مدنيو الموصل يدفعون ثمنا باهظا لنصر لم يكتمل

نصر بلا طعم

الموصل (العراق) - دخلت معركة انتزاع كامل الموصل، شمالي العراق، فصلها الأخير مع قرب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي في البلدة القديمة آخر معاقله في الجانب الغربي والمدينة بشكل عام.

وتعد المعارك الدائرة في البلدة القديمة من أصعب أنواع الحروب على الجيوش النظامية نظرا لأزقتها الضيقة المكتظة بالمدنيين.

ويتعذر على العربات العسكرية الدخول في تلك الأزقة، كما يصعب استخدام الأسلحة الثقيلة، وكذلك شن ضربات جوية، حفاظا على أرواح المدنيين.

لكن منذ بدء الهجوم في الـ18 من يونيو/حزيران وردت شهادات من مدنيين فارين بوقوع قصف شبه مستمر على المنطقة، ما تسبب في انهيار بيوت متهالكة أصلا على رؤوس ساكنيها، وسقوط ضحايا مدنيين.

ولا توجد أرقام واضحة بأعداد المدنيين المتبقين في البلدة القديمة بالموصل، غير أن تقديرات غير رسمية تشير إلى أنهم بعشرات الآلاف.

ويحمل محمد عبد الواحد الزبيدي، وهو ضابط برتبة ملازم في جهاز الشرطة الاتحادية التابعة للداخلية، بيده اليمنى عشرات الأوراق التي دون فيها بقلمه أسماء الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال معارك تحرير البلدة القديمة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

بدا التوتر ظاهرا عليه، وهو يتحدث من عربته العسكرية المدرعة بمنطقة الكورنيش، إحدى مناطق الموصل القديمة، عن أرقام أولئك الضحايا الذين قضوا بنيران أطراف النزاع المسلح.

وفي هذا الصدد، يشير الزبيدي، إلى إنه تمكن من تدوين 213 ضحية، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، ممن تعرف على هوياتهم الثبوتية، منذ 24 يونيو/ حزيران حتى الـ30 من الشهر نفسه.

ويوضح أن الضحايا قتلوا خلال المواجهات المسلحة، التي دارت بين التنظيم والقوات العراقية، في مناطق (باب الطوب، الميدان، باب لكش، باب جديد، باب البيض، والفاروق) ضمن البلدة القديمة للموصل.

وينوه بأن المدنيين يختبئون في سراديب منازلهم، التي تنهار عليهم جراء ضغط الأسلحة النارية الثقيلة والمتوسطة، وهو ما يؤدي لمحاصرتهم فيها ومن ثم موتهم بعد أيام دون ماء وغذاء أو دواء مع ارتفاع درجات الحرارة وتأخر وصول المساعدة إليهم.

لم يحتمل الزبيدي، المزيد من الضغط النفسي، وهو يروي المشاهد المؤلمة التي وثقها بنفسه، فخرج من عربته العسكرية وأخذ بسكب الماء على رأسه ووجه.

يقول الضابط العراقي "بأسي"، إن الوضع الإنساني للمدنيين أصعب بكثير مما يتصوره الكثيرون، فهناك أطفال فارقوا الحياة قبل أن تصل القوات إليهم بساعات، وهنالك نساء نزفن من جراء جروح لحقت بهن حتى الموت. إلى جانب كبار سن نفد دواؤهم ولم يتحملوا المزيد من ألم المرض ليرحلوا عن الحياة، ورجال حاولوا إنقاذ ما يمكنهم إنقاذه دون جدوى فلم يكتب لهم النجاة.

على مقربة من عربة الزبيدي العسكرية، كان يقف همام دحام الجابري، أحد جنود الرد السريع (قوة تابعة لوزارة الداخلية)، تحدث عن مشهد لا يفارق مخيلته.

يقول الجابري "خضت معركة الموصل من البداية وحتى الآن، ورأيت مئات الجثث وفقدت أصدقاء السلاح".

لكن المشهد، الذي رأيته في أول أيام عيد الفطر، والحديث للجابري، كان الأصعب والذي لم يفارقني حتى اللحظة.

المشهد كان لأم تحتضن أولادها الأربعة، الذين فارقوا الحياة جميعا، بعد أن انهار منزلهم على رؤوسهم في منطقة باب الطوب وسط الموصل.

