محمود حامد .. وَشمٌ على جسد الذاكرة التاريخية

الأسطُح المُعلَّمة

حين طرح العالم دي سوسير (1857- 1913) مصطلح "السيميولوجيا " داخل سياقات اللسانيين، ليتلقَّفه سيميائيو باريس، مُتَوَسِّعين في استعماله واكتشاف تَجَلِّياتِه داخل حقلهم، بدا أن هذا المصطلح بات يُمَثِّل طوق نجاةٍ لأولئك الباريسيين، وإطاراً اصطلاحياً مفيداً، لتمييز انشغالاتِهِم، عن نظائرها في نطاق "السيمياء" الدوليّة، المُتَبَنّاة آنذاك في أوروبا الشرقية، وإيطاليا، والولايات المتحدة الأميركية.

وعندما تَلَقَّف علماء اللسانيات العرب هذا العِلْم، فقد أطلقوا عليه اسم "السيميوطيقا"، مُشارِكين بذلك الأميركيين تفضيلهم لتلك اللفظة، التي جاء بها المفكر والفيلسوف الأميركي "تشارلس ساندرز بيرس "(1839- 1914)، مترجمين إيّاها تارة باسم "عِلْم الرموز"، وتارة باسم "عِلْم الدلالة"، ناقلين عن "تشارلز موريس (1903- 1979) ما ذهب إليه، مِن أنّ عِلم السيمياء يهتم بمعاني الإشارات، قبل استعمالها في قولٍ أو منطوق معين.

أمّا اللسانيّون من أهل المغرب العربي، فقد دعوا إلى ترجمتها بـ (السيمياء)، محاولةً منهم لتعريب المصطلح.

ومِن هذه الأرضيّة التأسيسيّة، فقد بات عِلم الدلالة يؤدّي - عند "موريس" - إلى دراسة ما سَمّاه "دي سوسير": (الترابُطات)، وما يسميه السيميائيون المتأخرون (قوائم التبادل)، إضافةً إلى محاولة "بول ريكور (1913- 2005)، للبرهنة على أن السيمياء تهتم بالعلاقات التبادلية فقط.

في ظل هذه الاشتباكات النظرية المُلتَبِسة، التي تنطلق بالأساس من انشغالات لُغَويّة، تلعب فيها (المُفرَدة)، و(اللفظة)، و(العلامة)، و(الإشارة) أدواراً ركائزيّة جوهريّة، يأتي معرض "نقش"، للفنان المصري محمود حامد، لتنطلق أطروحاته البصريّة من ذلك العالم، الذي تتمحوَر فيه العلامة والإشارة، بِوَصْفِهِما مُنطَلَقَيْن أساسيَّيْن للاسترسال الجمالي، والذي تَشْخَصُ فيه الأسطُح الحاملة لتلك العلامات والإشارات، والحاوية لها، والمَوْشومة بها، لا باعتبارها محض (مُسَطّحات تصويرية) اعتياديّة، بل بِوَصفِها (حواضِنْ) بصريّة، تمارس حضوراً نَسَقِيّاً في لعبة التَلَقّي، لا يقِلُّ أهميةً عمّا تمارسه العلامات والإشارات نفسها، من تراسُل حواسّي ومفاهيمي مع المُتَلَقّي الفَعّال، لتنطلق بعد ذلك اشتباكاتهما معاً – العلامات والأسطُح - لترتبط بحقولٍ دلالية، ذات طبيعةٍ شديدة التركيب، يلعب فيها حضور (اللغوي ـ الثقافي – الجمالي) دوراً سياقيّاً، يُحَرِّضُنا على استدعاء أدوات التحليل السيميولوجي على نحوٍ مفتوح، لا يتوقف فقط عند حدود القواعد التي أرساها رولان بارت (1915- 1980)، في تَحَيُّزِها لأولويّة اللسانيّان، كما لا تعبأ كثيراً بمماحكات جاك ديريدا، الذي دعا لقلب مفهوم بارت - برغم اعترافه بجهوده – بل تدعونا أطروحات محمود حامد إلى ممارسة نوع من المغامرة، يجري في سياقها تفكيك الكثير من الجوامد، التي قد يتحاشى الكثيرون المساس بها، إمّا انقياداً لأفكار سابقة التجهيز، راسخة – حتى الآن – في صميم بعض الدوائر المنتمية للمُحْتَرَف الفني المصري، وإمّا خشية الإخفاق، نتيجة عدم اليقين من نواتج المغامرة ونتائجها.

