مديحة يسري .. امرأة حديدية في زمن الرومانسية

رحلة عمر وعطاء طويلة وجمال متميز، يؤكد أننا أمام امرأة قوية الشخصية، شديدة الذكاء، تعرف كيف تختار وتستمر رغم الأزمات.


أغلب أدوار مديحة يسري أمام عماد حمدي كانت رومانسية وعاطفية


كانت غالبا المرأة التي تفقد الرجل لأسباب متباينة ثم تعود إليه من جديد

بقلم: محمود قاسم

مديجة يسري، هي بلا شك النجمة الأطول عمرا قي تاريخ السينما المصرية ، رغم أنها توقفت عن العمل منذ عام 1993 وهي واحدة من النجمات البارزات تألقت كثيرا في عصر بزوغ وانتشار الكوميديا الموسيقية، والفيلم الفكاهي.
رحلة عمر وعطاء طويلة وجمال متميز، يعني أننا أمام امرأة قوية الشخصية، شديدة الذكاء، تعرف كيف تختار، تستمر رغم الأزمات، تعمل ممثلة ومنتجة، وتقف أمام التمثيل والإخراج، في عالم يبرز الأسماء في السينما من فيلم إلى آخر ابتداء من يوسف وهبي، ثم تكون ثنائيات ناجحة مع أزواجها الفنانين ومنهم المطرب محمد أمين، والمخرج الممثل أحمد سالم، والمطرب الملحن المنتج محمد فوزي، وهي أيضا تكون ثنائيا لفترة طويلة مع يوسف وهبي في أفلامه رغم الفارق الواضح في السن بينهما، وتعمل أيضا في قرابة عشرة أفلام أمام عماد حمدي الذي كون ثنائيات أخرى قوية مع كل من فاتن حمامة، وشادية، ثم  في مرحلة معينة تقدم أدوار المرأة الناضجة في، قبل أن تتحول للمشاركة في النشاط الاجتماعي العام.
كنت معها في رحلة إلى باريس طوال سبعة أيام عندما احتفل بها المركز الثقافي المصري بالعاصمة الفرنسية، ورأيت أمام عيني امرأة فولاذية تتكلم قليلا، وتتمتع بقوة شخصية، طرحت عليها بعض الأسئلة عن أفلامها وأزواجها، فكانت إجاباتها مليئة بالدبلوماسية والذكاء، صاحبة ابتسامة مشرقة أطلت علينا للمرة الأولى عام 1942، في فيلم "دموع الحب" إخراج محمد كريم أثناء أغنية لعبدالوهاب، كان يكفي لعينيها أن تتكلما. 
وفي العام نفسه شاهدناها أمام فريد الأطرش في فيلمه الأول، وكانت البطولة المطلقة للاثنين معا في فيلم "أحلام الشباب" اخراج أحمد بدرخان، وقد صارت البطلة المطلقة في كافة أدوارها، في أفلام ذات أهمية ملحوظة، ابتداء من فيلم "العامل" إخراج أحمد كامل مرسي، ثم "تحيا الستات" إخراج توجو مزراحي، وكلا الفيلمين عام 1943، والفيلم الثاني أمام زوجها في تلك الآونة محمد أمين، التلميذ النجيب لمحمد عبدالوهاب، وسرعان ما تحددت الملامح التي تجيدها، فهي تقوم بدور الزوجة الارستقراطية التي تتمرد علي زوجها، ثم لا تلبث أن تتحول، حدث ذلك في فيلم "العامل" أمام حسين صدقي. ثم "يسقط الحب" أمام ابراهيم حمودة ، وهو الدور الذي تكرر عام 1944 في فيلم "ابن الحداد" أمام يوسف وهبي.
