محنة الاسلام وتوحش المسلمين

هل صار الاسلام عبئا على المسلمين ومن ثم على العالم بأسره؟

صار المسلم ضحية مزدوجة. فهو يُعاقب بسبب اسلامه مرتين. مرة من قبل الجماعات والقوى الاصولية المتشددة التي تريد أن تصلح أحواله الدنيوية، ومرة أخرى من قبل الغرب الذي لا يرى فيه سوى صورة الارهابي، قاطع الرؤوس، القادم بالسيف من القرون الغابرة.

صار من الصعب اليوم الحديث عن اسلام معتدل. اسلام وسطي. اسلام يقوم على مبدأ التعايش والتسامح ويؤمن بالحياة المعاصرة وبحقوق الإنسان وشروط العيش المديني والمساواة بين البشر وحريتهم في ممارسة حياتهم.

نحن نعيش اليوم زمنا يكاد أن يكون فيه الاسلام دين المتوحشين، القتلة، السفاحين الملثمين، اعداء الحرية وحق الإنسان في أن يعيش بسلام.

لقد خطف بن لادن صورة المسلم ولم يستطع أحد استعادتها. فصار المسلم اليوم اينما حل، في بلاده وخارجها متهما بالارهاب إلى أن يتم التثبت من أنه عكس ذلك. هو العدو الذي يجب أن يحذر الاخرون الاقتراب منه لئلا يفجر نفسه منتحرا بهم.

لقد تمت تعبئة الاسلام بمواد متفجرة أو قابلة للانفجار في أية لحظة وما لم يتم نزع تلك المواد وابطال مفعولها فان كل حديث عن اسلام طيب وفئة قليلة متوحشة من المسلمين هو حديث منافق لا يراد منه الا التضليل واخفاء الحقيقة.

علينا أن لا نختبئ وراء التاريخ بوقائعه الصحيحة والمنتحلة على حد سواء لنمارس فن الاجترار. فالواقع الذي انتهى إليه الإسلام يتناقض تماما مع ما نفكر فيه، ما نتمناه ونحلم فيه. الاسلام اليوم بالنسبة للكثير من صناع القرار عبر العالم هو القاعدة، طالبان، جيش المهدي، عصائب أهل الحق، حزب الله، الحوثيين، جبهة النصرة وأخيرا داعش.

لن ينفع الدفاع النظري عن الاسلام من خلال العودة إلى مبادئه وينابيعه وأركانه وركائزه الأولى في شيء. فإسلام الواقع الحي هو غير ذلك تماما.

اسلام الواقع هو اسلام الفتاوى التي صارت تفاجئ حتى المسلمين لغرابة أطوار مبتكريها وعمق ما تعبر عنه من كراهية للحياة لا في عصرنا، بل في كل عصر عاش فيه الإنسان حرا، كريما وجميلا في كلامه وأفعاله وأحلامه وتطلعاته.

اسلام اليوم لا يمت إلى القرآن بصلة ولا إلى سنة نبيه العربي.

بل هو عقيدة حضرت معلبة ليمارس من خلالها الشر طقوسه في بلاد قدر لها أن تقع فريسة سهلة لإجهزة مخابرات عالمية نجحت بدهاء أن تستخرج من بنيتنا الثقافية أسباب انحطاطنا وضعفنا وتشرذمنا وتفكك ارادتنا وهزال فكرنا وأكاذيبنا وعنصريتنا لتجعلنا نتجرع سما، كنا قد صنعناه بأنفسنا.

الاسلام اليوم ضعيف في داره ومخترق من كل الجهات.

وما استغاثة المسلمين بالمجتمع الدولي من أجل انقاذهم من كارثة الجماعات الاسلاموية المتشددة إلا خير دليل على حالة الرثاثة التي أنتهينا بالإسلام إليها، وقد تحول إلى سيف مسلط على رقابنا تحمله أيدي القتلة وقطاع الطرق والأفاقين والمشعوذين وخريجي المعتقلات الاميركية.

لقد سمحنا لعقود طويلة في أن تتم المتاجرة بالإسلام. سمحنا في أن تتعرض مجتمعاتنا، أوطاننا، مدنيتنا، رغبتنا في التقدم والتحديث والعصرنة، إنسانيتنا للابتزاز والترهيب والتهديد باسم الإسلام. سمحنا لمن يقبع في الجامع عاكفا على تصفح الكتب الصفراء في أن يقمع من يبحث في الجامعة عن سبل للارتقاء والعلو والسمو بالمجتمع.

وها نحن نقف اليوم في مواجهة اسلام غريب عنا، صار علينا أن نحاربه باعتباره عدوا. لكن هل علينا أن نصدق أن حربنا هذه بكل تقنياتها العسكرية ستنقذنا مما ابتلينا به وتخرج الإسلام من محنته؟

مثلما اعترفنا بعجزنا عن مواجهة الإسلام الذي تحول إلى وحش ضار علينا أن نعترف أن ذلك الوحش لا يزال يغذي نفسه من ثقافتنا. وهي الثقافة التي يجسدها تعاطف الكثير من الشباب العربي مع داعش، ايمانا منهم أنها تمثل الإسلام الحقيقي.

إن اختفت داعش فإن الإسلام لن يستعيد صورته، دينا يحرم القتل والسلب والاغتصاب والسرقة ومصادرة حريات الآخرين.

فما لم نقتل الوحش الذي يقيم في أعماقنا فإن الإسلام سيستمر في تدهوره.