مخرجات التعليم وسوق العمل الخليجي (15) <br>مغالطة كبرى

بقلم: د. مريم سلطان لوتاه
صعوبة تنسيق السياسات التعليمية

تنطوي عملية الربط بين مخرجات التعليم وسوق العمل على مغالطة كبرى؛ فالتعليم ليس الغرض منه تخريج موظفين لسوق العمل فحسب، بل إن الغرض الرئيسي من التعليم هو بناء شخصية الإنسان القادر على التفكير والإبداع، بحيث يستطيع مواكبة أي تطور أو أي تنمية. ولا ينبغي ربط مخرجات التعليم بسوق العمل؛ لأن هذا الأخير متغير؛ ففي بعض الأحيان كان هناك تركيز على بعض التخصصات التي تحتاج إليها سوق العمل، ومع تطور وسائل الإنتاج، والنمو الاقتصادي، تغيرت طبيعة متطلبات هذه السوق، ووجد كثير من الأشخاص الذين تخصصوا في مجالات معينة، أنفسهم في صفوف البطالة؛ لأن سوق العمل لم تعد بحاجة إليهم.
لم يكن دور القطاع الخاص في العملية التعليمية إيجابياً أو بنَّاءً؛ فالقطاع الخاص دخل مجال التعليم؛ لا بوصفه شريكاً، وإنما من حيث هو مملٍ شروطه وسياساته، ولم يقدم أي شيء لمصلحة العملية التعليمية والبحث العلمي والتوظيف؛ وكل ما يهدف إليه هو تحقيق مصلحته الخاصة، حتى لو تعارضت والمصلحة العامة.
المجتمع المدني في العالم العربي والعالم الخليجي ليس فاعلاً هو الآخر، في العملية التعليمية؛ فهو محاصر بالقوانين، وغير مسموح له بالمشاركة في بعض الحالات؛ فعلى سبيل المثال، لا تشترك جمعية المعلمين في اتخاذ القرارات الخاصة بالعملية التعليمية كافة، برغم أنها المعنية بها، وهذه القرارات تركت لمجالس التعليم التي أنشأتها بعض الإمارات، والتي تضم أعضاء أجانب لا يعرف معظمهم شيئاً عما يجري في مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية.
كما يلاحظ أن قرارات التعليم على مستوى دولة الإمارات، تؤخذ على مستوى الإمارات، لا المستوى الاتحادي؛ وهذا الأمر قد يكون له تأثيراته السلبية في مسألة الانتماء إلى الدولة، كما أنه يزيد صعوبة تنسيق السياسات التعليمية، على نحو يصب في خدمة العمل الوطني الموحد.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من السياسات والمواقف؛ ومن ذلك:
* تصحيح الصورة النمطية المغلوطة التي تحمل التعليم الجامعي مسؤولية إخفاق اندماج المواطنين في سوق العمل، من دون وجه حق؛ فمعظم خريجي الجامعات الحكومية، أثبتوا قدراتهم في جميع المجالات التي دخلوا فيها.
* تصحيح الصورة النمطية إزاء ما يتعلق بأهمية سياسة السوق المفتوحة، وما قد تقود إليه؛ فالآثار السلبية التي كشفتها الأزمة الاقتصادية العالمية، تدعونا إلى أخذ هذه السياسة بحذر، وتسخير كل السياسات؛ من أجل خدمة المجتمع المحلي.
* تعزيز مفهوم الشراكة المجتمعية الحقيقية في جميع القرارات المهمة المتعلقة بالمجتمع.
* إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة وللعملية التعليمية، بعدم ربطها بمتطلبات السوق؛ فليس من الحكمة أن نركز على بعض المعارف؛ لأن سوق العمل تتطلبه، ونتجاهل معارف أخرى مهمة لبناء الإنسان القوي القادر على مواجهة كل التحديات.
* تعزيز دور الإعلام في التوعية بأهمية التعليم، وبخطورة استمرار الخلل في سوق العمل. د. مريم سلطان لوتاه * ملخص الورقة المقدمة في المؤتمر السنوي الخامس عشر "مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون" الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (1-3 فبراير/ شباط 2010).