محمود عباس «أبومازن» المناضل.. ورجل الدولة

بقلم: د.علاء أبوعامر

أثبت رفاق الرئيس الشهيد أبوعمار في اللجنة المركزية لحركة (فتح) وفي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أنهم بحجم المسئولية الملقاة على عاتقهم وأنهم واعون لضرورة محاصرة أية أثار جانبية يمكن أن تنجم عن الفراغ الذي تركه الرئيس الراحل خصوصاً فيما يتعلق بالمؤسسات الرسمية في الحركة والسلطة والمنظمة ومع إدراكنا أن مشاكل خلافة الرئيس عرفات والتركة الكبيرة الملقاة على عاتق أخوانه في اللجنة المركزية لفتح بالدرجة الأولى وإخوانه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالدرجة الثانية ليست بالسهلة إلا أن هذا الانتقال السلس المعبر عن روح المسئولية، يعكس مدى الحرص والوعي الذي تتسم به العقلية الفتحاوية الخبيرة والمجربة على مدى سنوات النضال الطويل و الممتدة إلى أربعين عاماً من العمل السياسي والمؤسساتي فقد أثبتت قيادة ( فتح ) أنها جديرة بالاحترام والتقدير من قبل الشعب الفلسطيني إذ أن خطواتها جاءت بعكس كل التوقعات المتشائمة التي تحدثت عن انفكاك عقد الحركة والمنظمة والسلطة ودخول الساحة الفلسطينية في دوامة من العنف والصراع بين التيارات المتصارعة داخل حركة فتح بالدرجة الأولى و(فتح) وتنظيمات التيار الإسلامي المتمثلة بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي بالدرجة الثانية ولكن ما ثبت حتى الآن أن حركة (فتح) وهي التي توصف بالحركة المتشرذمة والمبعثرة وغير المتناسقة حافظت على تماسكها وعلى وحدة خياراتها رغم ما يعتمل صدور بعض كوادرها من قيادات الصف الأول والثاني من أحقاد، جراء ما وصف بأنه صراع بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ والذي شهد في الشهور الأخيرة التي سبقت رحيل أبوعمار صراعاً إعلامياً وعسكرياً علنياً على الأرض.
البعض يدعي أن التفاؤل سابق لأوانه وأن هناك جمر مازال تحت الرماد وأن هذه التيارات ما زالت مستنفرة وأنها تنتظر ما سيقدم عليه الرئيس أبومازن من خطوات عملية خصوصاً في مجال الإصلاحات وإعادة بناء المؤسسات ومن ثم وعندما تشعر بالخطر على مصالحها وإنها مستثنية ستدافع عن نفسها وستقدم على التصدي لهذه المحاولات من خلال الاشتباك المسلح وليس فقط من خلال الدعاية والتشويه للطرف المقابل والدليل على ذلك هو حادث خيمة العزاء في غزة قبل أيام.
ومع إدراكنا أن في ذلك قدر كبير من الصحة فإننا نختلف مع هذا البعض في طبيعة نظرته لهذا الصراع فإذا صح أن ما حدث في تلك الليلة كان تصفية حسابات بين التياران المتصارعان في غزة فإن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوصف بأنه خلاف مع أبومازن بل هو وبكل تأكيد خلاف عليه بمعنى أن أحد التياران يعتقد أو يوحي بطريقة ما إلى أن وصول أبو مازن إلى سدة الحكم يعتبر انتصارا له على التيار الأخر الذي فقد قائده الزعيم الرمز ياسر عرفات وهذا التيار الأخير يعتقد أن أبو مازن يجب أن يكون أباً للجميع أي لكل أبناء فتح بكل تياراتها وتناقضاتها وأنه يجب أن ينأى بنفسه عن أي صراع أو انحياز لأي تيار وأن يكون مصلحاً بمعنى أن عليه بالدرجة الأولى وقبل الاهتمام بأي شيء أخر إعادة اللُحمة إلى حركة فتح في قطاع غزة وعمل مصالحة بين الفرقاء المتصارعين والذين هم وحسب بعض المصادر المطلعة ليسوا في صراع على قضايا سياسية مبدئية بل على النفوذ والسيطرة وعلى آليات و وسائل تطوير مؤسسات الحركة والسلطة ليس إلا.
من يعرفون أبومازن جيداً ينفون أن يكون قد زعم في أي وقت من الأوقات أنه زعيم لتيار ما في الساحة الفتحاوية ويقول هؤلاء أن الكثير مما يتهم به أبومازن بعيد كل البعد عن الحقيقة فأبو مازن التزم الصمت طيلة الفترة التي شهد فيها قطاع غزة تلك الأحداث المؤسفة ولم يدلي بأي تصريح قد يستشف منه أنه كان نصير لأحد ما. وإذا كان أحد التياران قد قصد إيصال رسالة ما إلى أبومازن من خلال حادثة خيمة العزاء مضمونها أن الأمور قد تخرج عن السيطرة إذا انحاز لطرف دون أخر فإن المقربون من أبي مازن يقولون أن هذه الرسالة جاءت في غير محلها إذ أن الرجل يعلم علم اليقين ما يجب عليه أن يفعله وأنه لن يحيد عن الخط الذي كان قد رسمه الرئيس عرفات والقيادة الفلسطينية في السابق إن كان في مجال العمل السياسي الفلسطيني العام أو في النهج السياسي الخاص بحركة (فتح) وقد قام أثناء وجوده في غزة وقبل حادثة خيمة العزاء وبعدها بعقد اجتماعات تخللها مصالحات بين تلك الأطراف المتصارعة في (فتح).
