مدخل لدراسة 'السرد' في 'شعر الحداثة'

السرد جنس لـه مقوّماته وملامحه المتميزة

خَطَتْ الشعرية العربية، برغم كل التعثرات والإشكالات في الشعر العربي، خطواتٍ مهمّةً نحو "القصيدة"، نتَجتْ عنها أشكالٌ وبنى شعرية تمرّدتْ على المألوف، وتحرَّرتْ من القفص الحديدي الذي أسَرَ الشعر العربيَّ قروناً.

وأُطلقت القصيدةَ من إسارها؛ لتحلّق في فضاءات جديدة ترتاد عوالم كانت مجهولةً في التجربة الشعرية العربية عبْرَ العصور، ولتخلق في الوقت نفسه، إشكالياتٍ جديدةً؛ فجّرت صراعاً إيجابياً.

إن الأمر يتعلق بمفهوم "السردية" الذي عرف انتشاراً كبيراً وتم تداوله بشكلٍ كبيرٍ، فما فحوى هذا المفهوم؟ وما وموقعه من مفاهيم أُخرى تنتمي إلى نفس الفصيلة أو إلى فصائل أخرى؟

فمفهوم السّرد من المفاهيم المستحدثة في الساحة النقدية العربية، استعمله النقاد ليكون المفهوم الجامع لكلّ التجليات المتصلة بالعمل الحكائي، وتأتي أهميته باعتباره مصطلحاً وجنساً يستدعي أن تكون لـه أنواعٌ، كما يستدعي أن يكون لـه تاريخٌ، وإن أيّ تفكير في أنواعه وتاريخه لا يمكن أن يؤدي دوراً مهمّاً في ترسيخ الوعي به واتخاذه موضوعاً للبحث الدّائم. وهو بتعريف رولان بارت: "مثل الحياة نفسها عالم متطور من التاريخ والثقافة".

وهو من المصطلحات التي كثر تداولها في الدراسات النقدية، وبرغم أن المصطلح نفسه قديم إلا أن الدلالة والأهمية التي اكتسبها هيأت له عوامل الشيوع وكثرة الاستعمال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سعة انتشار هذا المصطلح لا يقتصر على فن واحد، إنما يتسع، ليشمل مختلف الخطابات سواء أكانت أدبية أم غير أدبية يبدعها الإنسان أينما وجد؟

ويتراوح مصطلح (السرد) بين كونه خطاباً غير منجز أو قصاً أدبياً يقوم به (سارد) ليس هو الكاتب بالضرورة، بل هو وسيط بين الأحداث ومتلقيها، وارتبط به مصطلح (السردية) التي هي فرع من أصل كبير هو الشعرية التي تعني باستنباط القوانين الداخلية للأجناس الأدبية، واستخراج النظم التي تحكمها، والقواعد التي توجّه أبنيتها، وتحدد خصائصها وسماتها، وتعني بـ "معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل".

وتبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، فالشعرية إذن مقاربة للأدب مجردة وباطنية في الآن نفسه الذي يعنى به: الطريقة التي تروى بها القصة أو الخرافة فعلياً، وهي فروع (الأدبية) التي بحثت في أدبية الأدب أو ما المقومات التي تجعل العمل الأدبي أدبياً، فكانت السردية بحثاً في ما يجعل القصة أو الشعر، أدباً سردياً، من خلال رواية سلسلة من الوقائع والأحداث بعد إقامة بعض العلائق بينها.

وبرغم كون علم السرد قديماً في نشأته منذ عام 1918، على يد ايخنباوم في مقالة له بعنوان "كيف صيغ معطف غوغول"، فإن هذا المصطلح لم ينتشر إلا في سنة 1969، على يد تدوروف.

واستجماعاً لأركان العملية السردية، فالسرد هو: "وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي هو الراوي".

والسرد الذي ارتبط بدءاً بالرواية، ثم التحق بعالم القصة القصيرة، أصبح فاعلا جماليا في الشعر، وازداد مع بزوغ قصـيدة النثر في الشعر الجديد، ويشير ابن منظور للمفهوم اللغوي للسرد، فهو تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به متسقاً بعض في إثر بعض متتابعاً، مع رعاية جودة السياق الذي يحتويه.

