مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل: بين إقحام الأفكار وإبهام الأدوار

بقلم: د. محمد نوري

استغرب العديد من المتتبعين للعلاقات المغربية الإسبانية من فحوى البلاغ الأخير الصادر عن مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل الذي أشار إلى توصل المركز بمبلغ مالي "مهم" من الحكومة الإسبانية للقيام بحفريات تهم قبور المغاربة المشاركين في الحرب الأهلية الإسبانية -اعتمادا على تقرير مهني وموضوعي لإحدى أكبر الشركات الإسبانية المختصة (في المجال المشار إليه)..؟
البلاغ أشار أيضا إلى قرب انعقاد ندوة صحفية تضم الحكومة الإسبانية والشركة الإسبانية المكلفة بهذه (المهمة) والمركز من أجل تسليط الضوء على حيثيات المشروع...
ترى عن أي جهة حكومية إسبانية يتحدث البلاغ؟ العلم لله ولهذا ندري لماذا لم يحددها البلاغ.
وما زاد في استغراب الملاحظين هو سرعة حصول المركز على دعم الحكومة الإسبانية "السخي" وهو الذي لم يتأسس سوى منذ سنتين ولم يحقق التراكم أو التميز الكافي في ملف العلاقات المغربية الإسبانية
-فإذا به يطلع علينا بضرورة النبش في قبور المغاربة ضحايا الحرب الأهلية الإسبانية... وكأن هذه المسألة هي ثالثة الأثافي لتستوي العلاقات المغربية الإسبانية.
هنا نطرح سؤالنا الأول: لماذا مولت الحكومة الإسبانية هذا المشروع الذي تعذر عليها إنجازه عقب المقاومة الشديدة التي أبدتها العديد من الهيئات المدنية والسياسية التي تعتبر بأن عدم النبش في القبور وإذكاء الجراح كانت من الأشياء المتوافق عليها بين مختلف الأطياف السياسية في مرحلة الانتقال الديموقراطي والدينامية الاجتماعية والسياسية لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بتجديد التوافق حول موضوع الذاكرة المشتركة والآثار العميقة للحرب الأهلية الإسبانية التي كانت حربا دولية بكل المقاييس وميدان تجربة للحرب العالمية الثانية.
وإلا كيف نفسر رفض عائلة لوركا التنقيب عن رميم الشاعر الكبير واستمرار الحكومة الإسبانية في هذه العملية التي لم تفض إلى أي شيء عدا الاستهلاك الإعلامي والسياسي؟
ونحن نعرف بأن القاضي بالطاثار كارثون الذي كان قد وعد المركز بحضور ندوة تطوان لكنه تخلف عن ذلك رغم وجوده بالرباط يومين قبل موعد الندوة (؟؟) قد ذهب ضحية لهذا الغي وهذا الخروج على التوافق...
إن ندوة تطوان التي أشار البلاغ بأن مشروع النبش هذا أتى لتفعيل توصياتها لم تشر بتاتا إلى هذه المسألة كما لم يتم الاتفاق أصلا على إعمال مقاربة العدالة الانتقالية في هذا الملف بعد أن أوضحت العديد من المداخلات الرصينة لقانونيين وحقوقيين مغاربة وإسبان استحالة تطبيق هذه المقاربة لأسباب تخص قصور الجانب القانوني (القانون الدولي تحديدا) ونظرا لأن العدالة الانتقالية تصلح أساسا للنزاعات العنيفة التي تحدث داخل نفس البلد وليس بين بلدين اثنين.
هكذا نجد أنفسنا أمام سؤال آخر: هل يستدعي مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل المتخصصين وفقهاء القانون الدولي للعمل بأفكارهم واقتراحاتهم أم لتأثيث المشهد وبيع الصورة؟
اللهم إذا كان ثلة من المشرفين على المركز تتمادى في إعمال هذه المنهجية لأنها أعطت أكلها للعديد من اليساريين الراديكاليين السابقين ومكنتهم من تبوء مناصب مهمة في بعض المؤسسات الجديدة للدولة ولذلك يريدون أن يحذون حذوهم.
وكما أشرت من قبل، فقد حضرت وساهمت في أغلب أشغال المركز بدءا من ندوة تطوان وانتهاء بلقاء الرباط بين الصحفيين المغاربة والإسبان لكنني –شأني العديد من أعضاء المركز ولجنته العلمية- من الذين يثمنون التنمية ويكرهون البكاء على القبور وتوشيح صدورهم بقلادات صنعت من "عصاعص" الموتى....
