محمود سعيد والأخوان وانلي .. ألوان من العشق والمحبة

وصفاني بأنني أشرب هواء الإسكندرية، واختلط بتراب ترعة المحمودية، وأتعبد بروحانية غريبة في لذة الشارع المصري.


أثناء عبوري شاهدني فقام من تأملاته في السحب المسائية التي تعبر المتوسط


أدهم يرسم الباليه، وفرقة باليه شانيزليزيه تشكر سيف على لوحاته الرقيقة

على رصيف الكورنيش واجهني سيف وانلي كان يجلس وحيدا في الحديقة الصغيرة داخل اللسان الذي يفصل شاطئ الشاطبي عن الميناء الشرقية في منطقة السلسلة. أثناء عبوري شاهدني فقام من تأملاته في السحب المسائية التي تعبر المتوسط، كنت سأعبره، ولكنه أسرع الخطو نحوي. على ملامحه غير المصدِّقة رأيت نفسي في حدقتين لا يراهما سوى الفنان من خلف النظارة الطبية. كلام كثير كان يود أن يقوله، يبدو أنه لاحظ شيئا غريبا على هيئتي وصورتي، هل أنا الآن صورة من الصور التي رسمتُها لنفسي على مدى السنوات السابقة؟ 
لم أزل أتذكر أول لقاء بسيف وشقيقه أدهم (الذي رحل في نهاية عام 1959) في شارع شريف، وصفاني بأنني "أشرب هواء الإسكندرية، واختلط بتراب ترعة المحمودية، وأتعبد بروحانية غريبة في لذة الشارع المصري، وأُطلُّ من أعلى الامتلاك إلى أسفل الفقر لأرسم بنت البلد، وعندما أتكلم ألتقط من الصدق التواضع، ومن الكبرياء النقاء".
كانا متجهين لتعلم الرسم بالزيت على يد زناييري، وقتها حذرتهما من التعلم على يد هذا الإيطالي الذي تعلمتُ عليه في صغري، لأنه "صانع فن يطبع أسلوبه في أعماق من يتعلم منه حتى يفقدَ التلميذُ شخصيته، يحبس التلاميذ في زخرف التقليد، فتضيع حرية التلميذ في سجن من أسلوب الأستاذ. وتعاليمه دستور موت خاص لكل من يتعلم معه"، وقد جاهدتُ كثيرا حتى تخلصت من بصماته على أعمالي الأولى، عشت الإرهاق حتى أتخلص من حدود رؤية زناييري.

ما يعجبني في الأخوين وانلي أنهما يعشقان الإسكندرية مثلما عشقها كفافيس وغيره من الفنانين والشعراء من ذوي الأصول الأجنبية، حيث تنحدر عائلة وانلي من منطقة بحر قزوين، ووانلي هو اسم جزيرة في القوقاز

عندما عرفا ذلك فرّا من زناييري، فبدأت أعلمهما الرسم بالزيت بعد أن قبلتُ رئاسة جماعة هواة الفنون الجميلة، وبدأت أدربهما كيف يسيطران على الفراغ وكيف يملآن قماش اللوحة ألوانا، كما التحقا بمرسم الفنان الإيطالي أتورينو بيكي عام 1925 وظلا يدرسان به لمدة أربع سنوات، وفي الوقت الذي كان يرسم فيه أدهم وجه "ميريكا" ذات الفراء والقبعة (ألوان زيتية على خشب) عام 1935 كنت أنا أرسم "بنات بحري" السكندريات.  
مازال سيف يحدق فيَّ، ثم طلب أن يسير معي قليلا فلديه الكثير من الكلام. لم أكن راغبا في الحديث مع أحد، حاولت الاعتذار له بلطف، ولكنه سألني: كيف خرجت من المستشفى، كنت هناك من سويعات وكانت الزيارة ممنوعة؟
حاولت أن أغير الموضوع، فقلت: إنك تعشق الإسكندرية، وأتوقع لك مستقبلا باهرا في عالم الفن التشكيلي، وأن تكون للألوان حياة أخرى على يديك، فتعوض غيابي عن عالم الألوان. لم يفهم ما أرمي إليه.
منذ أن التقيت بهما وأنا أرى في عين سيف لونا جديدا قويا ريانا قادرا على العطاء لسنوات طويلة. أرى الإسكندرية تقف لحظة أمام عيونها، وتمنح سيف وأدهم الألوان الجديدة، والكتب واللوحات والموسيقى والندوات والمعارض والسفريات، وتمنحهما صلاحية الحياة في الزمان السكندري القادم. لقد قال بيتهوفن للقرن التاسع عشر: "آسف لست أنت الزمان الصالح لإقامة الإنسان". وكل فنان يرى أن زمانه غير صالح لحياة الإنسان، ولكني أثق أن الزمان السكندري القادم هو زمان سيف وأدهم وانلي، فقد ولّى زمن محمود سعيد، وتغرب الآن شمسه. فهل ستعطي الحياة الآخرين كل ما يريدون؟