وهذا المفهوم يحتوي على ركائز: الاتساق والتتابع وجودة السياق، وهو المادة المحكية بمكوناتها الداخلية من الحدث والشخوص والزمان والمكان، وهي مكونات أنتجتها اللغة بكل طاقاتها الواصفة والمحاورة والشارحة والمعلقة.

وإذا كان السرد هو المادة المحكية بمكوناتها الداخلية من الحدث والشخوص والزمان والمكان، فلقد ميز الشكلانيون الروس المواد الخام في القصة من العمليات المستخدمة لنقل تلك المواد، فالمواد مجرد ثابت في صنع التخييل، أما الكلمات والوسائل التقنية فيمكن أن تتنوع، وهناك أسبابٌ متعددةٌ لهذا التميز، فلا يمكن أن نناقش "كيفية" السرد دون افتراض مادة ثابتة، يمكن تقديمُها بطرقٍ متنوعةٍ، وهذا السرد يحكي عن طريق اللغة السلوك الإنساني، وهو أداة من أدوات التعبير، القضية الجوهرية في السرد تكمن في كيف نترجم المعرفة إلى إخبار؛ بمعنى: كيف نحول المعلومات إلى حكي؟

والمعتاد، أن تختلف طرائق توصيل الأثر، ومن خلال هذا الاختلاف ـ وهو جوهر عمل النقد البنيوي - تتبين الطرائق التي أعاد فيها السارد ترتيب الحكاية التي في جوهرها هي أحداث موجودة في محصلتها، لكن تكمن (أدبية) ساردها في اختيار وإتقان (أسلوب) إسداء هذه الحكاية التي هي عبارة عن مجموعةٍ من الأحداث، أو من الأفعال السردية تتوق إلى نهاية، أي أنها موجهة نحو غاية، وهذه الأفعال السردية تنتظم في إطار سلاسل تكثر أو تقل حسب طول الحكاية أو قصرها.

وكل سلسلة يشد فعالها رباط زمني ومنطقي، ويقف إدراك الراوي (السارد) لتسلسل الأحداث ركناً مهماً في اختبار (زاوية النظر) التي يطل منها السارد في انتقاء (طريقة) سرد الأحداث والتي تعد محك التأثير، وإحداث الاستجابة المرتجاة، التي لم تتحكم بها (نوعية) الحدث وتنوعه وأخلاقياته.

إنما (كيفية) أدائه وطرائق توصيله، حتى كان شخصية (السارد) هنا قبل إقامة الفعل السردي هي (شخصية ناقدة) للأحداث تعرض رؤيتها للأحداث، وليست معنية فقط بنقل الحدث الذي يفترض نقله، فيبرز جراء ذلك، طابع الاختيار والقصدية والتأثير؛ مع هذه العناصر الثلاثة، تتحقق (الأدبية)، وتتعدد مستويات التلقي، إذ لا قيمة للشيء إذا ما تم نقله من وجود المرجعي؛ ليكون ذاته منعكساً على صورة منقولة طبق الأصل، فالخلق الأدبي يعني الإضافة والاجتراح أو التغيير واقتراح هوية مخصوصة للشيء، مستمدة من خصوصية منتجة وناقلة إلى المتلقي.

ويرتبط هذا المفهوم للسردية في التداول الشائع بإحالته على جملة من الخصائص التي تجعل من خطاب ما خطاباً سردياً ، تماما كما أن هناك خصائص تحيل على الخطاب الشعري، وأخرى على الخطاب المسرحي أو السينمائي أو التشكيلي...الخ، ولئن كان هذا التعريف لا يجانب الصوابَ في معناه العام، فإنه ليس كذلك عندما نربطه بالنظرية التي أنتجته وألقت به للتداول.

ذلك أن الأبعاد الحقيقية لهذا المفهوم توجد في مستوى آخر، ولن تتضح إلا عندما نربطه بتربته الأصلية؛ أي بمجموعة من المفاهيم المحيطة التي تعد أساس وجوده، وبدونها لن يكون له أي معنى.

والسرد بوصفه مظهراً تعبيرياً يهتم باستنباط الأبنية الداخلية، وهو "لايعني بالمتون السردية ذاتها، إنما بكيفيات ظهور مكوناتها سردياً، أي بالممارسة التي اتخذتها مكونات السرد ضمن البنية السردية".