في عام 1945، شاركت مديحة يسري في بطولة ستة أفلام أمام كل من أنور وجدي، وفريد الأطرش، ويوسف وهبي منها فيلم "الجنس اللطيف" إخراج أحمد كامل مرسي، أمام زوجها محمد أمين، كما شاركها البطولة زوجها المستقبلي محمد فوزي في فيلم "قبلة في لبنان"، وهي أعمال تنتمي الى الكوميديا الغنائية، وبدا أن هناك ممثلات جميلات يضطلعن بالبطولة لا يجدن الغناء، بل أنهن يصلحن ديكورا جميلا كي يتلقين الأغنيات، وفي هذا الحال فإنها تقف أمام الكاميرا تبرز جمال وجهها، وأحيانا أناقتها وهي تستمع إلى إطراء حبيبها فيها مثلما فعل محمد أمين، وهو يغني لها مرارا في أفلام أخرى منها: "أحلام الحب"، ومثلما فعل محمد فوزي في قرابة سبعة أفلام.
عملت مديحة يسري أمام أزواجها بشكل منتظم، وكونت مع كل منهم ثنائيا عاطفيا، إلا أن الثنائي الأهم كان أمام الممثل الأكثر حضورا في تلك السنوات، وقد سألتها: لماذا عماد حمدي؟ فأجابت: لأنه كان مطلوبا لدى شركات التوزيع، بما يعني أن الجمال لم يكن هو المنشود الأول بل الرجولة، وعلى كل فقد كان هؤلاء الرجال الأربعة بمثابة الفحولة والرومانسية، بالاضافة إلى بقية الأسماء التي عملت معهم أكثر من مرة.
دموع الفرح
التقى محمد فوزي بزوجة المستقبل سينمائيا للمرة الأولي عام 1945، كان فوزي في بداية حياته، وجسدت مديحة دور الزوجة التي تسافر إلى لبنان، وهناك فان فتحية تعلم أن زوجها خانها مع امرأة أخرى وتتعرف أثناء أجازتها في لبنان على شاب، وتقرر أن ترتمي في أحضانه كنوع من الانتقام لكرامتها إلا أنها عندما تعود إلى القاهرة فإن الشاب الذي قبلها في لبنان يلاحقها دون أن يعرف أنها متزوجة، وإذا نظر أي عدد الأفلام التي عمل الاثنان فيها ابتداء من عام 1945 حتى طلاقهما، فإن عدد هذه الأفلام ليس كبيرا كما أن أغلبها ضائع في التاريخ، هذه الأفلام اعتمدت على قصص حب مؤثرة ، فيخيل إلينا أنها كثيرة العدد، وينطبق الأمر نفسه على أفلامها مع محمد فوزي وهي: "فاطمة وماريكا وراشيل"، "نهاية قصة" و"آه من الرجالة" للمخرج نفسه في عام 1951،  من إخراج حلمي رفلة ، ثم "من أين لك هذا" 1952، و"بنات حواء" إخراج نيازي مصطفي 1954. 
وكان اللقاء الأخير في فيلم "معجزة السماء" إخراج عاطف سالم 1956، وفيها جميعا قصص حب تتعرض لبعض المتاعب تقوم فيها مديحة يسري بدور المرأة العنيدة، القوية التي تكابر في الحب، وبعد الكثير من المواقف الكوميدية فإنها تمتثل، وتقبل أن ترضخ لقانون الرجل، مثلما حدث في "فاطمة وماريكا وراشيل"، فهي الفتاة المدنية التي تسكن في الريف، ولا تعلم أن الشاب الذي أرسله أبوها كي يخطبها قد تنكر في زي خادمه، وأنها وقد ارتدت ملابس وصيفتها الدميمة، قد وقعت في حب الرجل الذي حاولت التهرب منه.
أغلب أدوار مديحة يسري أمام عماد حمدي كانت رومانسية، وعاطفية يتعرض فيها الحب لصدمات بالغة القوة، لكن الحب سوف ينتصر في النهاية، خاصة أن كان هناك ظرف آخر، مهما اقترب، فإنه سوف ينحني أمام العاصفة، وسيترك الريح تدفع الحب الأول  إلى بر الأمان مثلما حدث في أول لقاء سينمائي جمع الاثنين معا، وهو "من غير وداع" إخراج أحمد ضياء الدين، فنحن أمام زوجة تم القبض على زوجها البرئ، وقضي في السجن عدة سنوات، وصار عليها أن تتولي تربية ابنتها، ولم تعلم أن الزوج مجدي قد أطلق سراحه، وانه لم يستدل على عنوانها وتزوج من صاحبة المزرعة التي يعمل بها، بعد أن صارت مجنونة بحبه، ولا تلبث الزوجة أن تعرف مكان زوجها، ويصبح على الزوجة الثانية المريضة أن تضحي بحياتها وحبها كي يلتئم شمل الأسرة.
