مرافعات وكيل النيابة، آداب واصول

مهمة شاقة لها اصول وقواعد

القاهرة - تتجسد صورة وكيل النيابة في أذهان كثير من الناس من خلال ما تقدمه الأعمال التليفزيونية التي يظهر فيها وكيل النيابة خصماً قوياً للمتهم، فيطارح الدفاع قول بقول، وحجة بحجة حتى يأخذ بتلابيب المتهم الخارج عن القانون، ولكن الكثيرين لا يدركون أن المرافعة التي يتولاها وكيل النيابة هي فن له أصول وقواعد مرعية، يتناقلها أجيال وكلاء النيابة جيلاً بعد جيل، وغاية المرافعة أن تخرج قاضيك من رأي خصمك الخاطئ إلى رأيك أنت الصائب.
وتعتبر ظاهرة المرافعة من الظواهر القديمة التي عرفها الإنسان وترتبط بإبداء الحجج للدفاع عن موقف معين يتعرض له، وقد اشتهر في تاريخ قدماء المصريين براعتهم في تحرير المرافعات التي بلغت لديهم مبلغاً عظيماً في سحر البيان، كما نبع فيها خطباء الإغريق واعتبروها من أسمى المهن، كما عرفها العرب عندما كانوا يحتكمون إلي شيخ القبيلة فيدلي كل من المتخاصمين بدلوه من خلال منطق عذب يهدف منه إلى جلب رأي القاضي للتعاطف مع موقفه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حظر من تمويه الحقائق وتزيين الألفاظ بالباطل لأن من البيان لسحرا.
وقد تنوعت المرافعات في العصر الحديث واختلفت باختلاف شخص المترافع وأسلوبه وقدرته علي الإقناع وإثبات الحجج، فمنها مرافعات الدفاع التي يتولاها المحامون نيابة عن موكليهم للدفاع عن مصالحهم، ومنها مرافعات النيابة العامة التي لا تنوب عن أفراد بعينهم ولكنها تمثل المجتمع بوجه عام فتحفظ له قيمه ومبادئه، فالنيابة خصم شريف في الدعوى.
ولمرافعة النيابة أصول وآداب يرعاها المترافعون وتكاد تخلو المكتبة القانونية من كتاب ينتظم هذه الأصول وتلك الآداب حتى ظهر حديثاً كتاب "آداب مرافعة الادعاء – أصول وممارسات" تأليف المستشار سمير ناجي نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، وأشرف هلال وكيل نيابة أمن الدولة العليا، ويعد هذا الكتاب مرجعا أساسيا فملأ فراغ المكتبة القانونية في هذا الباب، ولا غنى عنه للمشتغلين بالقانون سواء أكانوا محامين أو وكلاء نيابة أو قضاة.
وأول ما يلفت النظر في هذا الكتاب كونه ممارسة لتواصل العطاء بين الأجيال كما يقول المؤلفان في مقدمته، جيل حمل الرسالة فأداها على خير وجه يمثله المستشار سمير ناجي الذي أمضى عمره في أتون القضاء وارتقى في سلمه من أول درجة حتى وصل إلى أعلى المراتب فيه، واكتسب خبرة قانونية تفرد بها بين أقرانه لا سيما في فن المرافعة فأصبح علما عليها من خلال محاضراته في مركز الدراسات القضائية التي تتلمذ عليها جل المشتغلين بالهيئات القضائية المختلفة، أما الجيل الثاني الذي يتواصل العطاء معه فهو الذي يمثله ثاني المؤلفين أشرف هلال وكيل النيابة وهو رجل في مستهل حياته القضائية.
