محن المستضعفين وأهواء الاسلاميين

بقلم: كاظم حامد الربيعي

يحمل الاسلاميون مشاريع إصلاح كبيرة ونوايا صالحة تجاه شعوبهم وأوطانهم، والناس بطبعها تميل الى هذه المشاريع النابعة من تأدية الواجب الديني واستجابة لحاجات المجتمع، بل لم يقوَ عضد اي جماعة اسلامية في اي قطر عربي إلا وتجمع لها من الاتباع والانصار ما لا يقدر على حشده غيرهم.
لكن هذا الامر لا يعطي العصمة المطلقة والشرعية التي لا نقاش فيها للإسلاميين وأعمالهم ومشاريعهم، فالنقد باب لم يغلقه الشرع ما دام يحقق المصلحة ويؤدي الى معالجة الاخطاء وتلافيها مستقبلاً والنهوض بالأمر على أمثل وجه ينفع البلاد والعباد.
والناصح المخلص الذي يبتغي بنصحه تعديل المسار وتقويم الاعوجاج لا يستهدف المبادئ والثوابت الفكرية والمنهجية للاسلاميين وإنما يشخص الخطأ في الخطط الموضوعة والاعمال الظاهرة والاساليب المتبعية التي يجري عليها ما يجري على سائر اعمال الآدميين من احتمال الوقوع في الخطأ.
ووقفتي اليوم حول مواقف الاسلاميين من بعض آثار الاحتلال الاميركي للعراق (2003) وخاصة أولئك العاملين والمؤثرين في الساحة العراقية، فنقول لقد اصبح التيار الاسلامي هو الاعلى شعبية في العراق لاسيما بعد انفراط عقد الحكم البعثي وزوال دولة الظلم والاستبداد، وكانت انجازات المقاومة في تلك الفترة تساهم بقوة في رفع تلك الشعبية المتزايدة.
لم يرق للأميركيين تقديم المزيد من الخسائر فكان دعم حكومة الجعفري (نيسان 2005) هو بداية الحل لايقاف المد الاسلامي، ولحصر أهل السنة بين خيارين لا ثالث لهما: البكاء والانين واللجوء الى العرب ومنء لا يُستصرخ ولا يُستنقذ؛ وبين اللجوء الى الجانب الاميركي من أجل التماس شيء من الدعم والحماية.
انقسم الاسلاميون إزاء هذه المحنة الى اصناف فمنهم من لم يفهم المسالة برمتها ولم يعرف قدره، او ربما غره الغرور والاماني والاحلام العريضة بإنشاء الدولة الاسلامية في العراق ولاحت له ملامح ذلك المشروع الذي لن يقوم إلا بإبادة الشيعة والاستمرار في ضربهم حتى ينحاز السنة الى جانبه فيقوى بذلك على الوصول الى بغيته ومراده وحلمه، فشرع في عمله ولم يتق الله في العباد الذين يواجهون الموت والقتل بصدور عارية وظهور مكشوفة وظن أن القوة العسكرية والانجازات التي حققها في أيام الهدوء الطائفي سيفتح بها روما وكشمير ويستعيد ايران والاندلس!
ومن هنا شردت القاعدة –كعادتها- عن هموم الناس وظنت أن المنطق الاهوج والخطاب الاعوج هو السبيل لاسترداد الحقوق دفع الشرور، ومن أجل بناء الدولة الاسلامية سلّت القاعدة السيف في رقاب أهل السنة (منذ 2006) حتى أصبحت القاعدة يداً قوية للإيرانيين على المسلمين، فهم خير من يعين الحكومة على إيذاء المناطق السنية.
أما الفئة الثانية (الحزب الاسلامي-اخوان العراق) فتشبثوا بالعمل السياسي واستقتلوا على موائده وغايتهم في ذلك هو دفع بعض الشرور وتحصيل بعض المنافع، لكنهم أيضاً شردوا عن الواقع السني المرير وانشغل البعض بما ينفع أهله ويملأ جيبه والآخر بما يُبقي على حزبه ومجموعته وقلة هم الذين كانوا يتبنون "قضية سُنية" تقف في وجه تطهير ديني لا مثيل له في تاريخ العراق، وحتى الجناح المسلح المقرب (الجبهة الاسلامية للمقاومة العراقية-جامع) فإن توجهاته وتحركاته لم تختلف كثيراً عن شقه السياسي فالذي يجمع ويوحد عندهم هو المصلحة الحزبية والمنفعة الضيقة دون المصلحة السنية.