رؤية جديدة
مهرجو الشوارع في الإسكندرية - أدهم وانلي 1951

أتذكر لقائي بسيف في اتيليه الإسكندرية عندما أعجب أحد الأجانب بإحدى لوحاته وقال: "هذا متوحش جديد، يعرف أصول رسوم القدماء. أريد أن أشترى لوحة من هذا الشاب". ولكن أحد الرسامين الأكبر سنًّا تطوع قائلا: "إن سيف لا يبيع لوحاته". غضب سيف غضبا شديدا، فأفهمه هذا الرسام بكل وقاحة أنه ليس عضوا في جماعة الاتيليه كي يبيع لوحاته. أنهيت الموقف سريعا وعرضت الأمر على مجلس إدارة الاتيليه بقبول عضوية سيف وأدهم في أتيليه الإسكندرية، وحاول البعض عرقلة العضوية بحجة أنهما صغار السن (تحت الأربعين)، لكنني نجحت في الحصول لهما على عضوية عاملة، بعد أن شرحت لعجائز جماعة الاتيليه من الأجانب أن في أعمال سيف وأدهم وانلي رؤية جديدة للبحر، وجرأة جديدة في رسم العالم. وأكدت أن هناك عالما جديدا في لوحات هذين الشابين، وأن الحلم هو بيت الأمل، ولا نريد أن نحرمهما من حلمهما المشروع، وأملهما في الحياة.
تتوالى المعارض في الإسكندرية والقاهرة، وتتوالى النجاحات، رغم ضيق ذات اليد والمعاناة المعيشية وأعباء الوظيفة الصباحية وضغوطها النفسية، ويهاجر "أوبنهام" تاجر القطن الذي كسب كل ثروته من الإسكندرية، ويترك 400 جنيه ذهب ولوحة باسمه هدية منه للإسكندرية، متمنيا أن يُقام متحف للفنون في عاصمة البحر والجمال، وبعد أخذ ورد، وأيهم أفيد؛ إقامة دورة مياه، أم مبنى للقومسيون الطبي لمدينة الإسكندرية، أم إقامة متحف الفنون؟ يتدخل مجلس البلدية ولا يوافق على إقامة متحف، فدورة المياه أفيد للبشر، ويضغط الفنانون ويجدون من يناصرهم، وتتم الموافقة على إقامة مبنى ضخم في مواجهة استاد الإسكندرية يفصل بينهما "الكوبري أبو عين واحدة"، يطلق عليه "متحف الفنون الجميلة" الذي يجمع بين ضخامة وبساطة الفراعنة والإغريق، ويصبح بيتنا جميعا الذي نلتقي فيه، ويكبر فيه سيف وأدهم ويمدان قدميهما إلى الأمام، واحتضنهما بحنان أبوي، خاصة أنني لم أنجب الذكور، ونقتحم جميعا في الضوء الأزرق غموضَ الحياة، ونحمد الله أنه لم يكن من بين الوصايا العشر "لا ترسم"، وننطلق جميعا نداعب الألوان، ويأتيني صوت "الليلة الكبيرة": ناس من بلادنا هناك أهم .. روح يا ابراهيم انده لهم".

سعدت كثيرا بتجربة سيف في إضاءة ممرات صالة مسرح الباليه بلوحاته، فتزاحم الجمهور حولها، كأنها هي الباليه. أدهم يرسم الباليه، وفرقة باليه شانيزليزيه تشكر سيف على لوحاته الرقيقة. وشباك الصيادين في الإسكندرية لها تأثير الباليه. أدهم وسيف، أو سيف وأدهم، كلاهما ظل الآخر، وخاصة عندما يجلسان في إيليت ويحاورهما مخالي صاحب المحل، فيقولان له: نكره سرية الصدق وعلنية النفاق.
لم أزل أتذكر قول وكيل وزارة الثقافة الفرنسية لسيف: "لا يجب أن تبيع هذه اللوحات، بل يجب أن تطبع وتوزع على كل فنان يرغب أن يعرف كيف استطاع فنان واحد أن يرسم بكل الأساليب والمدارس دون أن يتعلم في مدرسة، وكيف يستطيع الإنسان أن يكون شخصية بنفسه".
وسعدت بخروج الأخوين إلى الحواري والشوارع والأزقة والميادين والأسواق والمقاهي الشعبية والشواطئ والميناء، واتجاههما إلى النسوة المتلفحات بالملاءات اللف، وإعجابهما بـ "بنات بحري" التي رسمتُها عام 1935 رغم اختلاف المفاهيم والمدارس. لقد أخرج أدهم بنتين من بنات بحري من لوحتي وأطلقهما عاريتين في اتجاه الشاطئ قبل أن يرتاده أحد من الناس، وذلك عبر لوحته الجميلة "المستحمتان" التي رسمها عام 1946 غير أنه نسي أن يطلق الخلاخيل من أقدامهما والأساور من ذراعيهما، فنزلتا البحر بالأساور والخلاخيل الموجودة في لوحتي. غير أني لا أستطيع تحديد الفتاتين اللتين استعان بهما أدهم من الثلاثة اللواتي في لوحتي: ست الحسن وحلاوتهم وجميلة، لأن أدهم لم يركز على ملامح الوجه. لقد أطلق الفتاتين عاريتين كسهم على رمال الشاطئ نحو أمواج البحر وقبل شروق الشمس حتى لا يراهما أحد، حتى  أنا.
لقد اتجه الأخوان إلى الكشف عن مباهج الحياة الليلية في الملاهي والسيرك وراقصات الباليه وعروض الأوبرا العالمية ومصارعة الثيران بأسلوب انطباعي ولمسات خشنة ثرية بالألوان الطازجة، مما حدا بمراسل جريدة لوموند الباريسية أن يكتب لجريدته أن هذين الفنانين هما خلفاء ديجا. كما وُجِّهتْ إليهما دعوة للسفر إلى إيطاليا عام 1956 لحضور افتتاح معرض بينالي فينسيا الدولي حيث شاركا بالجناح المصري بالمعرض بتوصية مني، وعادا من الرحلة بذخيرة هائلة من الرسوم واللوحات. ثم رشحتُهما في عام 1959 للذهاب إلى النوبة ضمن مجموعة كبار الفنانين وأساتذة الفن في مصر لتسجيل معالم هذه المنطقة قبل أن تغمرها مياه بحيرة السد العالي.

