مرسي مُتَرْجَماً بالفارسية!

بقلم: جواد البشيتي

في طهران، وفي قِمَّة "عدم الانحياز"، وفي الخطاب الذي ألقاه في هذا "التَّجَمُّع الدولي"، الذي لا حَوْل له ولا حيلة، كان الرئيس المصري محمد مرسي عند حُسْن الظَّن الشعبي (المصري والعربي) به، فقال في الشأن السوري ما كان ينبغي له، ويجدر به، قوله، فَلَمْ يكن بالأمر المُسْتَغْرَب أنْ يَقَع كلامه على أسماع إيرانية (هي أسماع حُكَّام إيران) لا تشبه سمعه؛ لكن ما أدْهَشَ عقلاء العالَم، وأثار استغرابهم، أنْ يتوفَّر "المُتَرْجِم الرَّسمي الإيراني" على تَرْجَمة مرسي، وخطابه، بما يجَعْل المُسْتَمِع والمُشاهِد من المواطنين الإيرانيين يَظُن أنَّ مُلْقي الخطاب هو الرئيس السوري بشار الأسد وقد لَبِسَ شَخْص مرسي، وإنْ حار هذا المُسْتَمِع والمُشاهِد في فَهْم وتفسير مغادرة الوفد السوري مع رئيسه القاعة لدى بدء الرئيس مرسي يتكلَّم بلسان الحقيقة، التي تُعامِلها دمشق وطهران الآن على أنَّها، مع الناطقين بها، والمنحازين إليها، جزء من "معسكر الأعداء"!

"المُتَرْجِم"، وفي سياق ترجمته خطاب مرسي (للتلفزيون الإيراني) بالفارسية، تَرْجَم مواقف مرسي (التي تضمَّنها خطابه) بما يجعلها نسخة من المواقف الإيرانية، وبما يَتَّفِق كل الاتِّفاق مع تعريف طهران لـ "الحقيقة" على أنَّها كل رأي أو فكرة أو موقف أو قول يَقَع من حُكَّام إيران موقعاً حسناً؛ فكل قَوْلٍ لمرسي في الشأن السوري تُرْجِم بما يجعله قَوْلاً في الشأن البحريني؛ وكفى الله المُسْتَمِع والمُشاهِد الإيراني شَرَّ معرفة "الحقيقة"، والاستماع إليها!

الأمر لم يكن من قبيل خطأ في الترجمة ارتكبه المُتَرْجِم؛ فالخطأ يَقَع مرَّة، أو مرَّتين، ولا يكون كـ "أمْر الاستبدال"، فَتُحْذَف كلمة "سوريا" دائماً، لتَمْلأ كلمة "البحرين" هذا الفراغ؛ و"الخطأ" دركات؛ ولكَ أنْ تُقارِن بين خطأ من قبيل "1 + 1 = 3"، وخطأ من قبيل "1 + 1 = قِرْد".

ولو كان المُتَرْجِم هو المخطئ والملوم، لاعتذرت طهران رسمياً إلى مرسي (وإلى شعبها) عن هذا الخطأ، موضِحَةً لكل من استمع إلى الخطاب مُتَرْجَماً بالفارسية أنَّ الرئيس المصري كان يتحدَّث عن سوريا، لا عن البحرين؛ لكنَّها اختارت الصَّمْت موقفاً، وكأنَّها مع كيسينجر في قوله "إنَّنا لا نتعامَل (أيْ يجب ألاَّ نتعامَل) مع الحقائق؛ وإنَّما مع ما يشبه الحقائق"؛ وهذا قَوْلٌ يَجْعَل لـ "الكذب"، الذي هو إحدى علامات المنافِق، جذوراً في تربة الفلسفة، ويُذكِّرنا بذاك المتعصِّب للدكتاتور الإيطالي موسوليني والذي تجرَّأ على تعريف "الحقيقة" على أنَّها "ما يُفكِّر فيه موسوليني الآن"!

بهذه "الترجمة"، التي تشبه كثيراً "التأويلات العلمية" للدكتور زغلول النجار، أساءت طهران إلى الضَّيْف (المصري) الكبير؛ وإذا ما أحْسنَّا الظن نقول إنَّ نيَّتها الحسنة هي السبب؛ فهي ربَّما رغبت في أنْ تُظْهِر مرسي ومواقفه في الهيئة (السياسية) التي تُحبِّذها، وفي أنْ تُصوِّر "الربيع (الشعبي الديمقراطي الثوري) العربي" على أنَّه جزء من "الصَّحوة الإسلامية" التي عرفتها إيران من قبل، لعلَّ شعبها يَفْهَم "الربيع العربي" مع "قوَّة المثال" الكامنة فيه، على أنَّه النُّسْخَة العربية من الثورة الإسلامية الإيرانية، فيَهْتدي ويرعوي؛ ولقد نسيت طهران أنَّ الزَّمن الإعلامي قد تغيَّر، وأنَّ أحداً ما عاد في مقدوره خداع أحد في هذا الزمن (الرِّديء بحسب وجهة نظر كل نظام حكم شمولي).

لكنَّ إساءتها الكبرى هي التي ارتكبتها في حقِّ الشعب الإيراني؛ فإنَّ استهزاء واستخفاف الحاكم بذكاء شعبه، بمثل تلك الترجمة، هو أسوأ إساءة إليه، وكأنَّ زعماء إيران يريدون أنْ يقولوا لشعبهم: إنَّنا نَكْذِب عليك، بترجمتنا الخطاب، أيْ بنَقْلِنا إيَّاه من "لغة الحقيقة" إلى "لغة الكذب"، ونتحدَّاك، في الوقت نفسه، أنْ تثور لكرامتك التي امْتَهنَّاها إذ استهزأنا بذكائكَ.

وهذا الاستهزاء قد يَصْلُح تعريفاً لـ "الغباء السياسي"؛ فاستهزاء المرء بذكاء الذَّكي هو دليل على غباء المُسْتَهْزِئ؛ والحاكم يكفي أنْ يستهزئ بذكاء شعبه على هذا النحو حتى يجعل شعبه يزداد كُفْراً بإعلام الحاكم، ويُسْرِع في مغادرة "زريبته الإعلامية"، بحثاً عن "الحقيقة" في مصادِر إعلامية خارجية؛ وهذا إنَّما يعني أنْ يُضْعِف الحاكم نفسه بنفسه سياسياً لدى شعبه.

وكيف للشعب الإيراني أنْ يُصدِّق الرواية الإعلامية الإيرانية الرسمية لكل ما يَحْدُث في سوريا بَعْد، وبسبب، هذه الترجمة لخطابٍ ألقاه رئيس دولة كبيرة، في تَجمُّع دولي كبير، يحظى باهتمام إعلامي عالمي كبير؟!

لقد اعتدنا إنكار الحقائق، وتزويرها، نهجاً سياسياً وإعلامياً ينتهجه نظام حكم بشار، في صراعه من أجل البقاء؛ وها هي طهران تُرينا، بترجمتها لخطاب مرسي، من الكذب أسوأه، أو دركه الأسفل، ألا وهو الكذب الذي يخالطه كثير من الوقاحة والصَّلف والرعونة، والذي فيه يقول صاحبه للناس: إنَّني أكذب عليكم من غير أنْ أتجشَّم عناء إتقان الكذبة؛ ولتشربوا مياه البحر إذا ما بلغ بكم الغضب والاستياء مبلغهما؛ فوالله لو تعارضت بديهية هندسية مع مصالحي لناصبتها العداء!

جواد البشيتي