مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني وآفاق المستقبل العربي

بقلم: محمد الحمامصي

لم يستبشر العالم خيراً منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لأركان إدارته، فقد أدرك الجميع في الشرق والغرب أنه أمام إدارة حرب أحاطت برجل غير متمرس وجاهل بأكثر القضايا الدولية احتداماً، وفوق كل هذا وذاك فهو ساذج و تربية "بيل غراهام" أبرز وجوه اليمين المسيحي الصهيوني في أميركا.
وبمضي الأيام كانت تأكيدات هذا التصور تزداد رسوخاً داخل أمريكا نفسها وخارجها. فمشروعات الرئيس وأركان إدارته تحدوها طموحات العسكرة والهيمنة الاقتصادية من جانب ودعم وتقوية شوكة اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل من جانب آخر، ومع ذلك تم تقبله وإدارته وإن كان تقبلاً على مضض.
وفي ظل هذه الرؤية المبكرة كان لابد لنا نحن العرب من قراءات وتحليلات متأنية لهذا الرجل وإدارته، خاصة ونحن أصحاب أكثر القضايا حساسية في العالم، ألا وهي القضية الفلسطينية والوجود الأمريكي في الخليج، فضلاً عن علاقات اقتصادية هي الأكبر من نوعها مع أمريكا، لكن أحداً لم يلتفت لذلك، وإن التفت إليه لم ينجح في قراءة الرجل وإدارته، لتقع كارثة الحادي من سبتمبر لنندفع دون تريث لحمل تبعاتها كاملة، على الرغم من يقيننا أن هذه الأحداث صناعة رؤساء وإدارات أمريكية سابقة آلت على نفسها قلقلة استقرار وأمن وسلامة دول المنطقة العربية بأكملها، ظناً منها أن في ذلك تأميناً لمصالحها، فاستقبلت واحتضنت وأوت ودعمت تدريباً وسلاحاً وأموالاً الرؤوس المدبرة للأعمال الإرهابية واستخدمتها أشواكاً في ظهور الكثير من القيادات، لقد كان من المفترض بنا لو أن قراءاتنا سليمة أن نلقي بالكرة كما يقولون في ملعبهم ونحملهم مسئولية ما حدث كاملة، ونفضح لهم ما ارتكبوه من حماقات حين عسكروا هؤلاء الإرهابيين وفتحوا لهم الأبواب في أوروبا وأمريكا وغيرهما، لكننا لم نعن بهذا العناية الكافية ربما بسبب صخب حملاتهم واتهاماتهم وتلفيقاتهم، فما كان من الرئيس الحالي وإدارته إلا أن توج جهود من سبقوه، باعتباره مريضاً نفسياً بوهم قيادة العالم ومن ثم مؤهلاً لمسايرة الأكاذيب والخدع والترويج لها بل وخلقها باسم الرب والحرية والديمقراطية تمهيداً لعسكرتها، وقد نجح في صدم وترويع عدد غير قليل من الدول بفضل كتيبة الملفقين والمزورين من المنظرين أمثال برنارد لويس، ومارفن اولاسكي، ومايكل ليدين ووليام كريستول غيرهم، وكان أكثر المروعين من دول المنطقة العربية، على اعتبار أنها المنطقة الأضعف والتي يمكنه فرد عضلاته وآلياته العسكرية على قادتها وشعوبها، وأيضاً الضغط علىها لدفع ثمن ما سيرتكبه من حماقات القوة.
