محمية جبل سمحان: ملاذ آمن من نوع خاص

الخطر لا يتهدد الحيوانات النادرة في جبل سمحان

صلالة (عمان) - برزت المحميات الطبيعية كاحدى الاشكال البالغة الاهمية التي تعمل بحكم طبيعتها على توفير حياة ملائمة لاستمرار بقاء العديد من اشكال الحياة البرية والبحرية خاصة النادرة منها وذلك لتحقيق هدف رئيسي يتمثل في الابقاء على هذه الاحياء المعرضة في كثير من الاحيان للفناء والانقراض نتيجة التعامل الخاطئ الذي يعمد اليه الانسان.
وقد اتاحت المحميات الطبيعية نتيجة الظروف التي تتوافر بها أجواء مناسبة وطبيعية لتكاثر الاحياء التي تزخر بها نتيجة الجهود التي تبذل من قبل الجهات القائمة على رعايتها وتطويرها فكانت بمثابة المكان الامن الذي يحقق النسبة الاكبر من الحماية والرعاية للاحياء المختلفة التي لولا الحرص على بقاءها واستمرارها لاضمحلت مع الممارسات التي يجانبها الصواب من قبل الانسان الذي غلبت عليه النزعة المادية المتمثلة في استغلال البيئة ومحتوياتها الطبيعية من اجل تحقيق احتياجاته.

محمية جبل سمحان وعند الحديث عن المحميات الطبيعية وأهميتها ودورها الحيوي في صيانة البيئة فلا بد من الحديث عن "محمية جبل سمحان الطبيعية" بمحافظة ظفار جنوب سلطنة عمان التي تعتبر موقعا استثنائيا يزخر بتنوع بيئي فريد حيث تضم في جنباتها انواع مختلفة من الحيوانات البرية والطيور والنباتات النادرة والاحياء المائية الى جانب شواهد للتكوينات الجيولوجية تعد ذات قيمة علمية وجمالية.
والمحمية عبارة عن سلسلة من الأراضي المرتفعة المكونة للحجر الجيرى والتي تكون مرتفعة عند السهل الساحلى ومنحدرة الى الشمال وتفصل بين هذه الأراضي المرتفعة اودية عميقة وضيقة وهى تشكل موقعا استثنائيا من خلال تنوع بيئتها التي تمثل ثلاث نطاقات جغرافية هي النطاق الساحلى والنطاق الجبلى والنطاق الصحراوى بكل ما تحتويه هذه النطاقات من تنوع نباتى وحيوانى وجيولوجى وتتوسط ثلاث ولايات هي "مرباط وسدح وشليم وجزر الحلانيات".
وتبلغ مساحة محمية جبل سمحان 4500 كم، وجاء قرار انشاءها بهدف المساعدة في حماية النمر العربي والمحافظة على الكثير من الحيوانات المهددة بالانقراض مثل الغزال العربي والوعل النوبي وتوفير الحماية اللازمة للحياة الفطرية وبيئاتها.

تنوع جغرافي فريد وتمتد حدود المحمية مسافة 10 كيلومترات شرق نيابة طوى اعتير التابعة لولاية مرباط حتى وادى هليت باتجاه الشمال الغربي عند الاطراف الشمالية لجبل سمحان ومن جنوب شرق نيابة ديميت الى غرب وادى الشويمية على ساحل بحر العرب لتشمل الجانب الجنوبي من جبل سمحان والممتد على خط الساحل حتى منطقة حدبين التابعة لولاية سدح.
ونتيجة لكبر مساحة المحمية نسبيا وامتدادها على ثلاث نطاقات جغرافية مختلفة فقد وفرت تلك الظروف تنوعا فريدا في الحياة النباتية وتمثل شجرة اللبان أحد أهم الانواع النباتية التي تنمو وتزدهر داخل المحمية حيث تحتوى الهضبة الوسطى من المحمية على أكبر واحة لنمو وتكاثر أشجار اللبان وهى "واحة حوجر" كما تنمو في هذا النطاق الكثير من النباتات الحولية والشجيرات المختلفة.
وتزدهر الاجزاء الجنوبية لمحمية جبل سمحان الطبيعية بوجود بعض النباتات التي تنمو في الاخوار والخلجان المائية ومناطق الاودية مثل "الحرض ونباتات البوص والنخيل البرى والغاف وغيرها" وتسود الاطراف الشمالية للمحمية الظروف المناخية الصحراوية فنجد أشجار السمر التي تكسو قيعان الاودية مثل "وادى عارة ووادى أنظور ووادى ديميت" كما تنمو كذلك أشجار النخيل البرية وأشجار اللبان والكثير من النباتات الصحراوية.