ويتكون كتاب "آداب مرافعة الادعاء" الذي يأتي في مجلد فاخر من قسمين رئيسيين. يتناول الأول منهما أصول وآداب المرافعة حيث يعرض المؤلفان خبرتهما في مجال الترافع فيتناولان في مقدمته تاريخ المرافعة ويبينان أهميتها وتعريفها في الاصطلاح القانوني ولدى كبار المشتغلين بها محامين ووكلاء نيابة، وعندما ينهض ممثل الاتهام ليؤدي "أمانة الجبال الرواسي" التي حمل بها أعضاء النيابة العامة وعليهم أن يؤدوها - شاءوا ذلك أم أبوا - فإن عليه واجبات يلتزم بها وحقوق يجب أن يعرفها، وكثيرا ما شهدت المحاكم المصرية مساجلات ومبارزات قانونية بين الدفاع والنيابة يروي هذا الكتاب طرفاً منها ، كما يتنقل بين أساليب أداء المرافعة كالتسميع والتلاوة والارتجال ويفضل المؤلفان طريقة الارتجال المكتوب وهو خادم جيد إذا جعل المترافع الأوراق في خدمته يرجع إليها إذا اقتضت الحال، وسيد ضار إذا جعل نفسه في خدمة الأوراق، ولا شك في أن رسوخ رجل القانون في تخصصه يقاس بمدى اطلاعه خارج القانون، وهو ما يسميه المؤلفان زاد المترافع من بلاغة وخطابة وإلمام بلغة أجنبية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي. وهناك فرق بين طريقة كتابة المرافعة وطريقة كتابة الحكم القضائي وهو ما بينه الفصل السابع تحت عنوان "بناء المرافعة" الذي يتناول المؤلفان فيه أيضاً بعض الظواهر البلاغية في المرافعة كاستخدام الأسلوب الشعري أو السجع من خلال نماذج من بعض المرافعات التي شهدتها ساحات المحاكم.
أما القسـم الثاني من كتاب "آداب مرافعـة الادعاء" وهو بعنوان "ممارسات" فلا يكتفي بذكر بعض النماذج والشواهد من المرافعات، ولكنه يتضمن اثنتي عشرة مرافعة كاملة مارسها المؤلفان أثناء عملهما بالنيابة اختلفت موضوعاتها وتنوعت وأديت جميعها في جلسات علنية طوال خمسين عاما وشغلت الرأي العام في مصر والعالم، وهي:
1- مرافعــة النيـابة فى القضية رقم 290 لسنة 1952 المحـرص:
وفيها يتبين مدى الصراع على بسط النفوذ في قرية أتليدم مركز المحرص، تناحرت على هذا عائلتا المتهمين والمجني عليهما الشقيقين، تظاهرت عائلة المتهمين بالصلح ودعت الشقيقين إلى قصر للمتهم الأول بدعوة على العشاء ومن بعده أطفئت الأنوار وانهال الرصاص ومن بعد ذلك حمل الخدم جثتي المجني عليهما وصاروا بهما حتى ألقـوهما في النيـل.
2- مرافعــة النيـابة في القضية رقم 493 لسنة 1960 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها على الطريق الزراعي مصر- إسكندرية شاب مهندس هو المجني عليه في سيارته ووالده وأخوته الصغار يبتغي ترفيها لهم، وعند نقطة مرور سنديون انطلق شخص فاصطدم بالسيارة وتوقف المهندس وصحبه ليستبصروا ما إذا كانوا أصابوا هذا الشخص ويتداركونه بالعلاج، فتجمع الأهالي عليهم يبغون الاعتداء، ولاذ ركب السيارة بكشك المرور، فما استطاع عسكري المرور ولا الكشك حمايتهم من غضب المتجمهرين وانهالوا عليهم بالعدوان، وخر الشاب صريع الضرب بالفئوس وأصيب سائر من كان في سيارته، وأعمل المتجمهرون تخريب الكشك وإتلافه حتى وافت سيارة النجدة فنقلت المصابين ولفظ الشاب أنفاسه الأخـيرة.
3 – مرافعــة النيـابة في القضية رقم 204 لسنة 1960 حصر أمن الدولة العليا:
وهي تخابر لصالح إسرائيل تبين كيف يصطاد الموساد ضحاياه وتتمثل في إغوائهم بالمال والنساء برجل كان في العهد الماضي صهرا لأحد رؤساء الوزارة السابقين وسكرتيراً وعضواً لمجلس إدارة 20 شركة مساهمة ، أتت الثورة ففقد كل شيء، ورحل إلى أوروبا، عساه يجد عوضاً فاصطاده الموساد ليمده بالأسرار الاقتصادية للبلاد ودُرب بأدوات التخابر وعاد إلى مصر ليبعث بخطاباته بتلك الأسرار بالحبر السري الذي دربُوه عليه .