أما التيار السلفي العراقي الذي يقود معظم فصائل المقاومة فظل صاتماً ازاء التطورات والتغيرات التي طرأت على فرضت نفسها على الساحة ولم يمل من طرح الخطاب السابق فكان بمثابة من يواجه الدبابة والمدرعة المتطورة بالحربة والخنجر البدائي، فلم يجرؤوا على فضح افساد القاعدة، وكانه همه الأول هو الحفاظ على الوحدة وتجنب الخلافات الداخلية وقطع الطريق أمام الاعداء والمتربصين، كما أنه لم يصور الوضع الميداني على حقيقته ولم يكشف للمسلمين عن حقيقة المعركة غير المتكافئة مع الحكومة الشيعية ومليشياتها وكذلك القوى السلفية السعودية الغيورة على مصلحة اهل السنة (كتيار الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي) كانت تأخذ انطباعاتها وتتخذ مواقفها بناء على ما تسمعه من القوى السنية (هيئة علماء المسلمين، الحزب الاسلامي، القوى السلفية) ومعظم هؤلاء كان ينطق بما يتمناه ويحلم به لا بما يخدم الشارع السني.
كان اعلان القاعدة عن دولتها في العراق في اكتوبر 2006 ترسيخ للأماني والاهواء التي راودت اهلها منذ البداية وكان المالكي قد استلم زمام الحكم في حزيران من نفس العام، فجمعت الاهواء المشروعين في خندق واحد (دولة المالكي ودولة القاعدة) وهو ضرب الجسد السني العراقي، وإزاء هذا الحال المزري تدخلت الاهواء وآراء الرجال فأحجمت عن الصريح بما آل إليه الأمر و بما كان من تنظيم القاعدة من ظلم وفساد وقتل وتخريب.
لم تؤيد الاحداث المتسارعة وجهة النظر السلفية التي كانت تحجم عن استثمار النصر الميداني من جهة، وتصمت عن الجوائح التي بدأت تأكل في زرعها وحصادها من جهة أخرى، أما الوحدة المنشودة بين الفصائل الجهادية التي كانت مبنية على محض الاحلام والاهواء، فبدأت تنقلب الى شقاق واقتتال لا سيما بعدما بدأت الانباء تتكاثر عن المعارك بين الفصائل والقاعدة وذلك خلال عام 2007.
كان مشروع قوات مجالس الصحوة في المناطق السنية واندفاع الناس الى التطوع في الاجهزة التي صدوا عنها سابقاً مظهراً جديداً من التباين والاختلاف بين ما يريده الشارع وما تريده المقاومة التي يفترض أنها خرجت من رحم معاناة الناس. فالصحوات –في وجهة النظر المقاومة- هو مشروع عمالة وخيانة بينما كان الناس ينظرون إليها كمخرج ضيق من مأساة كبيرة خلفت ورائها آلاف القتلى وأضعافهم من المهجرين والارامل والايتام..عنوان هذه المأساة "جيش المهدي وتنظيم القاعدة".
لم تدفع الاحداث الاليمة والتجارب المريرة الفصائل السلفية الى مراجعة مواقفها وخطابها، بل أصر البعض على الاحتفاظ بالاثواب البالية التي كان يتسربل بها مدعياً أنها لباس الثبات في زمن الهزائم والخيانات! فأصبح مثلا "جيش المجاهدين" يفتح النار الإعلامية على إخوانه في "جبهة الجهاد والإصلاح" و"المجلس السياسي" ويتهمهم بالانزلاق الى المفاوضات مع المحتل والدخول في مشاريع سياسية ودعم مجالس الصحوة بغية القضاء على المشروع الجهادي، مدعياً النصح وإرادة الاصلاح!
كما تبدد الوهم المسمى "لحمة الصف الجهادي" مع كثرة الانشقاقات في الفصيل الاكبر والأقوى "الجيش الاسلامي في العراق" حيث انفصل عن الجماعة الام منذ 2006 جماعات عدة منها "جيش الفاتحين" وطجيش الفرقان "وجيش الإمام أحمد" وآخيراً "حركة التصحيح والتجديد للجيش الاسلامي"، فضلا عن الانشقاقات التي وقعت في الجماعات الاخرى.
بين عواصف الاهواء وغلبة الشهوات والأماني والاحلام ضاعت الاصوات المخلصة وغاب الواجب الأساسي الذي لأجله قامت معظم الجماعات والمشاريع والاحزاب، والكل يدعي الحرص على مصلحة أهل السنة في العراق، ولو كانوا مجتمعين على همٍ واحد دون راية وإمام لكان خيراً لهم وأقوم وأصلح للحال لكن كما قال من سبقنا (ثلاث مهلكات : هوى مُتبّع ودنيا مؤثَرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه).
