مخرجات التعليم وسوق العمل

بقلم: علي جمال الدين ناصف

من المعروف أنه في الدول المتحضرة، أخذ التعليم يواكب متطلبات سوق العمل. وهذا الاسلوب العلمي والعملي كان له أكبر الأثر في ضمان مستقبل الطلاب والاجيال القادمة، وفي نفس الوقت ينمي الحراك الاقتصادي. ولا شك أن أوروبا قد تخطت جدلية التعليم والعمل المهني قبل أكثر من ستة عقود. وفي الخمسينات من القرن الماضي كانت هذه الجدلية قد شغلت بال الأكاديميين والاقتصاديين وقد استطاعوا في نهاية المطاف بناء خارطة طريق سليمة، بعد أن ربطت التعليم بسوق العمل، فأخذا يسيران جنباً الى جنب في مسيرة النهضة العلمية والاقتصادية، وكانا وما زالا يكملان بعضهما البعض في حركة النمو، وبالتالي لم يعد هناك تكدس مفرط للمهارات والمهن في أسواق العمل مثلما هو حاصل لدينا.
ولعل أحد أهم الأسباب التي يعاني منها التعليم في بلادنا، هي تلك الفجوة الكبيرة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. فهناك الآلاف من الطلاب يدخلون سوق العمل سنويا، في المقابل، هناك عشرات الآلاف ينتظرون في طابور البطالة حظهم في الوظيفة، والأسباب تكمن في أن الاستراتيجيات التعليمية كانت ومازالت فاشلة، وإنها لم تتواءم بين مخرجات التعليم وسوق العمل.
ولعل هناك سبباً آخر يكمن في أن معظم الطلاب يعتقدون أن مجرد حصولهم على شهادة جامعية ستؤهلهم للحصول على وظيفة لائقة، لذا نرى أن معظم الجامعات مكدسة بالطلاب وبخاصة الفتيات، بيد أن هذا الاعتقاد خاطئ وقد عفا عليه الزمن، خاصة في ظل العولمة الاقتصادية، وتقنية الاتصالات، ونمو الصناعات الخفيفة والمتوسطة، فالسوق اليوم في أمس الحاجة الى المهارات وأصحاب الخبرة، والفنيين. وليس هذا تقليلا من قيمة التأهيل الجامعي أو الجامعيين، ولكن ما نقصده هو الدعوة الى إختيار المسار الصحيح للتعليم بما يتناسب وسوق العمل.
ولعل الفارق واضح بين استراتيجيات التعليم في الدول المتقدمة، وفي بلادنا، فالطالب في الدول المتقدمة، وقبل أن يقبل على مرحلة التعليم الثانوي، يختار مساره التعليمي، ويهيئ نفسه لمستقبل وظيفي، وبعد أن يتخرج من التعليم الثانوي ينتقل الى الكلية التخصصية، وفي النهاية يجد نفسه في سوق العمل حاملاً معه شهادته العلمية، وخبرته العملية بعد أن تخطي دورات تدريبية في الشركات والمؤسسات الخاصة وخلافه. والعكس نجده عندنا، حيث يصبح الحصول على شهادة جامعية هدفا أسمى، إن لم يكن هدفا مقدسا! فبعد أن ينال الطالب الشهادة يفكر في وظيفة أو مهنة!
ولعلي لا أغالي في الاعتقاد بأن اللوم يقع بالدرجة الأولى على الحكومات التي فشلت في ربط التعليم بسوق العمل، مما أوجد بطالة ظاهرة ومبطنة في صفوف الجامعيين وغيرهم. ففقدان التوافق بين مخرجات التعليم من جهة، ومتطلبات سوق العمل من جهة أخرى، يؤدي الى نتائج سلبية كثيرة من أهمها بقاء أعداد كبيرة من المتعلمين يعانون البطالة والفراغ، وأثر ذلك على إفراز إشكاليات ذات تأثيرات عميقة في البنية الاجتماعية، هذا بالاضافة الى عدم توافر الموارد البشرية المتخصصة والمطلوبة لسوق العمل، الامر الذي يمكن الاضطرار في بعض الاحيان الى الاستعانة بالأيدي العاملة الأجنبية لسد إحتياجات سوق العمل.
والواقع الحالي يفرض علينا في تقديري الشخصي، أنه لا يوجد خيار أمامنا من أحداث قفزة نوعية من أجل تحقيق توازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. الامر الذي سوف يعكس أثرة على كافة مجالات الحياة في حركة النمو والتنمية وإنعكاس ذلك على الحياة عامة.. فهل نجد من يضعنا على خارطة الطريق في مسارات التعليم؟ أخشى أن تتضاءل الفرص بمرور الوقت وتتحمل الاجيال القادمة عبئا لا ذنب لها فيه. علي جمال الدين ناصف
بورسعيد - مصر ALYNASSEF@YAHOO.COM