4 - مرافعــة النيـابة فى القضية رقم 129 لسنة 1963 حصر أمن الدولة العليا:
وهي تروي ما مر بشاب أدمن الميسر إلى أن اتهم برشوة، وحكم عليه بالسجن بعد أن بدد ثروة طائلة ورثها، وما أن أفرج عنه حتى سعى إلى الخروج من مصر بمساعدة طيار أجنبي يسر له ركوب الطائرة معه إلى باريس، وبوصوله إليها أغلقت في وجهه أبواب العمل، فعمد إلى طرق سفارة إسرائيل مبديا لهم استعداده للتعاون في كل ما يطلبون، ومن بعد اختباراتهم له عهدوا إليه بسرقة جوازات من يلقاهم من المصريين ما بين باريس وألمانيا ليسلمها لهم من الطلبة الوافدين من بعد إغوائهم بالنساء، وتمكن من ذلك، ورضوا عنه، فبعثوا به إلى الملحق العسكري المصري مبديا استعداده للتعاون معه على أن يلتقي بأحد ضباط المخابرات المصرية في بيروت، وبعثت به إسرائيل إلى بيروت ليتم هذا اللقاء، ولاغتيال ضابط المخابرات المصري الذي يوفد للقائه، وسافر إلى بيروت قبل اليوم المحدد بأيام قليلة أشبع فيها نهمه إلى المقامرة، حتى ضاعت نقوده، وبمطالبة الفندق له بأجر النزول لم يكن معه ما يواجه هذا الطلب، واشترط الفندق عليه وجود ضامن له، واتصل في سبيل ذلك بالسفارة المصرية ببيروت، فبعثت إليه بمن رافقه إلى القاهرة، ليروى كيف بدأت حياته بالميسر، وكيف انتهت بـه.
5 - مرافعــة النيـابة في القضية رقم 5 لسنة 1965 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها عز على إسرائيل توافد الخبراء الألمان للصواريخ وعملهم في مصر فبعثوا بلوتز صاحب الجنسية الألمانية والإسرائيلي في حقيقته ليمثل المليونير صاحب هواية اقتناء وتربية الخيول العربية، ليندمج مع الخبراء الألمان، يراسل إسرائيل بكل الدقائق عنهم، وعن من يوطد صلاته بهم من أعضاء النوادي التي انضم إليها، وزود بجهاز الإرسال اللاسلكي وبالشفرة وبخطابات تحوي متفجرات لإرسالها إلى الخبراء الألمان، وكان من ضحاياه انفجار خطاب منها في وكيل مكتب بريد المعادي وانفجار ما طلبوا إليه التخلص منه من قاعدة حقيبة ودفنه قرب الأهرامات وإصابة من عثر عليه من مكان دفنه وموافاة الموساد بالرسائل اللاسلكية اليومية عن كل ما يصل إليه من معلومات وتحركات، من استطاع مصادقتهم من الخبراء أو ضباط الجيش وسجلت رسائله، واكتشف موقع الإرسال من فيلته التي استأجرها بالهرم وضبطت وفتشت فيلته، فعثر على جهاز الإرسال ومفرقعات كان في طريقه لاستعمالها واعترف هو وزوجته فقضى عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة وعلى زوجته بالسجن، وإثر النكسة طلبت إسرائيل مبادلته بجميع أسرانا من النكسة، فتم ذلك واستقبلته جولدا مائير رئيسة الوزراء في احتفال بعودته وكتب كتابا بالإنجليزية والألمانية عن كل ما أتاه ومحاكمته والحكم عليه تحت عنوان “جاسوس الشامبانيا سيد الجواسيس“ رمزاً لما كان يقدمه لضيوفه في فيلته التي استأجرها، وأفرد فصلاً في هذا الكتاب لما أسماه محاكمة مشرفة، روى فيها كيف جرى التحقيق معه وإجراءات محاكمته حتى صدور الحكم عليه أشاد فيها بقضاء التحقيق والحكــم.
