مدارس دمشق الإسلامية: تاريخ عريق ومعمار أنيق

دمشق
بعضها تحول إلى مساجد

شهدت دمشق في العصور الاسلامية الاولى من القرن ‏ ‏الخامس الهجري وغيرها من المدن الاسلامية انتشار العديد من المدارس الاسلامية بعد‏ ‏ان كان المسجد يقوم بدور المدرسة لتلقي مختلف العلوم الدينية والدنيوية. ‏ ‏ ويعود الفضل في بناء المدارس الاسلامية الى السلاطين والامراء الذين قرروا ‏ ‏تشييدها مع انتشار الدعوة الاسلامية وازدياد عدد المسلمين وبعد ان ضاق المسجد عن ‏ ‏تأدية مهامه المنوطة به لاسيما مع تعدد فروع المعرفة وظهور التخصصات في الدراسة.
وفي المشرق الاسلامي تميزت المدارس الاسلامية التي شيدت في بغداد والبصرة ‏ ‏واصفهان والموصل ونيسابور بأمر من الوزير السلجوقي نظام الملك بطابع مستقل حمل ‏ ‏صفات معمارية جميلة تتناسب مع الهدف الذي انشئت المدارس من اجله.
اما الفضل في بناء المدارس الاسلامية في سوريا فيعود الى السلطان نور الدين ‏ ‏محمود زنكي الذي شيد عام 568 هجري / 1172 ميلادي المدرسة النورية وهي اول مدرسة ‏ ‏نسبت اليه وتقع حاليا في سوق الخياطين في دمشق.
ويميز المدرسة النورية قبة ذات رأس موشوري تمثل اجمل وابدع المقرنصات وتتألف ‏ ‏من تسلسل طبقات من الخلايا الفراغية كما يحيط بأسفلها رقبة مربعة الشكل اضافة الى ‏ ‏دائرة تحيط بها مكونة من ثلاث طبقات مستديرة من المقرنصات وقمرية لدخول النور‏ ‏والهواء.
وفي العصور التالية شهدت دمشق عقب تشييد المدرسة النورية انتشار العديد من ‏ ‏المدارس الاسلامية اذ بلغ عددها حوالي 100 مدرسة حتى مطلع القرن العاشر وكان ‏ ‏اشهرها العادلية والظاهرية والجقمقية.
والمدرسة العادلية التي تقع في الشمال الغربي من الجامع الاموي في ‏ ‏دمشق شيدها الملك العادل سيف الدين ابوبكر محمد بن ايوب ‏واكملها ابنه الملك المعظم بعد وفاة ابيه ويتميز حرمها ‏ ‏المستطيل بجدران من الحجر المنحوت وسقفه الهرمي المصنوع من الخشب.
وتعد المدرسة العادلية اول مقر للمتحف الوطني في دمشق والذي تأسس عام 1919 ثم ‏ ‏اصبحت فيما بعد مقرا للمجمع العلمي العربي قبل ان ينتقل الى مقره الجديد في وقت ‏ ‏قريب.
أما المدرسة الجقمقية فتقع شمالي الجامع الاموي في دمشق وانشأها نائب الشام ‏ ‏الامير سيف الدين جقمق عام في موقع مدرسة قديمة احرقت خلال غزو ‏ ‏تيمورلنك دمشق.
وبقيت هذه المدرسة ركنا من اركان التعليم في دمشق الى وقت قريب قبل ان تقوم ‏ ‏طائرة مغيرة على دمشق بتدمير قسم كبير منها خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941 ‏ ‏واصبحت فيما بعد مقرا لمتحف الخط العربي بعد ان تم ترميمها عام 1972.
وتعتبر المدرسة الجقمقية من اجمل المدارس في دمشق من حيث زخرفتها وتصميمها ‏ ‏وتختص بميزات فن المماليك في العمارة من حيث هندسة البناء وزخرفته اذ ان تصميمها ‏ ‏يتبع نظام التعامد كما تزدان جدران المصلى بمجموعات غنية من الزخارف المرمرية ‏‏المنقوشة والمحفورة والمطعمة والكتابة الجميلة الملونة. ‏ ‏ والمدارس الاسلامية التي تسابق الخلفاء والامراء في بنائها وتقديم ‏ ‏الخدمات لها هي كمنشأة معمارية على اختلاف اشكالها متقاربة التخطيط اذ تتألف من ‏ ‏قاعات للتدريس وحجرات وميضآت وايوانا للتدريس صيفا. ‏ ‏ ومن المدارس الاسلامية في دمشق المدرسة العمرية الشيخة الواقعة في الصالحة ‏ ‏جنوب جامع الحنابلة وتنسب الى مشيدها الشيخ المجاهد ابي عمر احمد بن قدامة القدسي.
‏ وكانت العلوم الدينية والدنيوية جميعها تدرس في المدرسة العمرية التي ادخلت ‏ ‏عليها ترميمات وزيادات بعد وفاة مشيدها حتى اصبح فيها 306 غرف تضم 500 طالب من ‏ ‏طلاب العلم اضافة الى قسم لتعليم الكفيفين واخر لتعليم الاطفال.
الا ان المدرسة طالتها ايدي العابثين والمستهترين وجرى التصرف باوقافها والسطو ‏ ‏على مكتبتها مما ادى الى انتهائها نتيجة ضياع اوقافها وقد باشرت وزارة الاوقاف في ‏ ‏الوقت الحاضر الى وضع مشروعات لاعادة بناء وترميم المدرسة نظرا لاهميتها القومية‏ ‏والتاريخية والدينية.
كما تشتهر دمشق بوجود المدرسة الماردانية الواقعة في حي الصالحة الجسر الابيض ‏ ‏حيث لا يزال بناؤها محافظا على وضعه الايوبي الاصيل، ويتميز الحرم المستطيل للمدرس بجدرانه من ‏ ‏الحجر المنحوت وسقفه الهرمي المصنوع من الخشب اضافة الى قبته المؤلفة من ضلعين ‏ ‏اولهما مثمن والاخر يتألف من 16 ضلعا. ‏ ‏ وقد تحولت المدرسة الى مسجد تقام فيه الصلوات كما اخضع لمشروع توسعة من جهته ‏ ‏الشرقية.
وما يميز دمشق ايضا المدرسة الشامية الواقعة في محلة سوق ساروجه والتي انشأتها ‏ ‏ست الشام ابنة نجم الدين ايوب ابن اخت الملك الناصر صلاح الدين.
وقد وقفت هذه المدرسة على العلماء المتفقهة من اصحاب الامام الشافعي ولها صحن ‏ ‏واسع مستطيل الشكل تتوسطه بركة حجرية ويتقدم حرمها رواق له اقواس ترتكز على دعائم ‏ ‏حجرية كما يرتفع فوق مبناها مئذنة حجرية مربعة الشكل. ‏ ‏ ويستعمل البناء حاليا كمسجد يعرف بجامع الشامية.