مخارج التعديل الدستوري في أزمة لبنان الراهنة

غريب المفارقات في الحياة السياسية والدستورية في لبنان دوام الاختلاف حول القضية نفسها في معرض كل انتخابات رئاسية لبنانية وما يتعلق بها في غالب الأحيان من تعديل للدستور أو بمعنى آخر إيجاد المخارج الدستورية والقانونية لتتلاءم مع واقع محدد بعينه إن لجهة الشخص أو الظروف التي تحيط بلبنان. والمفارقة الأشد غرابة في ذلك أن المادة (49) المتعلقة بانتخاب الرئيس قد عدلت سبع مرات في خلال انتخابات تمت لعشر رؤساء تعاقبوا على حكم لبنان، والمفارقة العجيبة الغريبة أن الباب الثالث في الدستور اللبناني المتعلق بانتخاب الرئيس وكيفية تعديل الدستور ليس له عنوان بخلاف الأبواب الخمسة الأخرى التي تحمل عناوين محددة.وفي ظل هذا الواقع المعقد حاليا في لبنان من يقوم بالتعديل الدستوري وكيف؟ وما هي المخارج القانونية المتاحة لذلك؟
ثمة جهتان أساسيتان أناط بهما الدستور لتعديل الدستور نفسه، الأولى رئيس الجمهورية عبر الحكومة في نص المادة (76) التي تقول "يمكن إعادة النظر في الدستور بناءً على اقتراح رئيس الجمهورية فتقدم الحكومة مشروع القانون إلى مجلس النواب". وكذلك لمجلس النواب عبر المادة (77) التي تنص على "يحق لمجلس النواب في خلال عقد عادي وبناء على اقتراح عشرة من أعضائه على الأقل أن يبدي اقتراحه بأكثرية الثلثين من مجموع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانونا بإعادة النظر في الدستور. على أن المواد والمسائل التي يتناولها الاقتراح يجب تحديدها وذكرها بصورة واضحة، فيبلغ رئيس المجلس ذلك الاقتراح إلى الحكومة طالباً إليها أن تضع مشروع قانون في شأنه، فإذا وافقت الحكومة المجلس على اقتراحه بأكثرية الثلثين وجب عليها أن تضع مشروع التعديل وتطرحه على المجلس خلال أربعة أشهر وإذا لم توافق فعليها أن تعيد القرار إلى المجلس ليدرسه ثانية، فإذا أصر المجلس عليه بأكثرية ثلاثة أرباع مجموع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانوناً، فلرئيس الجمهورية حينئذ أما إجابة المجلس إلى رغبته أو الطلب من مجلس الوزراء حله وإجراء انتخابات جديدة في خلال ثلاثة اشهر، فإذا أصر المجلس الجديد على وجوب التعديل وجب على الحكومة الانصياع وطرح مشروع التعديل في مدة أربعة اشهر."
وبالنظر إلى ما سبق لجهة صاحب الاختصاص في التعديل يمكن إبراز العديد من الملاحظات حول هذا الواقع من بينها:
- إن الحكومة هي من تعد مشروع التعديل بصرف النظر عن الجهة المطالبة به إن كان رئيس الجمهورية أو المجلس النيابي، وفي الحالة القائمة ثمة جهة واحدة هي المجلس النيابي التي يمكنها البدء في تحريك آلية التعديل عبر تبني عشرة نواب اقتراح القانون وموافقة المجلس على الاقتراح بثلثي أعضائه الذين يؤلفونه قانونا، ذلك في معرض شغور سدة الرئاسة الحالية.
- ثمة جهة أخرى مختلف عليها وهي الحكومة التي يعتبر البعض أن صلاحيات رئيس الجمهورية انتقلت إلى الحكومة وفقا لمنطوق المادة (62) "في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء". وفي حال صحة هذا التوصيف القانوني ثمة من يقول إن الصلاحيات الإجرائية للرئيس هي ملك له ولا يمكن وكالتها إلى الحكومة.
- إضافة إلى ذلك ثمة عقبة أخرى تظهر في نص دستوري آخر في المادة 75 "إن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالا في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر" وعليه في هذه الحالة بنظر البعض أن المجلس لا يمكنه مناقشة أي تعديل دستوري قبل انتخاب رئيس جديد.
- وإزاء هذا الواقع السالف الذكر ثمة مشكلة في آلية التعديل التي تتيح انتخاب أي شخص يتولى منصبا عاما وفقا لتوصيف الفقرة الثالثة من المادة (49). فما هي المخارج التي يمكن اللجوء إليها عمليا.