نكره سرية الصدق وعلنية النفاق
الغجرية - سيف وانلي 1961

ويتأثر سيف برحيل أدهم تأثرا كبيرا ويسيطر على لوحاته اللون الأسود بدرجاته المختلفة، وأطلق البعض على أعمال سيف في تلك الفترة بمرحلة الرماديات. ويعبر عن أزمته بقوله: "فقدي لأدهم لا يعوضني فيه أحد، لقد كان كل منا ظلا للآخر، فتصوروا رجلا فقد ظله في يوم لا ليلة له! رأيته يتلاشى أمامي، وكان الأمل بشفائه يقف أمامي متجسدا حتى تبدد ولم أصدق أبدا ما حدث، وتجمع الدمع في عيني إلى أن أسالته مرارة الحقيقة".
وسرعان ما يتجاوز سيف محنة رحيل أدهم، ويلتقط أنفاسه من جديد، ويجد ظله في كثرة الرسم والحضور الفني والتعرف على الاتجاهات الغربية المعاصرة متجها بمنتهى القوة والثبات نحو العالمية، فكان مَعْبرا مهما لمدارس التصوير الغربية الحديثة إلى مصر، بعد أن قمت أنا وأبناء جيلي بترسيخ الهوية التي ضربت بجذورها في تراث الأمة بما يكفي حتى استقرت واشتد عودها، ولم تعد بحاجة للمزيد من العزف على أوتارها.
وإذا كان أبناء جيلي اهتموا بحوار الألوان، فإنني لاحظت أن وانلي وجيله اهتموا بالألوان غير الحوارية رغم وجود الدرامية أو الحكائية في الكثير من لوحاتهم، ومثال على ذلك لوحة سيف العبقرية "البلياتشو" التي رسمها عام 1948 (ألوان زيتية على ورق) ففيها نرى ذلك البلياتشو يريد أن يبوح لنا بأسراره وحركة يديه وطول ذراعيه يدلان على فداحة الموقف، ولعل غياب أغلب التفاصيل الجزئية في كتلة الجسد ووجه البلياتشو المغطى بالمساحيق البيضاء قد أسهمت في عدم وجود ألوان حوارية في مسطح اللوحة.

ألوان زيتية على خشب
ميريكا - أدهم وانلي 1935

وما يعجبني في الأخوين وانلي أنهما يعشقان الإسكندرية مثلما عشقها كفافيس وغيره من الفنانين والشعراء من ذوي الأصول الأجنبية، حيث تنحدر عائلة وانلي من منطقة بحر قزوين، ووانلي هو اسم جزيرة في القوقاز، أما الأم عصمت هانم الداغستاني فتنتمي إلى المغول أو حكام وأمراء دولة داغستان. ولكن زال عن الأسرة العزّ والجاه والنفوذ منذ احتلال الإنجليز مصر عام 1882، ولعل هذا هو الذي منح الشابين روحا قلقة.
ولا أكتم سرا، ولا أخجل، حينما أعلن أنني تأثرت في سنواتي الأخيرة بأسلوب هذين الشابين في الرسم إلى حد ما، رغم أنهما تتلمذا على يدي في وقت من الأوقات، ومن يقارن لوحاتي التي مالت إلى التجريد نوعا ما في أعوامي القليلة الماضية، بأعمالهما سيلاحظ هذا التأثر، لذا أوصي هنا بإنشاء متحف يحمل اسميهما "متحف سيف وأدهم وانلي" ضمن مركزي الذي أوصيت بإنشائه بعد رحيلي.