إن مشكلتنا الآن يمكن تلخيصها في السؤال التالي : هل آن أوان استيعاب وفهم وإدراك ما حدث ويحدث الآن، هل آن أوان استبصار ما يمكن أن يحدث في المستقبل؟ أعتقد أن ذلك لن يحدث، لأن نخبنا السياسية محاصرة ومطحونة طوال الوقت بالدفاع ضد الحملات الأمريكية المنظمة على الشعوب المسئولة منها وحضاراتها وخصوصياتها، فضلاً عن كونها موضع ضغط واتهام من جانب هذه شعوبها ذاتها، أما نخب الكتاب والمفكرين ورجال الدين والمثقفين الذين يفترض فيهم القيام بهذا الدور المهم والخطير، فبعضهم أصابته لوثة الولاء للأمركة وبعضهم غوغائي لا يعرف أين يضع موطيء قدميه من جهله بحقائق ما حدث ويحدث، والبقية المدركة والواعية لما يحدث ويمكن أن يحدث معزولة وضائعة في الإحباط واليأس من جراء غلبة الطائفتين الأوليين، وهكذا نجد الشعوب نفسها في حالة من (التوهان) يتخبط أفرادها في بعضهم البعض تارة ومع حكامهم تارة أخرى دون دليل أو مرشد أو قارئ أمين للأوضاع المتردية على كافة المستويات.
من هنا تأتي دعوة الأمير عبد الله بن عبد العزيز لمشروع مركز متخصص للحوار الوطني (مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني) إجابة لهذا التساؤل: هل آن أوان استيعاب ما حدث ويحدث الآن، هل آن أوان استبصار ما يمكن أن يحدث في المستقبل؟ لأن الأحداث التي وقعت منذ أحداث الحادي من سبتمبر وحتى الآن، كشفت أننا بحاجة لحوار مفتوح وممتد ندخله متجردين من كل شيء إلا من ولائنا وانتمائنا لأوطاننا، ونخرج منه برؤى تدفع بالثقل الحضاري والثقافي والتاريخي والإنساني لأمتنا لكي تتخذ مكان الصدارة، إن حواراً وطنياً مفتوحاً ونظيفاً من المهاترات والمزايدات، حواراً يعلوه مستقبل الأمة، حواراً متصلاً يحلل ويشرح ما حدث ويحدث على الساحة الداخلية و ما حدث ويحدث على الساحة الإقليمية والدولية، حواراً يجتمع على مائدته نخبة علماء الدين والمثقفين والكتاب في العربية السعودية، يمكن أن تشكل أطروحاته أفقاً إسلامياً عربياً تتفاعل معه الشعوب العربية من المحيط للخليج، باعتبار أن ما سيطرح على مائدة هذا الحوار قضايا ومشكلات لا تخص العربية السعودية وحدها دون غيرها من البلدان العربية، وبافتراض أن الأمر لم يخرج عن قضايا وهموم المملكة، فالكثير مما تعاني منه المملكة الآن تعاني منه أكثر من بلد عربي، حيث يمكن استثمار قراءات وتحليلات ورؤى ونتائج الحوار والتفاعل مع ما يتوافق منها كل بلد عربي على حدة، الأمر الذي سيترتب عليه في النهاية رؤية خاصة لآفاق مستقبل عربي أفضل.
إن هذه الدعوة وهي ليست الدعوة الأولى حيث سبقها دعوات ومبادرات كثيرة، تؤكد حرص الرجل على الحفاظ على أمن وسلامة واستقرار الوطن بجبهتيه الداخلية والخارجية، فهو يحمي شعبه داخليا بيد ويدافع عنه خارجياً باليد الأخرى، فدعوته للمشروع تأتي في ظل حملة أمريكية منظمة ضد المملكة، وفي وقت لم يقدر بعض أبنائها خطر المرحلة التي تمر بها بلادهم بكل ما تمثله من ثقل إسلامي وعربي فانساقوا وراء أفكار هدامة داعمين الحملة الأمريكية.
إن نجاح مشروع المركز رهن إجماع نخبة علماء الدين والمفكرين والمثقفين والكتاب ممن سيشاركون في الحوار على أن مصلحة الأمة والحفاظ على أمنها وسلامتها واستقرارها تعلو كل شيء، وإنني لعلى يقين أنهم قادرون على ذلك بعد ما رأوا وسمعوا وقرءوا. محمد الحمامصي، شاعر وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com