مخاوف من اصطدام الكويكبات بالارض

برلين - من إيرنست جيل
العلماء يقولون انهم لا يعرفون شيئا عن اكثر من نصف الكويكبات التي تدور حول الارض.

حان الوقت للكف عن القلق وتعلم حب الكويكبات والنجوم وصداقتها، او على الاقل تعلم حب مراقبتها في السماء وتأمل الكون.
جاءت هذه النصيحة على لسان علماء في ألمانيا وضعوا خطة عبقرية لرصد الكويكبات "غير المرئية" لفترة طويلة تكفي لدرء أي تهديد تشكله تلك الكويكبات لكوكب الارض.
ويعترف هؤلاء الخبراء صراحة بأنهم، رجال ونساء، يعشقون الكويكبات، ولذلك كرسوا حياتهم العملية والعلمية في متابعة هذه الكتل الباردة المحيرة من الاحجار التي تدور في الفضاء مثل البهلوانات.
والسؤال هو: من غير الشخص الذي يعشق بالفعل الكواكب والنجوم تكون لديه الرغبة في التجمع في برلين للمشاركة في مؤتمر علمي عن الاجسام السماوية القريبة من الارض، وذلك في أيام الحر القائظ من صيف آب/أغسطس الحالي، بينما غيرهم في أوربا يشدون الرحال إلى الجبال أو شواطئ البحر حيث النسيم العليل؟.
ولكن لابد أن الشيء الذي دفع هؤلاء الخبراء إلى عقد مثل هذا المؤتمر ليست موجة الحر الصيفية الحالية التي جعلت أهالي برلين يلهثون اختناقا ويتصببون عرقا، بل هي مانشتات وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التي تزعم أن كويكبا يسير في "مسار تصادم" مع الارض وأن في إمكانه تدمير جزء من الارض في حجم قارة، وذلك في عام 2019.
من جانبه، قال عالم الفلك آلان دبليو هاريس، وهو باحث متخصص في دراسة الكويكبات والظواهر الكونية المصاحبة لها وذلك بمعمل الدفع النفاث بوكالة الفضاء الاميركية (ناسا)، والذي يشارك في المؤتمر العلمي ببرلين "هذه المزاعم قد تتحقق وقد لا تتحقق".
ويؤكد هاريس وخبراء آخرون أن الكويكب الذي اكتشف في التاسع من تموز/يوليو الماضي وأطلق عليه اسم إن. تي7 2002 لم يتجه وليس متجها في "مسار تصادمي" مع الارض، إلا أنه بالأحرى أمامه فرصة ضئيلة للغاية لان يكون في مسار اصطدام معها.
ولدقتهم العلمية الشديدة، تشير تقديرات هاريس ورفاقه إلى أن مخاطر حدوث مثل هذا التصادم، إن حدث أصلا، لا تزيد نسبتها على 3.9 في المليون.
أما الناس المحبطون والغاضبون ممن يعشقون النجوم ويعرفون الكويكبات بصورة أفضل من غيرهم، فإنهم لا يترددون في وصم وسائل الاعلام التي تنشر قصصا مرعبة باعثة على الكآبة والشؤم تنتهي برؤى تفيد بأن مصير الجنس البشري سيكون الفناء كمصير الديناصورات، بأنها وسائل إعلام مضللة ولا تلتزم بأخلاقيات وآداب المهنة.
وزعمت وسائل الاعلام تلك بأن هؤلاء الخبراء يعلمون بشكل قاطع عن وجود تهديد حقيقي من الفضاء الخارجي وأنها تمتلك الحقائق والارقام التي تؤيد مزاعمها.
ويضيف عالم الفلك هاريس أمام الحضور في المؤتمر العلمي ببرلين "عدد الكويكبات القريبة من الارض التي يزيد قطر الواحد منها على كيلومتر واحد تبلغ حاليا حوالي ألف و200 كويكب .. لم يكتشف من هذا الرقم سوى نصفه تقريبا حتى الان .. العلماء لا يعلمون كثيرا عن الاجرام السماوية الاصغر".
ويحذر هاريس من أن كويكب لا يزيد قطره عن بضعة مئات من الامتار يمكن أن يكون قويا بشكل كاف لتدمير مدينة كبرى عن بكرة أبيها إذا حدث واصطدم بها، بينما يمكن لكويكب قطره بضعة كيلومترات من إبادة معظم أشكال الحياة على كوكب الارض، في حالة اصطدامه بها في نهاية المطاف.