مرتع للعديد من الأحياء المائية كما تضم المحمية الكثير من الاحياء المائية حيث تنتشر أنواع الحيتان والدلافين، كما تجد السلاحف الخضراء والريماني مأوى لها على الشواطئ الرملية التابعة للمحمية كما توجد الكثير من انواع الاسماك وبعض أنواع الرخويات والقشريات من أهمها "الصفيلح والشارخة والروبيان".
وتزخر محمية جبل سمحان الطبيعية بوجود الكثير من الحيوانات البرية التي لا زالت تعيش و تتكاثر داخل المحمية نتيجة لقلة الاستيطان البشرى داخلها ووجود الفرائس وازدهار الغطاء النباتي في كثير من الاودية كما أن وجود المياه والمتمثل في العيون والينابيع والبحيرات التي تخلفها الامطار قد ساهم في تواجد الحيوانات التي تعيش على الأعشاب التي تشكل الحلقة الاساسية لوجود الحيوانات البرية المفترسة.

النمر العربي ويتربع النمر العربي الذي لا زال يرتع في كثير من أرجاء المحمية على قمة عائلة الحيوانات المفترسة حيث تعد هذه المحمية الوحيدة عالميا التي تخصص لحماية هذا النوع المهدد بالانقراض وقد تم مؤخرا تنفيذ مشروع تطويق النمر العربي داخل المحمية بهدف دراسة دورته الحياتية وهجرته السنوية ومواسم التكاثر وغير ذلك من المعلومات ذات الاهمية العلمية لدراسة هذا النوع حيث يتراوح طول الجسم الكلى للنمر العربي ما بين"160 الى 180 سم" وطول ذنبه بين "66 الى 80سم" ويصل ارتفاعه عند الكتف "94 سم" ووزنه حوالي "30 كجم".
وجسم النمر العربي مغطى ببقع سوداء مفتوحة على خلفية ذات لون بنى/ذهبي فاتح وغالبا ما يتأقلم اللون مع المنطقة التي يعيش فيها.
كما يمتاز بعدم وجود الخط الاسود الذي يمتد من الحافة الداخلية للعين الى زاوية الفم بخلاف ما هو عليه الحال عند الفهد الصياد.
وقد وفر له صغر الحجم القدرة على العيش على القليل من الطعام حيث يستطيع ان يعيش على 3 كجم من اللحم في اليوم.
ومن اهم الفرائس التي يتغذى عليها"الوعل النوبي والغزلان بمختلف انواعها والوبر الصخري والطيور والثدييات الصغيرة" كما ان الحيوانات المستأنسة قد تصبح فريسة سهله للنمر الجائع.
ومن المعروف ان النمر العربي هو حيوان ليلى ولكنه قد ينشط في خلال فترة قصيرة من النهار ويعيش معيشة فردية بعيدا عن الانسان ويتخذ من الجحور البعيدة والوعرة في المناطق الجبلية ملجأ له وقد يكون ذلك أحد أهم الاسباب لبقائه حتى اليوم.
ويحدث موسم التزاوج لحيوان النمر في فصل الشتاء غالبا وتقدر فترة حمل الانثى بحوالي "95 يوما" تلد بعدها من 2 الى 4 صغار حيث تكون عمياء لمدة عشرة أيام وتقوم الام بارضاع الصغار لمدة ثلاثة أشهر وتصبح مستقلة عن الام بنهاية العام الاول من عمرها ويصل حيوان النمر البلوغ الجنسي بعد عامه الثالث ويعمر لفترة تقارب 21 سنه.
وتقوم وزارة البلديات الاقليمية والبيئة وموارد المياه التي تدير المحمية بجهود كبيرة من اجل وضع الية خاصة للاهتمام بحيوان النمر العربي عبر اجراء بعض المسوحات لهذا الحيوان داخل محمية جبل سمحان الطبيعية علما بان السلطنة قد نجحت في تربية هذا الحيوان في الاسر بعد نقله من موقعه الطبيعي وقد استفادت بعض الدول المجاورة من هذه التجربة الرائدة و ذلك عن طريق الاستعارة بهدف الاكثار.

