مخطوطات البحر الميت والصحافة

بقلم: زياد منى

بين الكتابة العلمية المتخصصة والقرَّاء، ثمة فراغ، يصعب في كثير من الأحيان ملؤه. فالعالم المتخصص يكتب مقالاته، أو كتبه، بلغة يرى أن القارئ يعرفها، ويوظف مفردات ومصطلحات يرى من البدهي أن يكون القارئ على دراية بها. لذا ترى كتاباته مكثفة للغاية وهذا ما يجعل كثير من القراء، أو لنقل بعضهم، يسِمون المقال أو الكتاب بأنه معقد، أو يشكون من أنه «صعب». وإذا كان لابد من الاعتراف بأن ذلك صحيح، فإن سبب "الصعوبة" لا يكمن في كون المؤلَّف مكتوبًا بلغة غير مفهومة، أي إن الكلمات وضعت عسفًا وليس بينها أي ترابط!، ولكن يكمن في كون القارئ لا علم له أصلاً بتفاصيل مادة البحث، كتابًا كان أم مقالة، أم بحثًا. ومع أن القرّاء، الذين وجدوا صعوبة في فهم الكتاب موضوع الحديث، يميلون إلى إلقاء اللوم على الكاتب، الذي، هو بنظرهم، غير قادر على إيصال رسالته إلى القراء، وبذلك يصرفون النظر عن حقيقة أنهم ليسوا على اطلاع بتفاصيل موضوع البحث الذي يضمه غلافا الكتاب. إضافة إلى ذلك فإن بعض أولئك القراء غير راغبين، أو غير قادرين، أو كلاهما، في تنشيط قدراتهما الذهنية.
وعلى النقيض من الأسلوب العلمي المتخصص تقع الكتابة الصحفية، التي تميل أكثر ما تميل إلى الإثارة، فإنها تميل في العادة إلى التبسيط، المروِّع أحيانًا. والسبب في ذلك لا يكمن في أن المتلقي المنتَظر، أي: القارئ، يتميز بذكاء محدود، ولكن يكمن في أن الكاتب ليس مطلعًا على موضوع مادته لأنها تخرج عن نطاق تخصصه، المفترَض، أي: العمل الصحفي. إضافة إلى ذلك، فإن الكتابة الصحفية كثيرًَا ما تتجنب تحمل مسؤولياتها في الالتزام بالحقيقة والدقة في المواضيع العلمية المثيرة للجدل، وموضوع هذا الكتاب، يتقدمها. فالصحفي، ومعه كل طاقم الصحيفة أو المجلة التي تحوي المقال، عادة ما يهمهم إثارة انتباه القارئ، ولا يكترثون بالدقة والموضوعية.
قلنا: بين نمط الكتابة العلمية المتخصصة، والقارئ غير المتخصص، ولكن الراغب في توسيع دائرة معارفه العلمية، والقادر، والراغب أيضًا، في استخدام قدراته الذهنية الخلاقة، فراغ بحاجة إلى جسر ثابت، وأنيق، يربطهما. وهذا الجسر هو كاتب ذو مَلَكَة معينة، وميزة، "يحُسد" عليهما. فهو، من ناحية مطلع على الخطوط الرئيسة للموضوع الشائك الذي اختار الكتابة عنه، دون أن يلتفت إلى الجوانب التخصصية فيه، أو إلى تفاصيل التناقضات والإشكالات المحيطة به، ولكن دون إهمالها أيضًا. ومن ناحية أخرى فإنه يتميز بالقدرة على الكتابة بأسلوب تبسيطي قادر على الوصول إلى أكبر عدد من القراء، الذين هم في العادة لا يعرفون أي شيء عن المادة، أو أن معارفهم عنها محدودة للغاية. وإلى هذا النمط الكتابي، الجسر، المتميز، ينتمي السيد أسامة العيسة صاحب هذا الكتاب القيِّم.