استناداً إلى هذا يمكن القول: إن المضمون الحقيقي لهذا المفهوم ليس مرتبطاً بمادة قصصية قابلة للسرد، كما لا يحيلُ على التحديد المباشر لعالم مشخص تتحرك داخله كائنات، كما قد يوحي بذلك الاستعمال القصصي في التدليل أو التوضيح أو شرح المفاهيم المجردة، وإنما له صلة بعالم القيم الإنسانية وأشكال وجودها.

فهو المصفاة التي تنتقل من خلالها القيم من وضع مجرد إلى وضع محسوس، وهذا العالم السردي يشكل نسقاً خاصاً منفصلاً عن عالم التجربة الحية؛ بما يعني أن المصطلحات المستخدمة في التحليل تنبع بالأساس من عالم السرد، بوصفه خطاباً لغوياً بالدرجة الأولى، وإن العمل السردي يمكن أن يُعرف بشكل عام بوصفه "المحاكاة السيميوطيقية لسلسلة من الأحداث المترابطة زمنيا بطريقة ذات مغزى" السرد إذن ليس الأحداث، ولكنه إعادة تصوير لتلك الأحداث عبر وسيلة سيميوطيقية هي اللغة في حالة النصوص السردية.

معنى هذا أن السرد طريقة لسانية يمكن لها أن تتجسد في أي نظام لساني أو غير لساني وتختلف تجلياتها باختلاف النظام الذي استعمل فيه؛ فباعتبار أن الخطاب واقعة لسانية في الأصل فإن الأحداث الكلامية في النص المحكي تشكل عالم السرد الذي ستعمتد عليه هُوية الحبك وبالتالي هُوية الشخصية؛ وعليه فإن سيرورة الخطاب قائمة على أُطر معرفية وعلاقات إنتاج وبنى أساسية تقنية معتمدة على تلك الإيديولوجية، ولذلك فإن هُوية الشخصية تنشأ من التفاعل بين تلك البُنى والأطر المعرفية؛ وبالتالي فإن مشكل الشخصية كما يعبر عنه تودروف بوصفه مصطلح سردي يتأسس على اعتباره (لساني) لأنه لا يوجد خارج الكلمات، ومن منظور بنيوي فإن ثمة علاقة هُوية تربط بين الشخصية والصفات، وعليه فلا خلاف في العلاقة بينهما، إلاَّ أنه يجب ملاحظة قرابة الصفات لمحمولات (الأحداث)، وتزويد الشخوص بصفات ليست هي الصفات ذاتها.

إن السرد جنس لـه مقوّماته وملامحه المتميزة، والسرد مصطلحٌ أدبي فني هو الحكي أو القصّ المباشر من طرف الكاتب أو الشخصية في الإنتاج الفني، وهو يهدف إلى تصوير الظروف التفصيلية للأحداث والأزمات، ويعدّ مفهوماً من المفاهيم النقدية المستحدثة في الساحة النقدية العربية؛ ولذلك وجب فحص مدلولاته وضبطها.

وفي هذا السياق، يعدّ جيرار جنيت من أوائل الذين قاموا بإدخال بعض المصطلحات السردية، حيث جعل منها مرحلة مهمّة من مراحل التحليل وعالجها ضمن ما أسماه بصيغة السرد، ضمن النموذج التحليلي الذي قدّمه في اللغة الفرنسية، وهو النموذج المهمّ الذي استوعب المقولات السابقة عليه، فقدّم تأطيراً منظماً لأسس السرد الفني، خلال وقوفه على كلمة "قصة" في اللغات الأوروبية، مستخلصاً ثلاثة معانٍ: أوضحها وأقدمها هو الملفوظ السردي، مكتوباً أم شفهياً، والثاني المضمون السردي والمعنى الثالث: الحدث.

وفي ضوء هذا التمييز حدّد ثلاثة مظاهر للسّرد هي:

1ـ الحكاية: وتطلق على المفهوم السردي أي على المدلول.

2 ـ القصة: وتطلق على النص السردي وهو الدالّ.

3 ـ القصّ: ويطلق على العملية المنتجة ذاتها، وبالتالي على مجموعة المواقف المتخيلة المنتجة للنصّ السردي.

أما مصطلح "الحكي" فهو لفظ يلتبس مع شبكة من المصطلحات والمفاهيم المتداخلة والمتمايزة، والمتقاربة والمتباعدة في آن واحدٍ، أبرزها: السرد والمسرود، والسارد والمسرود لـه والسردانية والسرديات.