ويضيف الجندي العراقي أن "الأم كانت متشبثة بأطفالها وحاولت بكل طاقتها أن تحميهم، لكن آلة الحرب كانت أقوى منها".

ويشير إلى أن مئات الجثث تعود لمدنيين، لا تزال تحت الأنقاض، في مناطق: الجامع الكبير، السرجخانة، رأس الكور، باب لكش، ومحيط شارع خالد بن الوليد، قضى أغلبهم جراء القصف الجوي لطيران التحالف الدولي والجيش العراقي.

وتحولت أجزاء كبيرة من البلدة القديمة إلى أنقاض جراء المعارك الشرسة داخل أزقتها الضيقة، بينما تواصل القوات العراقية التقدم لانتزاع ما تبقى من مناطق تحت سيطرة الدولة الإسلامية.

ويقول الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، أحد القادة الميدانيين بجهاز "مكافحة الإرهاب"، إن "القوات العراقية تمكنت من تحقيق نتائج إيجابية في زمن قياسي خلال معركة منطقة الموصل القديمة".

ويضيف الساعدي أنه ومنذ اليوم الأول حتى اليوم، وهي تحاول أن تجنب المدنيين العزل أضرار المعارك ضد التنظيم الإرهابي وتحافظ على ممتلكاتهم قدر المستطاع.

وجاء حديث الساعدي بينما كان يقف عند موقع جامع النوري الكبير لحظة إسقاط راية تنظيم الدولة الإسلامية ورفع العلم العراقي.

والجامع هو الذي شهد الظهور العلني الوحيد لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، قبل ثلاثة أعوام، وأعلن من على منبره قيام "دولة الخلافة" على أراض عراقية وسورية.

ويشير إلى أن القوات العراقية تواصل التقدم للقضاء على ما تبقى من مسلحي التنظيم في البلدة القديمة، والذين يقدر عددهم بـ 200 مقاتل أغلبهم من الأجانب.

ويتخذ مسلحو التانظيم من المدنيين دروعا بشرية، ويستهدف الفارين منهم والذين يعيشون وسط ظروف قاسية للغاية جراء عدم توفر الغذاء والماء والمقومات الأساسية الأخرى لاستمرار الحياة.

السلطات العراقية لم تقدم ما يكفي لانقاذ المدنيين

ويقول علي الحجار، الناشط الحقوقي ومدير شبكة "إنقاذ" الإنسانية (غير حكومية)، والتي يعمل أفراد طاقمها في البلدة القديمة، إلى جانب القوات العراقية المشتركة، إن هناك عشرات الجثث تحت أنقاض المنازل المدمرة في البلدة القديمة.

ويشير إلى أن نحو 600 مدني مازالوا تحت سيطرة التنظيم دون ماء أو غذاء أو دواء، وتحت القصف الجوي والمدفعي ونيران الحرب المختلفة.

ويحمل الحجار السلطات العراقية مسؤولية أرواح المدنيين، التي زهقت خلال معركة تحرير الموصل، وبالأخص الجانب الغربي والبلدة القديمة، لأنها لم توفر طواقم كافية من فرق الدفاع المدني والإسعاف والصحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ويقول إن الكثير من المصابين والمحاصرين لقوا حتفهم جراء تأخر وصول يد العون إليهم، وهم متواجدون إما تحت الأنقاض أو في الشوارع والأزقة.

ويضيف أن المنطقة المحيطة بالجامع النوري الكبير من أكثر المناطق، التي يوجد فيها جثث المدنيين، بعد أن شهدت معارك شرسة للغاية.

وختم حديثه بالقول إن "المعركة لم تنته، وعلى السلطات الدفع بفرق الدفاع المدني لإنقاذ المدنيين وانتشال العالقين حتى يكون للنصر طعم، ويمكن الاحتفال به".

وتدور حاليا معارك بين القوات العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، في البلدة القديمة للموصل، والتي بتحريرها تكون الحكومة استعادت كامل الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وسيطر عليها التنظيم صيف 2014.

وخلال حملة عسكرية بدأت في أكتوبر/تشرين الأول تمكنت القوات الأمنية، من استعادة النصف الشرقي للمدينة، ومن ثم بدأت في الـ19 من شباط/فبراير معارك الجانب الغربي.

وكانت قيادة عمليات نينوى قالت، في بيان، إن قوات مكافحة الإرهاب استعادت سوق الشعارين، ومنطقتي النبي جرجيس وعبد خوب، في المدينة القديمة.