مراجعات أم مؤامرات الإخوان؟

الرواج السياسي والإعلامي الذي تشهده مصر حاليا بشأن اقدام جماعة الإخوان على مراجعات فكرية، ينطوي على مغالطات وتناقضات كثيرة، وخرج في توقيت خاطئ تماما، يشي أن أصحابه يريدون اثارة زوبعة سياسية، وخلط بعض الأوراق الداخلية، وهي لعبة جديد لم تعد تنطلي على أحد، لأن الثقة في الجماعة أصبحت منعدمة، من قبل قطاعات رسمية وشعبية في القيادات والكوادر، والكبار والصغار، والمحبين والمتعاطفين، ولا فرق بين هؤلاء وهؤلاء، فالكل في الهم إخوان.

الحديث عن هذه القضية أيضا جاء متأخرا جدا، وبعد فوات الآوان. فالجماعة أخفقت في كل الفرص الممكنة وغير الممكنة، ولم تتخذ خطوة كبيرة من هذا النوع. كما أن التصرفات التي أقدم عليها الإخوان عمليا لم تترك مجالا لحسن النوايا، لا في القيادات ولا القواعد، وكانت الممارسات دليلا مهما، حيث جرى اتخاذ كل ما من شأنه يؤكد الرغبة في الانتقام، وكل ما يعبر عن تضخم الغل والحقد، للدرجة التي أوصلت غالبية عناصر الجماعة إلى حد التخريب والتدمير، كهدف في حد ذاتهما فقط، بالتالي عندما يتم تسريب كلام من نوعية المراجعات لم يعد محلا لأي ثقة، أو حتى أهلا للاهتمام بها من النخبة والبسطاء، فما بالنا بقيام البعض بجس نبض حول إجراء مصالحة سياسية؟

الأيام الماضية شهدت قيام قوى محسوبة أو قريبة من الإخوان بالاشارة إلى إلى وجود نية لدى الجماعة لمراجعة أفكارها، ثم الدخول في عملية مصالحة متدرجة، ولم يكلف هؤلاء أنفسهم تقديم خطاب يثبت كلامهم، وبدا التطرق لهذا الموضوع كأنه حيلة جديدة من حيل الإخوان، غرضها التقاط الأنفاس، بعد أن تعرضت الجماعة لضربات سياسية وأمنية واقتصادية قوية، أصابتها بالدوار، وأفقدتها قدرا كبيرا من صوابها، وجعلتها تلجأ للبحث في الدفاتر القديمة، حيث تريد الاستفادة معنويا من المصالحة الشهيرة التي أجرتها السلطات المصرية مع جماعات تكفيرية قبل حوالي عشر سنوات، على اثرها عاد الكثير من عناصرها وقياداتها إلى رشدهم، وأقدموا على مراجعات تنصلوا بموجبها من الأفكار المتطرفة التي تبنوها سنوات طويلة، وانخرط غالبيتهم في نسيج المجتمع، وتحول بعضهم إلى رأس حربة في الوقت الراهن لمقاومة فكر الإخوان المتشدد.

المهم أن هذا الطريق يبدو مسدودا حاليا، ولم يجد من يستمع إليه، ليس لعدم جدواه ومعناه، لكن لأن الجماعة يصعب الوثوق في توجهاتها. ففي الوقت الذي رمى فيه البعض الكرة في ملعب المراجعات، تسعى قيادات الإخوان في الخارج وذيولهم في الداخل إلى مزيد من التحريض على العنف، وتوسيع نطاق التخريب والفوضى، وبث دعايات سامة وهدامة، وشن حملات مغرضة، هدفها النيل من السلطات الحاكمة في مصر. فأي مراجعة تصدر من جماعة تكرس جل اهتمامها للانتقام؟

كما أن لأي مراجعة أصول وقواعد وضوابط حاكمة، لم نسمع أو نرى لها بوادر أو بشارات من الإخوان، فهي لم تقدم من قبل على إعادة النظر في أفكارها، في جميع العصور، وفي أحلك الأوقات تقريبا، وكان التطرق لهذا الحديث كفيلا بفتح طاقات جهنم على أصحابه، وربما التشكيك في قدراتهم العقلية، والجماعة التي ترتكب كل الأخطاء والخطايا التي رأيناها على مدار أكثر من عامين ولم تمهل نفسها فرصة للامعان في الجدوى والنتيجة، لا يمكن أن نتوقع منها تقديم طحين صالح للخبز، وكانت ترى الخطر محدقا ولم تتزحزح عن موثقها أو تنحني للعواصف الشديدة، التي هبت عليها مرارا. وحتى عندما وقعت الواقعة، وسقط حكمها بضربة شعبية قاضية، لم تغير سياساتها، بل امتلكت شجاعة نادرة في الاصرار على الغباء السياسي.

من جهة أخرى، تستلزم المراجعات اعترافا واضحا بالأخطاء التي ارتكبت، وتقديم اعتذار عنها. وحتى الآن لم يحدث شيء، لا من هذه أو تلك. فقبل الكلام في هذه القضية الحساسة، من الضروري أن تملك الجماعة جرأة كافية، وتعلن على الملأ، وبلا لف أو دوران، أنها أخطأت وعازمة على تصحيح المنهج المعوج الذي تسبب في كل الكوارث التي رأيناها، والتي كادت أن تكبد الدولة خسائر جسيمة، تصل إلى درجة تهديد وحدتها التاريخية. كما أن الاشارات التي تأتي من قياداتها داخل السجون تسير عكس الاتجاه الذي من المفترض أن تمشي فيه عملية المراجعات، إذا كان أصلا هناك تفكير من المراجعات، وخلال الأيام الماضية، تضاعفت وتيرة التحريض بصورة توحي مباشرة بكذب حديث المراجعات.

الهدف من عزف هذه النغمة من جانب البعض، تجاوز في اعتقادي مرحلة بالون الاختبار، ودخل خانة المؤامرات، وإذا كانت للمراجعات شروطها، وكلها لم يملك منها الإخوان النزر اليسير منها، فإن للمؤامرات شواهدها وأدلتها، التي لا تخطئها عين عادية، فما بالنا بالحصيفة؟

والحمد لله أضحى معظم المصريين أصحاب عيون فاحصة، يرون وأحيانا يشمون الخطر على بعد أميال، خاصة إذا كان قادما من عند الإخوان، وعلمتنا التجربة الاكثار من الحذر، لتجنب تكرار أخطاء سابقة.

وأهم معالم المؤامرة هنا، محاولة اظهار السلطات الرسمية بأنها تقصي جماعة سياسية معتدلة، أو تتصور أنها تسوق للاعتدال من خلال مراجعة أفكارها، وعدم الاستجابة لها قد يسبب حرجا للحكومة، ويدفعها إلى تليين قبضتها، ما يسمح لعناصر الإخوان بفترة تهدئة، تعيد ترتيب الأوراق خلالها، وتواصل طريق العنف في وقت لاحق، ربما يكون مواتيا، لذلك ما نسمعه ونقرأه في المحروسة الآن حول المراجعات، يتجاوز المناورات ويدخل باقتدار في باب المؤامرات.