وهذا المصطلح: "الحكي" وُجِدَ في عدّة نصوصٍ نقدية خلال السّنوات الأخيرة في الساحة المغربية، وقد شابهُ كثير من الخلط الذي حصل في الترجمة بينه وبين مصطلح (السرد)؛ لذا فالنقاد المغاربة نجدهم كثيراً ما يعتبرون مفهوم الحكي مرادفاً للكتابة الرّوائية، منظرين إلى السّرد كمكوّن في مكوّناته، فعدّوه (جزءاً) من مظاهر الحكي" واعتبره بعض النقاد باسم الحكي وهو مكوّن من مكوّنات بنية السّرد.

وقريباً من هذا التطوّر، كتب سعيد يقطين أغلب مقالاته السّردية في إشكالية المصطلح، مقرّاً بأن السرد عنصر من عناصر الحكي، ولذلك فهو يزاوج بين المفهومين كأداتين إجرائيتين في تحليل مكوّنات النصوص الرّوائية. ومفرقاً بين ثلاثة مصطلحات هي السّرد، والسرديات والسّردية، وحيث أشار إلى العديد من المصطلحات التي تشترك لفظاً، لكنها تختلف دلالة بحسب الإطار النظري الذي توظف في نطاقه، فترجم مصطلحات بينها: السّرد والحكي بـِ: Narration/Rècit والسّردية أو الحكائية (Narrateur) ثم الراوي (Narrativitè) وسواها من المصطلحات المتداولة في كلّ النظريات والدّراسات السّردية الحديثة.

وقد أشار يقطين إلى جملة من المصطلحات التي تختلف من حيث اللفظ، لكنها تشترك اصطلاحاً، ولو في الإطار الدّلالي العام ويمكن التمثيل لذلك بمصطلحات مثل: وجهة النظر، والمنظور، والرؤية، والبؤرة والتبئير، التي تختلف من حيث اللفظ وتشترك في الاصطلاح. وضمن منحى آخر أشار الباحث إلى مصطلحات تصطرع في الثقافة الأجنبية، وتتصل بمادّة الحكي مثل: Rècit/ Histori/ Fabula/ diegese/ Contenu/ Intrique.

وقد تبين لـه أنّ هذا المصطلح (سرد) يستعمل في مجالين سردين مختلفين، وكلّ مجال يعطيه دلالة تتجسّم وأطروحته الأساسية. ثم عاد لاقتراح مقابلين مختلفين، للمصطلح مميّزاً بين: السردية، وما يرتبط بها من مصطلحات مثل: الصوت السردي، الرؤية السردية، صيغة السرد، البنيات السّردية، ثم الحكائية في مجال "السيميوطيقا" فقال بمصطلحات من مثل: سيميوطيقا الحكي، البرنامج الحكائي، المسار الحكائي ثم البنيات الحكائية.

ويُعرّف الدكتور رشيد بن مالك السردية بقوله: "يطلق مصطلح السردية على تلك الخاصية التي تخص نموذجا من الخطابات، ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية والخطابات غير السردية".

وقد لاحظ أن إميل بنفنيست قد استخدم هذا الطرح للتمييز بين الحكاية التاريخية والخطاب (في معناه الضيق)، معتمداً في ذلك على مقياس مقولة المتكلم؛ حيث يميز استخدام الغائب الحكاية، والمتكلم"الأنا" و"الأنت" الخطاب.

وأجد فاضل ثامر، قد ترجم إلى اللغة العربية مجموعة من المصطلحات، مراعياً خصوصية المصطلح النقدي العربي الحديث، الذي يواجه أعقد وأوسع الإشكاليات، ومن ذلك ترجمته لمصطلح السردية عن: Narratology من اللغة الإنجليزية، مقرّاً بالمقابلات المصطلحية الأخرى التي صاحبته مثل: علم السّرد، السرديات، السّردية، نظرية القصة القصصية، المسردية، القصيات، السردلوجية، الناراتولوجيا ومثل هذا التداخل نجده عند محمد خير البقاعي لمصطلح (Narratif) فيترجمه مرّة بالسّردي، ومرّة بـِ "الحكائي" مقرّاً بأزمة المصطلح النقدي، لدى كلّ باحث عربي، وبالفوضى التي تشيع في النقد الروائي العربي، بسبب هذا التداخل المصطلحي.