فعندما وصلت الدار مخطوطة هذا الكتاب، وسنحت لنا فرصة الاطلاع عليها، لم نتردد للحظة واحدة في اتخاذ قرار نشرها، مع أننا نعد لإصدار مؤلف عن "مخطوطات البحر البحر"، مادة هذا الكتاب الرئيس.
تكمن أهمية هذا الكتاب في مؤهلات الكاتب: فهو مطلع على المادة بقدر كافٍ يؤهله للكتابة عنها دون إهمال تعقيداتها وأبعادها، وإدراك مخاطر الإثارة المحيطة بها. وفي الوقت الذي ينجز فيها مهمته، كونه كاتبًا، وباقتدار، فإنه لا يهمل بيئة المادة. فعندما يتطرق الكاتب إلى النقاط الرئيسة ذات العلاقة بمخطوطات البحر الميت، فإنه لا يهمل الجانب "الإنساني" المرتبط باكتشافها. إضافة إلى ذلك، فإنه يوظف عرضه ذلك للإشارة إلى جانب مهم ليس من قضية المخطوطات فقط وإنما أيضًا من مسألة آثار بلادنا وكيفية التعامل معها حيث تختفي الكثير منها وتنقل إلى بلاد الغرب بسبب إهمال الأنظمة العربية أحيانًا قليلة، وتواطئها أحيانًا كثيرة. وهو أيضًا لا ينسى الحديث، بكل شجاعة وجدية، عن إهمال السلطة الوطنية الفلسطينية واجباتها والناتج أحيانًا عن الجهل والعقم وعدم الاكتراث.
وما يزيد من أهمية هذا المؤلَّف أنه يتعرض إلى موضوع لم يتعامل معه أحد من قبل بهذه الطريقة، على حد علمنا، وهو "احتضار البحر الميت"، وتأثير ذلك على بيئة فلسطين والسكان، لكن من دون الدخول في متاهات الأرقام والإحصاءات. كما أنه لم ينس تواطؤ منظمات البيئة في الغرب بصمتها المريب عن تلك الكارثة التي تلحقها المشاريع التصنيعية ذوات الأهداف السياسية المفضوحة، وغض الطرف عن دور "إسرائيل" النشط في تدمير البيئة وتوسع رقعة فجوة الأُزون.
في الوقت نفسه، فإن الكاتب يولي معاناة الفلسطينيين اليومية على حواجز العدو وكذلك تلك المرتبطة بالطرق الالتفافية، إضافة إلى سياسة قضم الأراضي ، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وآثاره المدمرة عليهم، لكن ضمن سياق مادته. إنه، وباختصار، شهادة قيمة، من إنسان واعٍ يعايش تلك الحياة، بصعوباتها وتعقيداتها، وينقل إلى القارئ بعض من عبق فلسطين، أو جزء منها، وأريج تربتها الطيبة، لكل ليس على حساب موضوع الكتاب الرئيس الذي يتصدر الأولوية.
وبما أن هدف تقديمنا هذا التنويه إلى أهمية هذا المؤلف وليس عرض محتوياته، فإننا نكتفي بما كتبناه، داعين القارئ لمشاركتنا في رحلة "شاقة" ومؤلمة في محيط البحر الميت وأهله، وتاريخه القديم والجديد، الحافل، ومستقبله المعتم، عبر صفحات هذا الكتاب ومصوراته وخرائطه التي زودنا بمعظمها الكاتب.

زياد منى – بيروت

الكتاب: مخطوطات البحر الميت، قصة الاكتشاف
تأليف: أسامة العيسة
تقديم: زياد منى
عدد الصفحات: (250) تضم (32) صورة ملونة إضافة إلى مجموعة من الصور والخرائط والمصورات.
إصدار: شركة قدمس للنشر والتوزيع ( ش م م)، بيروت.
تاريخ الإصدار: تشرين الأول (2003 م)