مختبر السرديات المغربي يناقش الرواية والخيال الافتراضي

فائض المعنى

الدار البيضاء ـ عقد مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك الدار البيضاء الجمعة 23 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أشغال ندوة حول موضوع "الخيال العلمي في الرواية العربية"، وتأتي هذه الندوة تتميما للقاء سابق من أجل تعميق النقاش في محاور أخرى تطرحها النصوص السردية العربية، انطلاقا من الأهمية الكبرى التي توليها للخيال وهواجس الراهن وجماليات الكتابة.

افتتحت الجلسة الأولى، التي ترأست أشغالها منى بشلم (جامعة قسنطينة بالجزائر)، حيث تحدث في البداية د. شعيب حليفي (رئيس مختبر السرديات)، عن الندوة وأهدافها ،معتبرا إياها لقاء تمهيديا للقاءات موسعة ستأتي ضمن الأنشطة العلمية والثقافية للمختبر.

أما أشغال الندوة فقد توزعت على في جلستين. أول متدخل هو محمد المصطفي، بورقة حول "تطور الخيال العلمي في الأدب العربي"، متوقفا عند مفهوم الخيال والتنقيب حول نشأته وأسباب تطوره، ومقدما مجموعة من التعريفات ختمها بتعريف إخوان الصفا، قبل الانتقال إلى التفصيل في مراحل تطور الخيال العلمي بعد تقسيمه إلى ثلاث مراحل: مرحلة الرواد، مرحلة الازدهار، المرحلة الراهنة.

وسيلة بوسيس (جامعة جيجل بالجزائر) ناقشت في مُداخلتها "رؤية المستقبل في الرواية المغاربية وأبعادها الفلسفية" عددا من التعريفات التي تجعل للخيال الافتراضي / العلمي مقدرة إعادة صياغة الواقع بطرق جمالية، استنادا إلى ما يقترحه التقدم العلمي. وفي ضوء كل هذا حللت بوسيس بعض روايات الخيال العلمي المغاربية، من خلال نماذج عن ذلك: "جلالته الأب الأعظم" لحبيب مونسي، و"الطوفان الأزرق" لمحمد عبدالسلام البقالي، وقصة المعزول لفيصل الأحمر والتي تصور الصراع بين الإنسان الآلي والإنسان البشري، والصراع بين الذهنية الآلية والذهنية البشرية.

أما د. فيصل الأحمر (جامعة جيجل بالجزائر) فتحدث مسهبا عن "موضوعات الخيال العلمي"، وحداثة الخطاب في الخيال العلمي الجزائري، مشيرا إلى أن الأجناس الأدبية كلها لديها عين على الماضي، فيما الخيال العلمي له عين على المستقبل؛ ثم انتقل لمقاربة رواية "الكلمات الجميلة" لنبيل دادوة، ورواية "جلالته الأب الأعظم".

وفي موضوع "السرد الروائي وفائض المعنى في روايات الخيال العلمي" تدخل محمد يوب متحدثا عن فائض المعنى وأنواعه قبل الانتقال إلى مفهوم الخيال العلمي، مميزا بينه وبين الخيال الفانتازي، متوقفا عند نوع الخيال السلبي والإيجابي، الأول عندما يعيش الإنسان بعيدا عن الواقع، أما الثاني فعندما تكون له القدرة على تصور الأشياء.

إن الخيال العلمي عكس الخرافي يخرج من حدود العقل إلى حدود الاستحالة العقلية. كما فند فكرة القول إن رواية الخيال العلمي أعلنت عن موت الرواية التقليدية، كون رواية الخيال العلمي تعتمد منهج الرواية الكلاسيكية. دون أن ننسى الشخصيات في هذه الكتابة والتي اعتبرها ورقية تتحول بتحول الأدوار، وختم ورقته بالإشارة إلى كون الشباب الأكثر اهتماما بهذا الشكل من الكتابة.

من جهته، فضل د. خالد اليعبودي (جامعة محمد بن عبدالله بفاس) الحديث عن "أبعاد الكون في رواية (أعشقني) لسناء الشعلان"، والتي تدور أحداثها في القرن 31 بعد دمار الكوكب الأزرق أثر حروب عالمية، فاستوطن الإنسان كوكبا آخر. كذا قدم الشخصيات الرئيسة لهذا العمل المتمثلة في شمس وهي ثائرة على العالم المنغمس في الملذات. وعاشقها خالد إضافة إلى شخصية باسل المساندة لنظام الحكم، ثم وقف عند المستجدات الخيال علمية المختلفة التي قدمتها الرواية.

افتتحت الجلسة الثانية برئاسة د. عبدالرحمن غانمي (كلية الآداب بني ملال) حيث تدخل الباحث أحمد بلاطي بورقة في موضوع "إسهام الخيال العلمي في حل مشكلات التخييل الروائي" معتبرا الخيال العلمي وسيلة أكثر منه نوع أدبي، بحيث فتح آفاقا جديدة في التخيل العلمي، إضافة إلى أنه لا يوظف المستقبل وحده بل أيضا الرجوع إلى الماضي وأن التسجيلية والتقريرية تأتي كضرورة. كما أشار إلى الانجذاب الذي يحدث بما هو خيال علمي وأنماط أدبية أخرى خصوص ما يتعلق بالعجائبي.

الباحث محمد محيي الدين اشتغل على "بناء الفضاء السردي في روايات الخيال العلمي من غربة المكان إلى الغربة" مركزا على الخصوصيات التي تشكل شعرية الخيال العلمي، وللإجابة عن ذلك اعتمد روايتين: الأولى لخالد اليعبودي "العودة إلى غرناطة عبر ساجيتوروس" والثانية "الطوفان الأزرق" لعبدالسلام البقالي. وقدم بعض أحداث هاتين الروايتين واعتمادهما على السفر عبر الزمن. فكاتب رواية الخيال العلمي يوهم القارئ وينقله إلى عوالم بديلة مختلفة عن العوالم المألوفة. وقام بمقاربة لعالمين، عالم قديم تعيش فيه الذات غربتها داخل المكان، وتعلن فيه التمرد، وعالم آخر يمكن أن نسميه عالما جديدا تغدو فيه الغربة مكانا وتعلن فيه الذات تفردها عوضا عن التمرد الذي عاشته.

وكان إسهام الباحث سالم الفائدة آخر ورقة في الندوة عالج من خلالها "الواقعي والتاريخي في رواية الخيال العلمي قراءة في رواية 'مدينة خارج الزمن' لطالب عمران". فتطرق لبعض أحداث الرواية وأشار إلى وظيفة الخيال العلمي في الأدب والرواية، متتبعا تفاصيل المفترض في تجربة طالب عمران والتمازج الفني بين أحداث واقعية وأخرى تاريخية لتوليد الخيال العلمي.

وقبل اختتام هذه الندوة قدم كل من الروائيين خالد اليعبودي والروائي فيصل الأحمر شهادتهما من خلال تجربتهما في كتابة رواية الخيال العلمي.

واختتمت الندوة بجلسة نقاش انصب حول: الخيال، والتخييل، والفانتاستيك والعلم، بحضور عدد من النقاد والباحثين المهتمين وطلبة الدكتوراه وماستر الدراسات الأدبية والثقافية والإجازة.