ويضيف "لكن إذا أصبحنا قادرين على رصد كويكبا ما قبل وقت كاف من اصطدامه بالارض، مثلا قبل 20 إلى 30 عاما من وقوع اصطدام محتمل، فإننا نستطيع اتخاذ الخطوات اللازمة لتجنب وقوع كارثة مروعة".
ويحذر هاريس "يمكن أن نتعرض لهجوم مباغت مفاجئ"، مشيرا إلى أن الكويكبات "غير المرئية" يمكن أن تنطلق صوب الارض مباشرة من اتجاه الشمس، حيث أن وهج الشمس يجعل هذه الكويكبات "غير مرئية" بالنسبة لنا، إلى أن يصبح الوقت متأخر للغاية في التصدي لها.
ويؤكد في هذا السياق العلمي أن "الاجسام السماوية التي تدخل في مدار الارض" تنزع أيضا للخروج من هذا المدار والانطلاق نحونا.
ويضيف هاريس "السؤال هو كيف ومتى يحدث ذلك".
ولهذا السبب يأتي مشروع "إرث جارد-1" (حارس الارض-1)، الذي تنفذه خلال الصيف الحالي شركة كايسر-ثريده للفضاء ومقرها ميونيخ بالتعاون مع المركز الفضائي الالماني في برلين، واحدا من الدراسات التي تقوم بها وكالة الفضاء الاوربية.
وقد اختارت الوكالة مشروع "حارس الارض-1" استعدادا للقيام بمهام فضائية جديدة لدراسة الاجسام التي تدخل مدار الارض، والتي يطلق عليها الخبراء أي.إي.أو.
وبينما يمكن أن تقترب تلك الاجرام كثيرا من كوكبنا من حين لاخر، فإنه من الصعب بمكان رصدها واكتشافها من الارض نظرا لان أجهزة الرصد الخاصة بتلك الاجسام الفضائية لا تستطيع رصدها بسبب وجودها داخل نطاق زوايا مسافات صغيرة من الشمس في معظم الاوقات، وبالتالي تصبح هذه الاجرام غير مرئية نتيجة توهج السماء بأشعة الشمس.
غير أن مهمة مشروع "حارس الارض-1" تتغلب على هذه المشكلة باستخدام تلسكلوب مدمج للابحاث منصوب على مركبة فضائية في مدار مركز الشمس داخل النظام الشمسي الداخلي.
ويقول ستيفانو موتولا الخبير بمركز الفضاء الاوربي إنه من هذا الموقع الممتاز، سيكون في الامكان ليس فقط اكتشاف الاجسام السماوية التي تدخل مدار الارض بسهولة أكبر عندما تكون السماء مظلمة، وإنما ستظهر تلك الاجرام أيضا بدرجة أكثر بريقا وتلالا بسبب الزاوية الاصغر لوجه الشمس، وهي نفس الطريقة التي يظهر فيها وجه القمر أكثر بريقا من حالته عندما يكون على شكل هلال.
ويوضح موتولا أنه بهذه الطريقة سيتمكن أي جهاز رصد من اكتشاف الاجسام الفضائية أثناء هبوطها لمسافة حوالي 100 متر، وتحديد مداراتها بدقة شديدة وتقدير حجمها وتصنيف مداراتها وأحجامها.
وطبقا لموتولا فإن "هذه المقاييس تعتبر ذات أهمية حاسمة ليس فقط للبحث العلمي، بل أيضا وبالنسبة لاي فهم أفضل للخطورة التي تشكلها تلك الاجرام السماوية لحضارتنا".
ويوضح "لهذا السبب، فإن مشروع "حارس الارض-1" لرصد الاجرام السماوية من الفضاء ينظر إليه باعتباره نظاما مكملا للانشطة التي يتم تنفيذها من خلال برامج البحث الارضية".
كما يؤكد موتولا الخبير بالمركز الفضائي الاوربي أن هذه المهمة يمكن أن تبدأ بنهاية العقد الاول الحالي من القرن الحادي والعشرين، وذلك سواء باستخدام مركبة فضائية أو باستخدام بديل آخر، وهو إطلاق التلسكوب على "ظهر" مركبة فضائية أخرى مخصصة لدراسة كواكب أخرى مثل عطارد أو الزهرة.
وسيكون عشاق مشاهدة ورصد الكويكبات، عن طريق مشروع "حارس الارض-1" بمجرد استخدامه، قادرين على مسح السماوات بشكل يثلج صدورهم، مما يعطي لنا فرصة أفضل في تجنب أن نصبح في الجانب المظلم من الفضاء.