مخاوف من العزلة تدفع حماس سريعا لمباركة التقارب المصري التركي

حماس تهرول لمباركة التقارب بين أنقرة والقاهرة في خطوة محكومة بالانتهازية حتى لا تعصف بها التقلبات الجيوسياسية وتفاقم مشاكلها، فيما تدرك أنها يمكن تلحق بالإخوان وتكون أحد ضحايا هذا التقارب مستقبلا.


حماس عالقة في الموقف ونقيضه بعد تقارب مصري تركي لافت


مصر قطعت الطريق أمام حماس وأطراف إقليمية تسعى لتوظيف القضية الفلسطينية في تضخيم دورها بالمنطقة

القاهرة - دفع التقارب الأخير بين أنقرة والقاهرة حركة حماس لتغيير موقفها مما اعتبرته في البداية انقلابا تركيا على سياساتها المعهودة، فتوجس الحركة من أن تقاربا كهذا سيجرها لعزلة خانقة قادها لمباركته (التقارب) في خطوة محكومة انتهازية حتى لا تعصف بها التقلبات الجيوسياسية وتفاقم مشاكلها فيما تقبل على انتخابات تشريعية فلسطينية في وقت تواجه فيه انشقاقات داخلية.

واعتادت حركة حماس توظيف التناقضات الإقليمية لخدمة مصالحها في المنطقة، لكنها تبقى وفية لحلفائها الرئيسيين قطر وتركيا وشبكات الإخوان المختلفة.

وفسر مراقبون أن تلوّن حماس باعتمادها الانتهازية في علاقاتها العربية وتغيير مواقفها، يعود لمجاراتها الظروف واستثمارها لأهدافها الضيقة وليس حسب المبادئ والشعارات التي تعلن عنها.

ويبدو في الظاهر أن التقارب المصري التركي يحلّ واحدة من تناقضات حماس التي لا تستطيع الدخول في خلاف ممتد مع القاهرة بحكم حاجتها إليها، ولا تستطيع الاستغناء عن أنقرة التي تمثّل رافدا أيديولوجيا لها وملاذا لكثير من قياداتها وكوادرها بحكم الروابط العقائدية مع نظامها، والتي تتجاوز في توجهات الحركة مسألة الجغرافيا.

ولأنّ أحد أسباب الخلاف بين القاهرة وأنقرة دعم الأخيرة لجماعة الإخوان والتنظيمات الإسلامية بأنواعها، أدركت حماس أنها يمكن أن تكون أحد ضحايا التقارب مستقبلا، فسارعت بمباركته كي لا تكون من الخاسرين إذا قرر النظام التركي استرضاء نظيره المصري من خلال تسليم عناصر إخوانية هاربة.

ورحب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية الخميس بالتقارب التركي المصري وقال "نعتقد أن مزيدا من التفاهمات بينهما.. سينعكس إيجابيا علينا في فلسطين".

وجاء تثمين هنية للتقارب عبر وسيلة إعلام تركية (وكالة الأناضول) ليقول إن الحركة ليست بعيدة عن أنقرة ولا علاقة لها بأيّ نتائج سلبية تنعكس على جماعة الإخوان في مصر، وارتدى الرجل الغطاء الوطني الفلسطيني متخليا عن الرداء الإسلامي الذي يحكم توجهات الحركة عندما اعتبر العائد الإيجابي يخص فلسطين كلها.

ولم يستبعد محللون أن يأخذ أردوغان مسافة بينه وبين حماس لطمأنة مصر، وقد ينتج عن ذلك حدّ للزيارات التي يؤديها مسؤولو الحركة إلى أنقرة، وخاصة اللقاءات التي يعقدونها على هامش تلك الزيارات.

وأوضح الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عمرو فاروق أن القاهرة استطاعت تحييد حماس في العلاقة مع أنقرة في ذروة الخلاف، وأدركت مبكرا خطورة توظيف تركيا للحركة وما ينطوي عليه ذلك من تداعيات أمنية.

وأكّد فاروق في تصريح لـصحيفة العرب اللندنية أن بوادر التقارب بين القاهرة وأنقرة لم يناقش مصير ورقة تنظيم الإخوان مباشرة حتى الآن، لكن تركيا بادرت بإظهار حسن نوايا عبر البدء في التخلي عن الدعم الإعلامي للأجنحة التابعة للجماعة، كما أن القاهرة ترى أن هناك العديد من الملفات الإقليمية التي تتجاوز في أهميّتها مسألة العلاقة مع حماس.

أي مصير ينتظر حماس بعد تقارب مصري تركي
أي مصير ينتظر حماس بعد تقارب مصري تركي

يمثّل موقف هنية قفزا من السفينة وتجاوزا للحقائق على الأرض لأن المشكلة الرئيسية بين البلدين تكمن في احتضان النظام التركي لحماس وأمثالها من الحركات الإسلامية التي أصبحت منغصا استراتيجيا للدولة المصرية.

وقال الخبير في الشؤون الفلسطينية سمير غطاس إن حماس "قد تستفيد من التقارب المصري التركي إذا غيرت سلوكها الذي يقوم على توظيف الخلافات الإقليمية لصالحها، فهي لم تكف طيلة السنوات الماضية عن اللعب على الأطراف المختلفة وكثيرا ما استعانت بتركيا وقطر لمزاحمة مصر في قطاع غزة".

وأضاف أن الحركة "لن يكون بمقدورها الاستفادة من هذا التقارب طالما رهنت مواقفها وسياساتها بحسابات التنظيم الدولي للإخوان، وحتى هذه اللحظة مازالت مرتبطة كليا به وإن ادعت عكس ذلك".

وقد التقى مشروع حماس لإقامة ما يشبه الولاية الإسلامية في غزة، على حدود مصر الشمالية الشرقية، مع أهداف أنقرة والدوحة في تعويض ما فشلا في تحقيقه من خلال جماعة الإخوان المصرية التي أسقطها الشعب من الحكم (2013) عندما تأكد أنها تسعى للتمكين والتحكم في مفاصل البلاد بما ينسجم مع مصالح تركيا وقطر.

انتبهت القاهرة إلى ألاعيب حماس الإقليمية واعتادت على التعامل معها ولم تنجرف وراء تركيا أو قطر، أو حتى إيران، وأجادت التعامل مع الدول الثلاث بما لا يحوّل الخلاف إلى صدام حول القضية الفلسطينية، ولم تتفرغ للحد من تدخلاتها السياسية على حساب ما تمثله ممارسات الحركة الإسلامية من تهديدات للأمن القومي.

لأجل ذلك لم تترك مصر الحركة تماما لتنفّذ ما يرمون إليه من ترتيبات، وغضّت الطرف عن كثير من المناورات الصغيرة على حساب الخطط الكبيرة، وارتضت أن تكون قريبة منها لتحرمها من مبرر الانجرار وراء جهات تعمل ضد مصالحها.

ووُضعت الحركة تحت المجهر المصري على الدوام، وهو ما ظهرت تجلياته في عدم أخذها بجريرة الإخوان، مع أنها فرع للجماعة، وواصلت الحوارات مع حماس والفصائل الفلسطينية في القاهرة.

وتجنبت القاهرة رهن موقفها من حماس بعلاقتها مع أيّ أطراف إقليمية، واستمرت في استضافة وفودها والتفاهم الأمني معها، وقامت بفتح معبر رفح مع قطاع غزة في ظل التوتر مع كل من تركيا وقطر، إذ تعلم أن القطيعة والعقاب يمنحان الحركة مبررات لتوطيد العلاقات مع قوى تريد تضخيم دورها الإقليمي على حساب مصر.