ويبدو الأمر متشابها مختلفا في "أقوى من الحب"، فهناك طبيبة لديها أسرة، الزوج فنان تشكيلي، فقد يده اليمنى، ويعاني أن امرأته منشغلة دائما عنه وعن أولادها في الوقت الذي يقابل فتاة تؤمن به كفنان، وتدخل حياته بقوة، وقبل أن تتزوج منه ظهرت الزوجة خاضعة، كي تستعيد زوجها. 
وفي قصص الحب التي جسدتها مديحة يسري كانت غالبا المرأة التي تفقد الرجل لأسباب متباينة ثم تعود إليه من جديد، مثل دورها في فيلم "وفاء" فهي الزوجه التي يطردها زوجها من داره، لأنها واقعة في غرام رجل ضرير، تعمل معه كي تدبر المصاريف لعلاج زوجها الذي سوف يكتشف الحقيقة، وفي فيلم "حياة  أو موت" لكمال الشيخ هي الزوجة التي تترك بيتها ليلة العيد، والزوج يعاني من أزمة قلبية، وتذهب ابنته الوحيدة لإحضار الدواء من صيدلية بعيدة عن المنزل. وفي فيلم "أرض الأحلام" لكمال الشيخ أيضا هي الفتاة التي تحب مهندسا، إلا أن ابن عمها يدبر المكائد كي يتزوجها، ويستولي على الأرض المليئة بمعدن الحديد، حتى تتكشف الأمور. 
وقد عمل الثنائي في أغلب افلامهما مع كل من كمال الشيخ، وعز الدين ذو الفقار الذي أخرج لهما أيضا "إني راحلة" وهي رواية حب قدري لـ يوسف السباعي، هذا الحب المكتوب عليه النهاية الحزينة كما ترويها صاحبة القصة، عقب موت حبيبها في الكوخ الذي جمعهما معا، وتقرر أن تترك مذكراتها، وأن تموت معه، بعد أن أشعلت الكوخ، ويبدو أن الناس تحب هذا النوع من القصص والتضحيات.
ثنائي فني
وقد شهدت التحولات الجسمانية في وجه وجسد مديحة يسري الكثير من التعاون في عمر ما بعد الأربعين في أفلام منها "الخطايا" لحسن لأمام 1962 حيث صار المشييب علامة، وصارا أبوين لشابين تخرجا في الجامعة في فيلم أثار الكثير من الشجن، وقد التقيا أيضا في عام 1963 في فيلمين هما "العريس يصل غدا" لفطين عبدالوهاب، وأدت فيه دور امرأة ناضجة عليها أن تتزوج من حبيبها القديم، وراحت تدبر معه كيف يتزوج أخوه الاصغر من ابنتها حتي يخلو لهما طريق الاقتران، وهناك أيضا لقاء آخر جمعهما في فيلم "سلاسل من حرير"، وهو العاشق الناضج الذي يحب امرأة من سنه إلا أنها منشغلة بشاب يصغرها بسنوات، حتي كان اللقاء الأخير بينهما في فيلم "النصف الآخر" المأخوذ عن رواية لعبدالحميد جودة السحار، ومن إخراج أحمد بدرخان حول أرمل يعاني أن أولاده صاروا كبارا ولكل منهم مشاكله حتى يلتقي بامرأة تناسبه في السن ويقرر الزواج منها رغم معارضة بعض الأبناء، ويتزوج منها سرا ويعيش  معها نوعا جديدا من المشاكل.
رحلت مديحة يسري بعد أن أطالت الرومانسية في قصص السينما المصرية، وجعلت للمرأة جمالها في ما بعد مرحلة الشباب، وهي ظاهرة لم تحتفل بها السينما المصرية إلا على يدي عماد حمدي، ومديحة يسري التي كان لجمالها دائما جاذبيته مهما حوله الزمن. (خدمة وكالة الصحافة العربية)