مرسي سجين قصر الاتحادية

أليس غريبا أن يتحول أول رئيس مصري مُنتخَب ديمقراطيا إلى سجين في مقر الحكم؟ هذا ما يجري لمحمد مرسي الذي لم يمض على انتخابه رئيسا سوى أشهر. لقد ارتفعت أسوار القصر الرئاسي من حوله أكثر مما كانت عليه من قبل بعد أن تجدد رفع شعار "ارحل" من قبل الجماهير الغاضبة وصار متوقعا أن تقوم تلك الجماهير باقتحام قصر الاتحادية. الشيء الذي لم يقع في زمن مبارك صار ممكنا توقع حدوثه في زمن مرسي. فالشعب المصري قد تغير. خياراته تغيرت ورغبته في التغيير لم تعد تخضع لمرور الوقت. لم يعد مقبولا بالنسبة لهذا الشعب الثائر أن تنتج مؤسسة الرئاسة فرعونا جديدا. زمن الفراعنة المعاصرين انتهى إلى غير رجعة. وإذا ما كان البعض يتحدث عن الشرعية التي يستند إليها وجود الرئيس في الحكم، كونه استلم الحكم عن طريق صناديق الاقتراع، فان تلك الشرعية ليست مقدسة وليست ثابتة، بل أنها محكومة بإطار قانوني، يجعلها موقعا للمساءلة والمراجعة والتقييم بين حين وآخر.

يوم انتخب مرسي قيل أن مبارك ومرسي قد تبادلا موقعي إقامتهما المؤقتة. جاء مرسي إلى القصر من السجن فيما ذهب مبارك إلى السجن من القصر. لم يلتقيا في الطريق ليتبادلا النصح والارشاد. وكما يبدو فان ثقافة السجون قد تأصلت في لاوعي الرئيس الأخواني، بحيث كانت قدرته على تحويل القصر الرئاسي إلى سجن لافتة، بل ومذهلة. لقد انتقل الرجل من سجن فُرض عليه إلى سجن شيده بنفسه. فحين تخلى عن وعوده الانتخابية الأولى تخلى عنه مستشاروه من الاقباط والنساء ودعاة الدولة المدنية. كان خطابه (لا يزال) موجها إلى العصبة التي تتلمذ على يديها وتربى فكريا في احضانها، فلم يعد يكترث بالشعار الذي رفعه والذي ينص على أنه سيكون رئيسا لكل المصريين. كان أخوانيا يوم كان خارج الحكم معارضا، ولم يتخل عن أخوانيته يوم أصبح رئيسا، لا يفترض به أن يرعى مصالح وأفكار حزبه وجماعته على حساب أحد من المصريين.

ما فعله الرئيس المصري ومنذ الأيام الأولى لانتقاله الى القصر الرئاسي قد أكد وبطريقة لا تقبل اللبس أن الرجل لن يغادر موقعه الحزبي الضيق. لا لأنه غير قادر على القيام بذلك بل لأنه غير راغب في الانتقال إلى الموقع المحايد، الذي يجعله حكما محايدا بين المصريين، لا يسمح منصبه له بالانحياز إلى طرف دون الاطراف الأخرى. ولهذا السبب بالتحديد فقد فقدت مؤسسة الرئاسة المصرية هيبتها وفقد جزء كبير من الشعب المصري ثقته بها. وها هو مرسي يقف معزولا، لا يجرؤ على الاستنجاد بالجيش في مواجهة المحتجين، لانه يعرف أكثر من سواه ان المؤسسة العسكرية لن تتورط في نصرته والوقوف إلى جانبه ضد الشعب. وكان اعلانه لحالة الطواريء في عدد من المحافظات المصرية دليلا على أنه يسعى إلى جر الصراع السياسي إلى منطقة اللاعودة. اما حكايات سحل المواطنين من المتظارهين فقد عادت مرة أخرى إلى الواجهة. وهو ما يعيد إلى الأذهان الصور الكئيبة التي تذكر بماضي الاجهزة الأمنية، التي كان مرسي ومريدوه قد شبعوا قهرا بسببها.

الرئيس المصري يستعين اليوم بمواهب الاجهزة الأمنية في العنف، وهو ما يجعله واقفا في المكان الخطأ. وهو المكان الذي يفقده شرعية وجوده في القصر رئيسا. ألا يعني كل هذا ان محمد مرسي صار يتماهى مع دوره الجديد، باعتباره سجين القصر؟ وكما أتوقع، من خلال استقراء موقف مرسي المتشدد من الآخرين الذي هو الموقف نفسه الذي تتبناه جماعة الاخوان، فان عزلة مؤسسة الرئاسة عن الشعب وعن القوى السياسية وعن تيارات المجتمع المدني ستشتد، وصولا إلى النقطة الحرجة، حيث ستكون الاطراف كلها مضطرة الى الدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة، تعيد الثورة المصرية إلى أبنائها، وتضع سجين القصر في مكانه الطبيعي.