أما الباحث عبدالعالي بوطيب، فقد عالج إشكالية المصطلح في النقد العربي، مثيراً تجاهل بعض الباحثين لقواعد وضع المصطلحات الموضوعية في المجامع العربية بخصوص المصطلح ذاته، (سرد) التي حدّد لـها ثلاثة مقابلات عربية هي: السّرديات، علم السّرد ونراتولوجيا، وهذا طبعاً دون احتساب التنويعات المختلفة التي قد تلقحها بفعل استبدال جذر «سرد» بحكي، قص، أو رواية؛ مما يعطينا صورةً واضحةً عن الفوضى المصطلحية العارمة التي تطفح بها الساحة النقدية الروائية العربية بفعل ممارسات فردية عشوائية غير مسئولة.

وقد يرجع ذلك إلى أن البعض يترجم معنى المصطلح في ضوء المعاجم اللغوية العربية، ويميل البعض إلى التوليد، ويبقي آخرون الكلمة كما ينطق بها، ولا يقبلون لها بديلاً، حتى أصبح لبعض المصطلحات الأجنبية عدد من المصطلحات المعربة تختلف باختلاف الأقطار العربية، بل تختلف أحياناً باختلاف المعربين في القطر الواحد، وقد يرجع ذلك إلى الممارسة الفردية في الترجمة، بعيدا عن الجهد المؤسساتي.

أما الباحث حمادي صمود وضمن (مصطلحات النقد الحديث) قد ترجم كلمة سرد عن اللفظة الفرنسية (Narration) مسوياً بين مصطلحتين، هما سرد وحكاية وقد ترجم إبراهيم الخطيب الحكي مقابلاً لِـ: Narration وميشال شريم ترجم نفس المصلح بالإخبار وسعيد علوش علم السّرد مقابلاً لـِ: Narratologie وعبدالسلام المسدي، بالسّرد والمسردية والسّردية لذات المصطلحات ثم صلاح فضل بعلم السّرديات لِـ: Narratologie وقد ترجم عبدالملك مرتاض مصطلح السّرد عن اللفظ Narration، والسّردية عن Narrativitè، والسّردانية عن Narratotologie والمصطلح الأخير هو إطلاق من مرتاض يقوم مقام مصطلح (علم السّرد) الذي لا يصطنعه إلا قليلاً حيث أشار أنّ "السر دانية" أو علم (السّرد) هي الأدوات العلمية التي يتسلمهما الباحث من أجل الكشف عن سرّ العمل السّردي.

ولذا فإن مفهوم السّرد يندرج ضمن المفاهيم المستحدثة في الساحة النقدية العربية، استعمله النقاد ليكون المفهوم الجامع لكلّ التجليات المتصلة بالعمل الروائي أو الحكائي، وتأتي أهميته باعتباره مصطلحاً وجنساً يستدعي أن تكون لـه أنواعٌ، كما يستدعي أن يكون لـه تاريخٌ، وأي تفكير في أنواعه وتاريخه لا يمكن أن يؤدي دوراً مهمّاً في ترسيخ الوعي به واتخاذه موضوعاً للبحث الدّائم.

ويُفهَمُ السردُ على أنه فعلُ الحكي المنتج للمحكي، أو إذا شئت التعميم، مجموع الوضع الخيالي الذي يندرج فيه، والذي ينتجه السارد والمسرود له. وأقصد بالمحكي النص السردي الذي لا يتكون فقط من الخطاب السردي الذي ينتجه السارد، بل أيضا من الكلام الذي يلفظه "الممثلون"، ويستشهد به السارد. فالمحكي إذن يتكون من تتابع وتناوب خطابَيْ السارد والممثلين. وكما أن المحكي يوفق بين خطاب السارد وخطاب الممثلين؛ فإن القصة تشمل الأحداث التي تكون موضوع خطاب السارد، وكذا الأحداث التي يحكيها خطاب الممثلين، ومن ثمّ فهي تتضمن العالم المسرود والعالم المتمثل به في آن واحد.

وبناءً على ذلك؛ فليس السرد سوى الانطلاق من بداية نحو نهاية معينة، وما بين البداية والنهاية يتم فعل الحكي من جانب الراوي، ويتضمن السرد الوقائع والأحداث في تركيبته اللغوية وتخضع هذه الوقائع والأحداث لنظام معين وتحترمه. (بوابة الأهرام)