الضبع المخطط ويأتي الضبع المخطط كأحد أبرز الحيوانات المفترسة في المحمية بعد النمر من حيث المرتبة بالاضافة الى وجود الذئب العربي وحيوان الوشق والثعالب، وحيوانات أخرى مثل النيص وغرير العسل والنمس والرباح وغيرها وهى تعتمد في غذائها على الحيوانات العاشبة وعلى صيد الطيور وخاصة طيور الحجل العربي.
كما تاوي المحمية مجموعة من الحيوانات البرية العاشبة مثل"الوعل النوبي" الذي يعيش ويتكاثر في وسط المحمية وأطرافها الشمالية حيث تعتبر أكبر الحيوانات البرية العاشبة حجما كما تتواجد "الغزلان" في الاجزاء الشمالية من المحمية وخاصة في وادى عاره ووادى أنظور ووادى ديميت أما في الاطراف الجنوبية من المحمية فقد أصبحت الغزلان تشاهد بكثرة في المنطقة الواقعة بين ولايتى مرباط وسدح وكذلك حيوان "الوبر الصخرى" وهو أحد أهم الفرائس للنمر العربي ويتواجد بكثرة في جميع أرجاء المحمية حيث يعيش على هيئة مجموعات تعتني بصغارها لفترات طويلة نسبيا مقارنة بالحيوانات الاخرى.
وتعيش بالمحمية أنواع عديدة من الطيور الجارحة كالعقاب المرقط وعقاب السهوب والعقاب الامبراطوري والنسر المصري اضافة الى انواع اخرى من الطيور البرية القطا والحجل العربي وحمامة الصخور والمغرد العربي والابلق والصرد الدغناش والبومة والصرد الرمادي.

إرث جيولوجي كبير وتمتلك المحمية ارثا جيولوجيا كبيرا حيث توجد الكثير من الكهوف الطبيعية الكبيرة التي تتميز بوجود ظواهر طبيعية داخلها وتكاد تكون جميع الاودية الجنوبية للمحمية تحتوى على كهوف جديرة بالدراسة وخاصة "وادى ريكوت ووادى حضبرم ووادى دحنوت ووادى صناق".
ويلفت نظر الزائر لمحمية جبل سمحان الطبيعية وجود الكثير من المواقع الاثرية من بينها اثار قرى ومدن قديمة كمنطقة"المحله ومدينة حاسك القديمة وصمحال وحوجر وصناق وذهبون وعاره" مما يدل على وجود استيطان بشرى وحركة تجارية واسعة خلال الحقب التاريخية المختلفة وخاصة في المناطق الساحلية.
وتناط بدائرة صون الطبيعة والحياة الفطرية بالمديرية العامة للبيئة وموارد المياه بمحافظة ظفار مسئولية حماية ومراقبة المحمية من أي اعتداءات على الحيوانات والاشجار بالاضافة الى متابعة ومراقبة الدخول والخروج من والى المحمية حفاظا على مكوناتها الطبيعية.
وتعمل حاليا بالمحمية خمس وحدات لحماية الحياة الفطرية هى"/وحدة مرباط ووحدة حدبين ووحدة شمال جبل سمحان ووحدة طوى اعتير ووحدة شليم" حيث يقوم المراقبون في هذه الوحدات بعمل دوريات منتظمة لاهم الاودية والمنافذ التي يمكن الدخول من خلالها الى المحمية بهدف المراقبة والمتابعة ورصد أي مخالفات قد تحدث كما تقوم الدائرة كذلك بمنح تصاريح لدخول المحمية بهدف اجراء الدراسات العلمية أو للافراد الراغبين في الاستمتاع بجمال المحمية الطبيعي وتسعى الوزارة الى زيادة عدد الوحدات العاملة داخل المحمية بحيث يتم تغطية كافة ربوعها.

منطقة واعدة سياحيا ان هذه الميزات الفريدة تجعل من محمية جبل سمحان الطبيعية منطقة واعدة في مجال السياحة البيئية بعد أن يتم اعتماد خطة ادارة المحمية وتوفير بعض المرافق داخلها.
ويقول على بن عامر الكيومي مدير عام صون الطبيعة والحياة الفطرية بوزارة البلديات الاقليمية والبيئة وموارد المياه ان محمية جبل سمحان تعد من اهم المحميات في السلطنة نظرا لتوفر التنوع الإحيائي بها.
ويضيف ان اهمية المحمية تنبع ايضا من تواجد الاعشاب والطحالب البحرية والانواع النادرة من الاسماك التي تعتبر من اهم الثروات العلمية في المنطقة مشيرا الى ان الحياة الطبيعية المتوفرة بالمحمية يمكن استغلالها بشكل امثل من الناحية الاقتصادية والسياحية والعلمية.
واوضح ان توفر الاحياء الفطرية النباتية والبرية والبحرية وتوفر الحيوانات البرية النادرة والمناظر الطبيعية الخلابة والمناطق الوعرة المعزولة يجعل استغلال محمية جبل سمحان من الناحية السياحة الصديقة للبيئة ممكنا.
واشار الكيومي الى ان وزارة البلديات الاقليمية والبيئة وموارد المياه ستقوم ضمن خططها المستقبلية لتنمية المحمية من الناحية العلمية والسياحية بزيادة الغطاء النباتي خاصة النادرة منها وانشاء مركز بيئي في المحمية ووضع خطة لادارة المحمية من خلال اقامة المشاريع السياحية الملائمة للمحمية.