محمّد السادس في البيت الابيض... امتحان لاوباما

يدخل الملك محمّد السادس البيت الابيض ليؤكد الثوابت المغربية، أو على الاصحّ لاعادة التذكير بها أمام رئيس أميركي اسمه باراك أوباما اختار سياسة تقوم على التردد والعجز، خصوصا في مجال التفريق بين الحلفاء والاعداء.

يمتلك العاهل المغربي ما يكفي من المعطيات التي يفترض أن تخرج الادارة الاميركية من حال الحيرة التي تعاني منها والتي تجعلها في أحيان كثيرة تلعب أدوارا في غاية السلبية. ففي الدائرة الضيّقة المحيطة بالرئيس الاميركي، الذي يتبيّن يوميا أنّه لا يعرف شيئا كثيرا عن الشرق الاوسط وشمال افريقيا، أشخاص مؤثرون يتمتعون بمقدار كبير من السذاجة. هؤلاء يعملون، من حيث لا يدرون، على زعزعة الاستقرار في شمال افريقيا والشرق الاوسط وصولا الى تشجيع حركات ارهابية على التمدد وتوسيع مناطق نفوذها.

هؤلاء هم من النوع غير الملمّ، على سبيل المثال وليس الحصر، بما يضمره النظام الايراني لجيرانه العرب. كذلك، نراهم يخلطون بكلّ بساطة بين حركات "تحرّر" لا مهمّة لها سوى التخريب ودعم النشاطات الارهابية وكلّ أنواع التهريب في منطقة الساحل الافريقي، وبين بلد مثل المغرب يؤمن حقيقة بحقوق الانسان والاصلاحات السياسية والتنمية المتوازنة. انّه بلد يخوض حربا حقيقية على الارهاب عن طريق مكافحة الفقر وخلق فرص عمل للمغاربة من جهة ومحاربة الفكر الديني المتطرّف من جهة أخرى.

يفعل المغرب ذلك على ترابه الوطني وخارجه. يقرن القول بالفعل. وهنا، لا بدّ من ملاحظة أنّ الادارة الاميركية ليست قادرة حتّى على استيعاب أن بلدا مثل المغرب، قرّر في أثناء الزيارة الاخيرة التي قام بها محمّد السادس لباماكو استقبال خمسمئة من رجال الدين في مالي في معاهده الدينية كي يتلقّنوا تعاليم الدين الحنيف استنادا الى مبادئ المذهب المالكي. هذا المذهب الذي ينادي بالاعتدال والوسطية والاعتراف بالآخر قبل أي شيء آخر.

لا شكّ أن استقبال العاهل المغربي في واشنطن، في هذه الايّام بالذات، يعني الكثير بالنسبة الى منطقتي شمال افريقيا والساحل الصحراوي خصوصا وللعرب عموما. هناك نتائج في غاية الاهمية يمكن أن تسفر عنها المحادثات بين محمّد السادس وأوباما. سيعتمد الكثير على ما اذا كان الرئيس الاميركي سيكون قادرا على الابتعاد عن الشعارات البراقة التي لا تعني شيئا في نهاية المطاف. سيكون عليه النظر الى ما يدور في منطقتي شمال افريقيا والساحل بطريقة مختلفة. ربّما يفترض به أن يفكّر أولا في كيفية دعم التوجه المغربي الذي يستهدف المحافظة على الوحدة الترابية للمملكة من جهة وحماية حقوق الانسان من جهة أخرى. هل في استطاعة أوباما فهم هذه المعادلة المغربية التي تصبّ في مصلحة الاستقرار وفي مصلحة تكاتف الجهود من أجل محاربة الارهاب؟

نعم، سيتوقف الكثير على قدرة أوباما على فهم الثوابت المغربية التي تؤسس للاستقرار في المنطقة كلّها، بدل ادارة اذنه لبعض مستشاريه الذين يعانون من القصور. في طليعة ما يعانون منه العجز عن فهم حقيقة الوضع في الصحراء المغربية. لا علاقة لهذا الوضع بحق تقرير المصير للصحراويين في أيّ شكل. مواطنو الصحراء مواطنون مغاربة يتمتعون بالحقوق الكاملة لأيّ مواطن مغربي. لا وجود لمشكلة مرتبطة بحقوق الانسان في الصحراء المغربية. كلّ ما في الامر أن هناك قضية مفتعلة تقف خلفها الجزائر التي تشنّ حرب استنزاف على المغرب مستخدمة أداة طيعة اسمها "بوليساريو".

لو كانت الجزائر حريصة بالفعل على حق تقرير المصير للصحراويين، لماذا لا تقيم لهم جمهورية في أراضيها؟ الصحراويون موجودون في الجزائر وعلى طول الشريط الصحراوي الممتد من موريتانيا، المطلة على المحيط الاطلسي، وصولا الى جنوب السودان المطلّ على البحر الاحمر. الاهمّ من ذلك كلّه، في حال كانت الجزائر حريصة الى هذا الحدّ على حقوق الانسان وحق تقرير المصير للشعوب، لماذا لا تفرج عن الصحراويين المقيمين في معسكرات تندوف داخل أراضيها؟ لماذا تستخدم هؤلاء، او على الأصحّ، لماذا تتاجر بهم في سياق الحرب التي تشنّها على المغرب؟

في كلّ الاحوال، اذا استطاع الرئيس الاميركي تفهّم الثوابت المغربية، تكون الولايات المتحدة أقدمت على خطوة مهمة في مجال المساعدة في التنسيق بين دول المنطقة في الحرب التي تشنّها على الارهاب. كلّ ما هو مطلوب أن يستخدم أوباما المنطق بديلا من الاستماع لمطلقي الشعارات من المحيطين به. هؤلاء لا يعرفون أنّ المغرب أشدّ حرصا منهم على حقوق الانسان وأن هناك حتّى حرصا مغربيا على حماية حقوق الأجانب المقيمين في أراضيه او اللاجئين اليها. فالمغرب هو الذي يعطي دروسا في حقوق الانسان والاعتراف بالآخر وليس العكس. الدليل على ذلك، أن الاصلاحات السياسية التي اعتمدها في السنوات القليلة الماضية، والتي كان من بينها استفتاء على دستور جديد، ترافقت مع قوانين عصرية تحمي كلّ مقيم في المغرب وتحمي كل مغربي بغض النظر عن المحافظة التي يقيم فيها... أكانت في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب.

اذا كان من موضوع يمكن أن يكون موضع بحث جدّي في البيت الأبيض، فهو اقتراح الحكم الذاتي الموسّع للصحراء. انه يندرج في سياق الاصلاحات المغربية التي تستهدف تعميم اللامركزية لتشمل كلّ انحاء المملكة. الحكم الذاتي الموسع امتحان لادارة أوباما التي سيترتب عليها أن تختار بين التعاون مع حلفائها التاريخيين في شمال افريقيا وبين تشجيع أولئك الذين يعملون من أجل ضرب الاستقرار. المعادلة في غاية البساطة. من يريد بالفعل المحافظة على الاستقرار في شمال افريقيا ومنطقة الساحل ومكافحة الارهاب فيهما، لا يقدم على خلق بؤر توتر جديدة لا في الصحراء ولا في غير الصحراء.

هذا ما يفترض أن يعيه أوباما... في حال كان جدّيا في متابعة الحرب على الارهاب، بدل أن تكون حربه على الدول المستقرة التي تعمل من أجل المحافظة، بالفعل وليس بالشعارات، على حقوق الانسان وحمايتها.