6 - مرافعــة النيـابة فى القضية رقم 1 لسنة 1967 محكمة الثــورة:
إثر النكسـة ، نشب الصراع على السلطة بين المشـير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال عبدالناصر، وبعد عزل المشير مضى يجمع أنصاره للعودة به إلى السـلطة في مظاهرة عسكرية، وكان من الأتباع المخلصين قائد الصاعقة واثنــان من ضباطها ائتلفوا على عودة المشــير، وتوافقوا على التظاهر لعـــودته.
7 - مرافعة النيـابة في قضية غش الذهــب الكبرى المقيدة برقم 1262 لسنة 1997 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها يتبين مدى الطمع الذي أغرى نفوس المتهمين فراحوا يستغلون بعض ضعاف النفوس من الموظفين في مصلحة دمغ المصوغات، برشوتهم من أجل الحصول على بصمة خاتم المصلحة المعمول به، وعمدوا إلى تقليدها، ودمغ كميات كبيرة من المشغولات الذهبية بهذه البصمة المقلدة، وأغرقوا بها الأســواق.
8 - مرافعة النيـابة في قضية اســتغلال النفوذ المقيدة برقم 866 لسنة 1999 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها يهدر عقيد شرطة أمانة المسئولية التي ناطه المجتمع بها، فسولت له نفسه الحصول على المـال مقابل استغلال منصبه، والتدخل لـدى بعض المسئولين بغرض الإفراج عن معتقل سياسي، كما حصل على مبالغ أخرى من مدرس بعد أن أوهمه بأنه يســتطيع نقله إلى أية جهة يرغـب فيها.
9 – مرافعة النيـابة في قضــية مدعـية النبـوة المقيدة برقم 1001 لسنة 1999 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها تنكـر طائفة من إحدى الفرق الصوفية المعلوم من الدين بالضرورة، حيث زينت لهم أنفسهم الادعاء بأن شيخهم المتوفي هو الخالق الرازق وأن بيـده الثواب والعقاب، وأنه التجلي الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أسقطوا عن بعض المريدين فريضة الصلاة، ومنحوا البعض الآخر الحجة الباطنية وهي تغنى عندهم عن فريضة الحـج.
10 - مرافعة النيـابة في قضية الكشـــــح المقيدة برقم 11 لسنة 2000 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها استغلت بعض النفوس المريضة شجاراً عادياً بين بائع ومشتر على ثمن حذاء، وراحوا ينفخون النـار بين أهل قرية الكشح من المسلمين والمسيحيين، حتى اندلعت أحداث دامية راح ضحيتها واحد وعشرون من أبناء هذا الوطن.
11 - مرافعة النيـابة في قضـية مركــز ابن خـــلدون المقيدة برقم 1134 لسنة 2000 حصر أمن الدولة العليا:
وفيها لم يراع أحد أساتذة الاجتماع حق مجتمعه عليه، فراح يبث من خلال المركز الذي يحمل اسم العالم الجليل ابن خلدون دعايات مثيرة ومغرضة تسئ إلى المجتمع الذي نشأ وتربى فيه، وتلقى تبرعات من الاتحاد الأوروبي وبعض الجهات الأجنبية من أجل تنفيذ بعض المشروعات الوهمية، وقد ساعده في ذلك بعض أعـوانه، اللذين أغراهم بالمال فارتشـوا وزوروا من أجــله.
12 - مرافعة النيـابة في قضـية الشـــــواذ المقيدة برقم 655 لسنة 2001 حصر أمن الدولة العليا:
وهـم مجموعة من الشباب المنحرف الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا فراحوا يمارسون الفجور كما كان يفعل قوم لـوط، ووضع زعيمهم هواجسه في كتاب “وكالة الله في الأرض - ديننا دين قوم لوط .. نبينـا وفقيهنا أبو نواس“.
وهذا العرض لا يغني القارئ المتخصص أو العادي عن قراءة هذا الكتاب الشائق بموضوعاته وأفكاره، والرائق بأسلوبه القوي الذي يضرب المثل لاحترام رجل القانون للغة التي يكتب بها، وليس أدل على ذلك من المرافعات التي حواها هذا الكتاب والتي تعد قطعاً أدبية يعد بها فن المرافعة من الفنون التي تضرب بسهم وافر في مضمار الأدب.