة فقد البرتغاليون سطوتهم، ولم ينجح الفرنسيون في المحافظة على موقعهم، كما أنّ سيطرة الهولنديين أخذت تضعف تدريجياً حتى انتهت عام 1766م، تاركةً بريطانيا تسيطر بمفردها على ساحة الخليج دون أن تواجه أي تحدٍ من قبل أية دولة أوروبية أخرى.
وانطلاقاً من هذا المنظور التاريخي، كان من الطبيعي أن تتراكم المجلّدات التي تضمّ المراسلات التجارية والسياسية لتلك الدول الأربع بتأسيسها في الخليج. وتغطّي هذه الوثائق مع المواد المستقاة من المصادر الرسمية من ألمانيا والهند واليابان وإيران وروسيا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية والفاتيكان حيّزاً كبيراً من المواضيع المتعلّقة بالمنطقة خلال فترة خمسة قرون، كما أنّها توفّر مصادر فريدة وقيّمة لدراسة تاريخ منطقة الخليج بأكملها. وفيما يلي بعض اللمحات المختصرة عن مختلف الأرشيفات التي يحتضنها مركز الوثائق والبحوث بالإضافة إلى طبيعة ومجالات محتوياتها.
ويحتوي الأرشيف الأمريكي على 760 ميكروفيلماً بمعدّل 1000 صفحة من المواد في كلّ بكرة من الأفلام، ولقد تمّ الحصول على هذه الأفلام من مصدرين رئيسين هما: الأرشيف الوطني وإدارة السجلات في الولايات المتحدة الأمريكية، والمنشورات الجامعية في أميركا.
ويحتوي الأرشيف البريطاني على أكبر مجموعة من المواد التاريخية التي يعود تاريخها من أوائل القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين. وتضمّ المجموعة نحو 5600 ملف تحتوي على أكثر من مليونَي صفحة تتعلّق بتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص. وتنبع أهمية الأرشيف البريطاني من المعلومات الشاملة التي توفّرها هذه الوثائق عن شؤون الخليج خلال 350 عاماً من الوجود البريطاني في المنطقة. ويمكن أن يحصل الباحثون على معلومات مهمة من هذه الوثائق عن الشخصيات، والأحداث السياسية، والعادات الاجتماعية والسياسات القبلية، والشؤون الاقتصادية والقضائية. أما دور الوثائق الرئيسة الأربعة التي يحصل منها الأرشيف البريطاني على مصادره الأساسية فهي: المكتبة البريطانية- لندن، مكتب السجلات العامة- لندن، الأرشيف الوطني في الهند - نيو دلهي، أرشيف محافظة مهاراشترا - مومباي (بومباي). أقسام مكملة وثمة أقسام أخرى تكمل أقسام الأرشيف في المركز وهي المكتبة التي تضم أكثر من عشرة آلاف كتاب، والدوريات الإنجليزية والعربية، والمواد السمعية والبصرية، وأقسام ينحصر عملها في توثيق القضايا الإقليمية، ونهضة المرأة وتقدّمها في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تقدّم عرضاً رائعاً للتاريخ والتراث الزاخر لمنطقة الخليج العربي.
وقد تمّ تأسيس إدارة تقنية المعلومات لتختصّ بأنظمة تقنية المعلومات واستخداماتها لتنفيذ مهام المركز، وتهدف إلى الاستغلال الأمثل لأنظمة الحاسب الآلي في مجال التوثيق في التاريخ والتراث، وفي التعامل مع المؤسسات الرسمية المحلية، والعربية والإقليمية والدولية العاملة في هذه المجالات.
وفي قسم المواد السمعية والبصرية أكثر من 12000 صورة شمسية للإمارات العربية المتحدة تمّ تصويرها رقمياً على جهاز التصوير، وحفظها على أقراص مدمجة بدءاً من أندرها وأقدمها وحتى الصور المعاصرة، والتي تشكّل إحدى أفضل الوسائل لتوثيق تاريخ الأمة، وتعطي هذه المجموعة الكبيرة من الصور انطباعات دقيقة عن مختلف مجالات الحياة في أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة منذ الخمسينيّات من القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي، وقد تمّ جمع أغلبية هذه الصور من وزارة الإعلام وشركات البترول، ومن المصوّرين الخاصّين لحكّام الإمارات والأعيان بالإضافة إلى المصورين المستقلين. وتشهد هذه الصور على التحوّل الهائل الذي شهدته الدولة من عصر ما قبل النفط إلى ما بعده وعلى الإنجازات المميّزة لقادتها، وكذلك فإنّ المواد السمعية- البصرية الرائعة المتوفّرة في القسم تلقي المزيد من الضوء على مراحل التطوّر المختلفة، والأحداث المميّزة العديدة، والمناسبات الرسمية التي أقيمت في الدولة.