هنا أتساءل: هل أوصت عائلات هؤلاء الجنود المفقودين في تلك الحرب التي تجاوزت الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية بالنبش في قبور آباءهم وأجدادهم؟
ألن يفضل من تبقى منهم أن تعمل الحكومة الإسبانية على إنصافهم وصرفهم نفس المعاش الذي يتقاضاهم زملاءهم الإسبان؟ ألن يفضل أبناء الهالكين تلقي تعويضات عن ذلك أو منحهم شروطا تفضيلية وتسهيل مرورهم بين البلدين؟
ألن يفضل أبناء المنطقة التي تأثرت كثيرا بهذه الحرب أن تساعد إسبانيا في تنميتها وإعطاءها أولوية خاصة؟
ألا يعتبر بناء مستشفى كبير متخصص في علاج داء السرطان بالحسيمة مثلا أهم بكثير من البحث عن آلاف المغاربة الذين لقوا ربهم في إسبانيا ولا تدري نفس بأي أرض تموت؟
ترى كم من الأموال صرفت لهذا المشروع؟
والسؤال ما قبل الأخير هو: من المستفيد أصلا من هذه مشروع النبش في قبور المغاربة؟
هل هي "الحكومة الإسبانية" بصيغتها الغامضة هاته أم الشركة الإسبانية CONDOR GEORADAR التي يرأسها لويس أفيال بيل التي ستقوم بكل شيء بدءا من الحفر إلى إثبات الهوية عن طريق تحليل الجينات أم المركز؟
لقد وقعت أخطاء كثيرة في التحديد الجيني لرفاة الجنود الإسبان الاثنين وستين ضحايا حادثة الطائرة YAK-42التي كانت تقلهم من أفغانستان وكيرغستان وهي حادثة وقعت حديثا (26 ماي 2003)، رغم الضغط الكبير الذي مارسه الرأي العام الإسباني على حكومة أثنار وبالرغم من أن المسألة إسبانية-إسبانية.
فما بالك برفاة المغاربة؟
ليبقى السؤال الأخير: هل من ضمانات، والحالة هذه، للقيام بعمل علمي دقيق؟
ومن سيقوم بمراقبة الأعمال ميدانيا والتأشير على صدقية النتائج؟
هناك دلائل قوية على أن المسألة مسألة أجندة سياسية إيديولوجية يراد بها ما يعنيه المثل المغربي: "آرا فمك نرعى به الشوك "...
ولعلها قشرة الموز فحذار...
فنحن لا نريد أن يصير هذا الملف غصة أخرى في حلق العلاقات المغربية الإسبانية ندشن بها المرحلة القادمة المحتملة مع الحزب الشعبي الذي بدأ في تسخين "الطرح" في مليلية.
نداء صادق أوجهه للزملاء في مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل الذي كان من المفترض أن يصير جسرا لإيصال تطلعات ومقترحات المغاربة جميعا للدولتين المغربية والإسبانية، عبر دينامية شارك فيها العديد من الجامعيين والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني، بغض النظر عن لهجتهم أو عرقهم، حول تدبير نزاعات عرفتها مناطق مغربية معينة، وعلى رأسها منطقة الريف...
أعتقد أنه من الأفضل أن يقتصر دور المركز على هذا العمل الرصين والمؤسس وكفى، وأن يترك الإسبان بينهم يقومون بالنبش في قبور المغاربة...
آنذاك سنرى هل سيستمر مشروع النبش أم لاـ وسنعرف مدى التقاء أو اختلاف الحزب الشعبي مع الحزب الاشتراكي العمالي....
أكيد أن الدولة في إسبانيا تستمر في إطار التناوب بين هذين الحزبين وأن مصلحة الدولة فوق كل شيء...
فحذار مرة أخرى....
اللهم إلا إذا أردنا أن نكون نحن مصدر المشاكل مع الجيران ولا تكفينا المشاكل شرقا والانحسار جنوبا ونريد تفخيخ الشمال أيضا....
وتلك رواية أخرى.... د. محمد نوري
رئيس جمعية القنطرة المغرب-إسبانيا nourimar@gmail.com