يمكننا القول بأن المقاومة العراقية على كثرة انجازتها العسكرية إلا أنها فارقت اكثر قوى المقاومة في العالم في جانب التصالح والتكامل والتعاضد مع محيطها وبيئتها، كما أنها لم تستثمر الانجاز المادي الكبير وذلك لأسباب كثيرة نعذرهم فيما لا طاقة لهم فيه لكن لا يمكننا ان نعذر تدخلَ الاهواء والاراء الضيقة والافكار المتطرفة عن الهم السُني في التحكم في مسار العمل أو التأثير عليه على الاقل.
إن التهاون والتفريط في الاموال والدماء بكافة أشكاله، وقصر النظر السياسي المتبوع بالتعنت والاصرار على الخطأ ادى الى جملة من النتائج الكارثية التي لا يُبرّأ السلفيون وغيرهم منها، او على الاقل مما كان لهم يد وتأثير فيه، وما تقدم من كلام لا نسوقه لتدارك الأمر فشأن العامة ومصالحهم غير معلقة بمجموعات وفئات، والكل يعلم أن الامور لم تعد كما كانت في السابق.
يجمع العاملون في الساحة العراقية الى ان امواج الفتن التي عصفت وشققت وأفسدت الصفوف والجبهات، كانت كبيرة وكثيرة، لكن لم يجنح أحد منهم الى كف يده والامساك عما لا علم له فيه ولا قدرة له على تغييره، ولو أنهم اطلعوا على أخبار الفتن التي حدثت في صدر الاسلام وما تبعها لوجدوا ان جمعاً من افاضل الصحابة اعتزلوا كافة الطوائف والعساكر وآثروا القعود لما رأوا من تغير الحال واختلاط الغث بالسمين والحسن بالقبيح.
وتستمر الاماني والاحلام لبعض الجماعات الاسلامية فبعد الصعود المتنامي لقوة البطش الايرانية بأهل السنة في العراق وتمدد التشيع (بكافة ألوانه) في البلدان الاسلامية تظل كثير من الاحزاب الاسلامية كالإخوان وغيرها محجمة عن التعرض لمحنة العرب السنة، والوقوف الى جانبهم ودعمهم (إعلامياً ومادياً وسياسياً) وهذا التفريط والتهاون السكوت عن الظلم الواضح هو فداء لأكذوبة الوحدة الاسلامية ومصالح مزعومة وأماني يذهب ضحيتها الأديان والانسان والأوطان.
بل إن دخول بعض الجماعات الدينية في حلف وتعاون مع الاطراف الشيعية الطائفية التي لا تكف اذرعها عن التخريب والافساد هنا وهناك، هو مثال صريح على اتباع الهوى وتغليب المصالح المزعومة ووالاحلام الاوهام على اتباع الحق والانتصار لأهله والمساهمة في لعن الظلم ورفعه وفضح حزبه.
إن الاعتذار بحسن النوايا والمقاصد لا يبرر عواقب فساد الاراء وتحكم الاهواء بمصائر الناس ومصالحهم، فمن مكنه الله تعالى من العمل وفسح له المجال واطلق يده مبيناً له درب الصواب مطلعاً اياه على تجارب السابقين فلا ينبغي له بعد ذلك التورط فيما لا قدرة له على تحمله والقيام به.
وإني أخشى ان يصبح مصير الجماعات الاسلامية كتلك الاحزاب والتيارات القومية التي رسمت لشعوبها مستقبلاً اخضراً وتحريراً وفتحاً ونصراً مبيناً وكان من أمرهم ما بات معروفاً لكل للناس وغدت أقوالهم مرفوضة وأعمالهم ملعونة و وعودهم مكذوبة، او كالحكومات الظالمة الفاسدة التي تجد في الكذب وخلف الوعد لذة وحلاوة ،لكن يبقى الامل أن يردع الوازع الديني والخشية من العقاب الإلهي بعض الاسلاميين عن اقتحام ساحات العمل دون علم لأن قدر الفساد سيكون أكبر من الصلاح والخير المرجو، فإذا ما اصرت بعض الجماعات على التعنت وارتضت انتشار الفساد المغطى بواجهات الاصلاح فإنما تسلك بذلك سبيل المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون.
ليس من الصعب أن يحكم الناس على فساد عمل أو صلاحه فالمسلمون شهداء الله في الأرض وحكمهم على المواقف والمشاريع للجماعات الاسلامية هو الفرقان الذي يراه كل مبتغ للحق ولا يخفى إلا على من مال لهواه واطاعه في تقييم الاحداث واتخاذ المواقف. كاظم حامد الربيعي