رغم أن الدستور اللبناني يعتبر من الدساتير غير المرنة لجهة آليات التعديل الواجب إتباعها ، إلا انه من الناحية العملية يمكن النظر إلى الموضوع من زوايا متعددة ومنها، أن الدستور مهما بلغت درجة جموده يبقى كتابا قابلا للنظر فيه في حال توافقت الأطراف اللبنانية عليه، بمعنى أن مناسبة التعديل الحالي وأزمته ليست دستورية بالمعنى الدستوري بقدر ما هي أزمة سياسية وطنية مرتبطة بقضايا يمكن أن تكون من بينها قضايا دستورية .وعليه فإن الاتفاق السياسي أو بالا حرى تأمين شبه الإجماع على الأسباب الحقيقية للنزاع بين اللبنانيين كفيل بتذليل العقبات الدستورية الظاهر في الدستور.ففي الأساس لو كان ثمة اتفاق لما كان هناك مبررا لتعديل الدستور ولهدف محدد بعينه.
وإذا كان الموضوع يبدو من الوجهة السياسية بهذا الشكل فكيف يمكن إيجاد المخارج القانونية والدستورية في حال الإجماع؟
إن الاستناد إلى المادة (75) باعتبار المجلس النيابي هيئة انتخابية لا اشتراعية يمكن تذليل عقبتها في مقاربتها للمادة (78) التي تنص على " إذا طرح على المجلس مشروع يتعلق بتعديل الدستور يجب عليه أن يثابر على المناقشة حتى التصويت عليه قبل أي عمل آخر". على أنه لا يمكنه أن يجري مناقشة أو أن يصوت إلا على المواد والمسائل المحددة بصورة واضحة في المشروع الذي يكون قدم له". في هذه الحالة جاء نص المادة بلغة الوجوب أي عدم ترك الخيار له ولتقرير ما يمكن أن يفعله، فمناقشة تعديل الدستور المطروح عليه يجب "المثابرة" أي المتابعة حتى الوصول إلى "التصويت قبل أي عمل آخر".وعليه إذا كانت ثمة جلسة للانتخاب محددة بتاريخ معين، فيمكن بالتالي تحديد جلسة أخرى قبل جلسة الانتخاب لإجراء مناقشة مشروع التعديل ولا يمكن للمجلس في هذه الحال القيام بأي عمل قبل إنجاز التعديل وبالتالي الوصول إلى جلسة الانتخاب وفقا لما هو مقررا سلفا.
أما الجهة الأخرى من الآلية المتعلقة بإعداد المشروع وهي الحكومة فيمكن حلها عبر مسارين على سبيل المثال:
- إذا كانت المعارضة تصرُّ على عدم شرعية الحكومة فان المخرج يمكن أن يكون بطريق غير مباشر عبر انطلاق الآلية عبر مجلس النواب باقتراح عشرة أعضاء من فريقي الموالاة والمعارضة مناصفة، وعبر مشاركة الفريقين لتأمين أغلبية تصويت ثلثي أعضاء المجلس، فتنطلق الآلية ويكون عبر الآلية قد سدت بطريق غير مباشر ثغرة عدم الاعتراف بشرعية الحكومة دون الإعلان عن ذلك تصريحا.
- المسار أو المخرج الثاني تقديم الحكومة استقالتها وتبقى في حال تصريف الأعمال فتتساوى في التكييف القانوني مع الوزراء المستقيلين قبلا ، فتلجأ إلى الطلب من نفسها تعديل الدستور وتعد مشروعه وتقدمه إلى مجلس النواب ليقره.وإذا كانت إحدى الانتقادات التي يمكن أن توجه لهذا المخرج على إن الحكومة في حال تصريف الأعمال لا يخولها العرف والقانون القيام بعمل فارق كتعديل الدستور مثلا، فان نظرية الظروف الاستثنائية هي المخرج باعتبار أن البلاد في وضع يسمح للحكومة اللجوء للمحظورات في حال الضرورات، على قاعدة استمرارية المؤسسات والمرافق العامة.كما ثمة أمر آخر يمكن إتباعه ومتعلق بالمعارضة نفسها عبر عودة الوزراء المستقيلين أو بعضهم للحكومة لتأمين الصفة الشرعية من وجهة نظر المعارضة، فتعد مشروع التعديل وتحيله للمجلس وفي كل الأحوال ستعتبر مستقيلة بعد إقرار التعديل وانتخاب الرئيس وفي هذه الحالة إذا توفرت الإرادة يمكن إتمامها بساعات معدودة إن لم يكن أقل.
إن بلدا كلبنان يمكن أن يشكل سوابق قانونية ودستورية وسياسية في كل لحظة من لحظات تاريخه السياسي، وربما البعض يعيب عليه هذه الميزة التي تبدو غريبة في كل المقاييس، لكن الخيار بين الموت والحياة سيفضل الثانية ولو بكلفة تبدو مربكة لجهة الصدقية السياسية التي تفتقرها مجتمعاتنا بشكل عام. د. خليل حسين
أستاذ القانون العام في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني