مراكز الدِّراسات في الاردن: جهود جبَّارة، وتهميش حكومي

بقلم: خالد وليد محمود

تزايدت ظاهرة البحث والدراسات في العالم العربي والاسلامي وفي الدول النامية بشكل عام خلال العقدين الأخيرين.
وتولى القطاع الخاص مبادرات نوعيَّة في عدد من البلدان بانشاء مراكز دراسات ومعلومات وأبحاث متنوعه ومتخصصة حتى أصبحت جزءاً من المكونات الثقافية في عدد من الدول، وتختلف أسباب هذا التطور ودوافعه من بلد لآخر كما هي من مركز إلى آخر.
وصاحب هذه الظاهرة تزايد المؤتمرات العلمية والأكاديمية التي تبحث في مختلف شؤون الحياة المحلية والاقليمية والدولية في ظل التغيرات الرئيسية الجارية في منطقة الشرق الاوسط.
وحظي الأردن بنصيب وافر من مراكز البحث والمعلومات الخاصة؛ فالعشرات من هذه المراكز منتشرة في الساحة الاردنية يستدل عليها من خلال المؤتمرات والندوات التي تعقدها، سواء فيما يتعلق بالشؤون المحلية أو الاقليمية أو الدولية، على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، الاجتماعي أو الاعلامي.
ويدفع هذا باتجاه ضرورة التفكير بجدية في كيفية تفعيل آليات ووسائل الاستفادة من هذه المراكز والمؤتمرات وتطويرها لمصلحة تحقيق الفاعلية الكبرى لمؤسسات صنع القرار، وتوفير فهم أعمق وأدق للتطورات والتحديات التي تجابه الاردن بفضل محاولة هذه المراكز استقراء البيئة الاقليمية والدولية التي تحيط بهذه التطورات، والاسهام في زيادة وعي الرأي العام الأردني بالتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة.
ويعتقد بأن تزايد الاهتمام بالدراسات والبحوث ـ رغم أنه بدأ منذ عقود في المجتمعات الغربية ـ أصبح ظاهرة عالمية غير مقصورة على الدول النامية فحسب التي بدأت هذا الطريق بفاعلية ملحوظة خلال العقدين الاخيرين.
ويعزى هذا التزايد الى عوامل وأسباب واقعية فرضت نفسها على طبيعة الحياة والمجتمعات المعاصرة.
ومن أهم هذه العوامل تزايد نزعة التخصُّص في المجتمع المعاصر بسبب اتساع دوائر العلم والمعرفة وتزايد التعليم والتنافس في كل مجال.
وزيادة تعقيد طبيعة العلاقات التبادلية بين مكونات المجتمع المدني الواحد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ناهيك عن ارتفاع مستوى هذا التعقيد في علاقات أي مجتمع منها بالمجتمعات المجاورة الاقليمية أو الدولية.
والطفرات في تطور عالم الحاسوب ونظم المعلومات والتكنولوجيا المرتبطة به التي جعلت عملية تبادل المعلومات أمراً ميسوراً مما وفر مادة هائلة لانجاز الدراسات.
وتزايد التنافس الاقتصادي وسيادة التكنولوجيا في الحروب والهيمنة السياسية؛ مما دفع الكثير من الاطراف الى اعادة الحسابات في امكاناتهم وقدراتهم التنافسية ليعيدوا رسم برامجهم واستراتيجياتهم، وهو بالطبع ما لا يمكن نجاحه بدون دراسات علمية وموضوعية دقيقة.
وبناء على ذلك يمكن القول ان الدراسات والبحوث في مختلف الميادين أصبحت من مستلزمات تطور الدول الحديثة ونجاحها، الأمر الذي يستلزم من الاطراف التي تعتقد بهذه النظرية اعادة النظر في تدفق المعلومات المحليَّة والخارجية لمصلحة إثراء هذه الدراسات.
وعند الحديث عن دور مراكز الدراسات في خدمة المجتمع المدني الاردني؛ يتبين للمراقب أن هذه المؤسسات ما زالت ضعيفة ومهمشة لقلة المخصصات المالية في الحكومة والقطاع الخاص لاغراض البحث العلمي.
وضعف الاهتمام بموضوعات نقل المعرفة وتطويع التكنولوجيا، وضعف التنسيق بين هذه المراكز كمؤسسات مجتمع مدني والقطاع الحكومي.
وقلة التفاعل بين مؤسسات التعليم العالي والقطاعات الانتاجية وغيرها في نشاطات البحث العلمي والتكنولوجي.
وضعف المعلومات وعدم توافر قواعدها وفق النظم الحديثة لاستخدام العلماء والباحثين.
وضعف حوافز تشجيع الباحثين للعمل المبدع في المؤسسات البحثية.
ويمكن القول ان ثمة قضايا تتعلق بطبيعة مراكز الدراسات والابحاث في الاردن، وان ثمة تبايناً في توجهاتها وخلفياتها، وأن نجاح مراكز الدراسات والمعلومات في احتلال مكان ذي أهمية في صياغة السياسة العامة الأردنية ما زال بحاجة الى الوقت والجهد والعمل الدؤوب من أجل الوصول الى هذا الهدف.
كما تبدو هناك مشاكل ما زالت تواجه مراكز البحث في الأردن من جانب المتلقي الرئيسي المستهدف، ومن جانب صناع السياسات وصناع القرار، ومن جانب مراكز البحوث أو الدراسات نفسها.
وتتعلق هذه المشاكل تتعلق بمضمون القضايا المثارة ومشاكل التمويل والمشاكل القانونيَّة المتعلقة بوضع هذه المراكز. خالد وليد محمود ـ الأردن