ويعلل البعض تحليلاته المتشائمة بحدوث انشقاق قادم في حركة فتح والسلطة الفلسطينية من خلال قراءته لخطاب ابومازن الشهير في العقبة حيث يعتقد هذا البعض أن ابومازن سيفرط بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، فقد تضمن خطابه ذاك فقرة تقول أن لليهود الحق في إنشاء دولة يهودية وهو ما يعني أن لا حق للفلسطينيين بالعودة إليها بل وصل الأمر بهذا البعض أن يتهم أبو مازن بأنه وبالاستناد إلى هذا الخطاب لن يمانع في قبول مبدأ تبادل أراضي المثلث مع أراضي المستوطنات في الضفة الغربية.
الوقائع والمعلومات المتوفرة لدينا تشير إلى عكس ذلك تماماً إذ من المعروف وكما يؤكد على ذلك الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي أن هذا الاحتمال لا أساس له من الصحة فالسيد أبو مازن لن يفرط بحق العودة وهو اللاجئ، ولن يفرط بالسيادة الكاملة علي القدس، فقد كان من الشخصيات الفلسطينية التي عارضت بشدة تقديم أي تنازلات في هذين الملفين، أثناء مفاوضات (كامب ديفيد 2) وكان من الشخصيات الفلسطينية التي كان لها تحفظات على وثيقة جنيف سيئة الصيت والسمعة أيضاً.
بالتأكيد أن للرجل رؤية سياسية واضحة وهو يعتقد بأن تحقيق تسوية سياسية مع الصهاينة هي شيء ممكن في ظل ظروف إقليمية ودولية مناسبة ولكنه ليس حالماً و واهماً بل هو رجل سياسة برغماتي من الطراز الأول درس الصهيونية جيداً وفعل ذلك كما لم يفعله شخص أخر في الساحة الفلسطينية ويدرك أكثر من غيره طبيعة وحقائق ما يجري من تحولات وصراعات داخل المجتمع الإسرائيلي.
أبو مازن لم يأتي من العمل الأكاديمي في الجامعات والمؤسسات و مراكز البحوث أي بمعنى أنه ليس رجل نظري فقط مع أنه الكاتب والمؤلف والخبير السياسي المرموق والرجل المثقف الحاصل على درجة الدكتوراة في تاريخ العلاقات الدولية من معهد الاستشراف التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، بل أتى من مواقع النضال والكفاح الوطني الفلسطيني فقد رافق ياسر عرفات خطوة، خطوة في الحرب وفي السلام و هو عضو مؤسس لحركة (فتح) وواحد من أربعة قادة من الرعيل الفتحاوي الأول الذين مازالوا على قيد الحياة بالإضافة إلى أبو اللطف وأبو الأديب وأبو ماهر غنيم.
وقد تقلد الرجل العديد من المهام القيادية الهامة فقد كان مسئولا عن المالية المركزية لحركة فتح وكان رئيسا لجمعيات الصداقة مع الشعوب ورئيساً لدائرة العلاقات الإقليمية والدولية في منظمة التحرير الفلسطينية وأمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسا لدائرة المفاوضات ودائرة شئون اللاجئين ورئيسا للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية وتربطه علاقات صداقة متينة مع معظم القادة والزعماء في العالم في أوروبا وأمريكا والعالم العربي و الإسلامي.
نعم لن يعوض أبومازن لوحده الزعيم الخالد ياسر عرفات ولن يستطيع أحد كائن من كان إدعاء ذلك ولكن أبومازن المعروف بإيمانه بالعمل المؤسساتي هو شخص قادر على قيادة الشعب الفلسطيني من خلال تغليب سلطة القانون والقضاء على الفوضى ومن خلال تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد الإداري والمالي والتسيب المزمن الذي تعاني منه السلطة.
في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة التي يمر فيها الشعب الفلسطيني والأمة العربية بأصعب الظروف، اختارت قيادة فتح أبومازن ليكون زعيماً للشعب الفلسطيني ولم يكن هذا الاختيار عشوائيا بل هو اختيار مدروس ومدروس بعناية فائقة فأبو مازن ورفيق دربه أبو اللطف هما الأجدر في قيادة حركة فتح والشعب الفلسطيني وهما معاً وبالإضافة إلى باقي أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح سيكون بوسعهما مواصلة المشوار الذي أختطه ياسر عرفات الذي غاب عن الدنيا ولكنه باق في قلوبنا وفي ضمائرنا بأمانة واقتدار أبومازن يقول وبصراحة تامة لن يعوض كاريزمية ياسر عرفات إلا العمل المؤسساتي وتحقيق الديمقراطية من خلال الانتخابات فقد أبلغ الأخير قادة الفصائل الفلسطينية التي أجتمع بهم في غزة: "إن أفضل طريقة لتحقيق التعاون السياسي هي الانتخابات، ولكي تجري الانتخابات يجب أن يتوفر الأمن والاستقرار والهدوء. لا يمكن إجراء انتخابات ونحن في حالة حرب وصراع".
المرحلة القادمة لن تكون سهلة ولن تفرش الطرقات لأبومازن بالورود والرياحين الطريق الذي سوف يسير فيه هو طريق الأشواك لكن الرهان عليه كبير وهو اليوم أمل الشعب الفلسطيني وأمل كل حريص على الشأن الفلسطيني وبالتأكيد سيكون أبو مازن قد الحمل وزيادة فقد عرفناه في زمن الثورة وعرفناه في زمن السلطة وإن شاء الله سيتحقق حلمنا بالدولة المستقلة على الأرض من خلال قيادته، لننجح مسيرة أبو مازن مسيرة الحرية والاستقلال مسيرة الديمقراطية والعدالة لأن في إنجاحها تحقيق لأماني وتطلعات ياسر عرفات وهي أفضل تخليد لذكراه. د.علاء أبوعامر، أستاذ العلاقات الدولية – غزة