تتجلّى مغامرة محمود حامد، في معرضه الراهن، من خلال استرساله في (اللعب) البصري على كوامن العلامة واحتمالاتها؛ فنراه وقد انتزعها من سياقها التقليدي – باعتبارها محض إشارة أو مجرد علامة – وأقحمها في سياق متعدد المستويات، إلى درجةٍ امتدت حتى إلى الوسيط وأسلوب التنفيذ، لتخرج بالجميع – العلامات والسطح والتقنية – عن حدود الاعتيادية، فإذا بنا وقد جوبِهنا بمجموعةٍ من الأسئلة، التي اعتاد العقل التقليدي طرحها، فور التقائه بتجربةٍ كاسرةٍ لحدود الوسيط. ومِن تلك الأسئلة، التي يجابهها المتلقي، حال عناقِه لأعمال محمود حامد الحالية: هل يمكن تصنيف أعمال المعرض الحالي تحت مظلة التصوير؟ أم تراه قد يصلح للاندراج في إطار الممارسة الجرافيكية؟ وهل يمكن توصيفه كتجربة من تجارب التجميعية البنائية؟ أم الأصوَب إزاحته نحو الفضاء الأوسع لحقل التجهيز؟

حقيقة الأمر، هي أن تجربة محمود حامد الحالية، تمتلك من براح المحتوى الفكري، ومن حرية الممارسة الأدائية، ما يؤهِّلها لأن تَرُدّ بالإيجاب، لا على الأسئلة السالفة فحسب، بل وعلى أسئلةٍ أخرى إضافية، تتعلق بالمحتوى الموضوعي للأعمال نفسها؛ فمن يمكن أن ينفي حضور طاقة اللون، ربما إلى حدودٍ جهيرة، في كثرةٍ من أعمال هذا العرض؟ ومن يمكن أن يعارض في حضور أثر بعض التقنيات الجرافيكية، وبخاصةٍ تلك المستوحاة من طُرُق الخدش، والضغط، ناهيكَ عن تفجير طاقة الملامس السطحية، وتطويع القِيَم البصريّة لكلٍّ من النقش الغائر، ونظيرِه النافِر البارِز؟

وهل يمكن أن نطالع هذه التجربة، دون أن نستدعي سوابق التجارب التاريخية لأساطين الفن التجميعي، في انشغالاتهم بتأليف الأسطُح المنفصلة إلى بناء متَّصل متلاحم، تتحقق فيه قيمة التعدُّد في الوِحدة، والتنوُّع في الانسجام؟ ثم، هل يمكن أن نُغفِل ما تستحثُّنا تجربة "محمود حامد" عليه، من تذكيرها إيّانا بالتجارب المعاصرة المفتوحة، التي بات مجال التجهيز في الفراغ، يخرج بمقتضاها عن النَسَق التاريخي الجامد للأبعاد الثلاثة، مُنطلقاً في استشراف إمكانيات الوسائط ثنائية الأبعاد؟

حقيقة الأمر، هو أن تجربة "محمود حامد" الراهنة، تنتمي – شئنا أم أبينا - في ملامحها ومنهجيتها إلى البنيوية؛ مِن حيث كَوْن البِنْيَوية نفسها منهجاً منتظماً لدراسة الأنظمة الإشارية المختلفة في الثقافة العامة. ومِن هنا، جاز لنا أن ننطلق في بداية استقرائنا لها، لا من الأرضية الإشاريّة لحقل السيميائيّات فقط، بل وأن نستحضر من خلالها كافّة الإمكانيات، التي يتيحها "عِلم الدلالة" ؛ وبخاصّةٍ فيما يتعلق بالتغيُّر الدلالي، مِن حيث هو تغيُّر في المعنى والقيمة، وهو صميم ما نختبره في علامات "محمود حامد"، ونقوشه، بل ومُجمَل فضائه البصري، الذي يخطو بنا أحياناً نحو مغازلة عوالم الطقوس والرموز والطلاسم، ليعود فيستحضر معنا أهمية المُتعة الخالصة، التي تنشأ لدينا مِن مجرّد تَتَبُّع طريقته المتحررة – والمحسوبة تكوينياً – في تجميع أجزاء مسطحاته، وتأليفها معاً للحصول على مجموعاتٍ متراكِبة من الأسطُح، التي شُحِنَت بطاقةٍ إضافية، نتيجة الحضور الوهمي للبُعد الثالث، التي أتاحها تراكُب الشرائح والأجزاء، وزاد من شدتِها تنوُّع الألوان، وفق خطة التضاد، لا على مستوى تجاوُر اللون وعكسِه فقط، بل وعلى مستوى تنويع الشِدّة الضوئيّة للدرجة اللونية الواحدة.

تُحيلُنا أعمال محمود حامد إلى نمط من الأسطُح المُعلَّمة، التي تتواشج فيها الخطوط الكتابية والعلامات المحفورة، وتتماهى بداخلها أفعال التخطيط، والتزيين، والتلوين. كما نراه وقد أمعن في (اللعب) على (صورة) العلامة، إلى درجة الوصول بها إلى التخييل؛ فإذا بها وقد راوَغَتنا، لنرى من خلالها بزوغ ملامح أوجُهٍ بشرية متعددة، تتجاور فوق أسطُحِها المتلاصقة والمتراكبة طولِيّاً، لتنتزع من ذاكرتنا صور "وجوه الفيوم"، التي طالما حملَقَت فينا عيونها فوق مسطحاتها الخشبية الطولِيَّة، لتًعْبُرَ على جِسْر الاتصال والتَلَقّي، من غياهِب الموت إلى الحضور المُشْبَع بالحياة. غير أن وجوه محمود حامد العلاماتِيّة، تتجاوز البراح التقليدي لفنّ الصورة الشخصية، إلى سديم الإشارة والترميز والكناية؛ فهي إذ تتألّف من التقاء العلامات والطلاسم، يندَغِم فيها السحري بالشعبي، لتجتذبَ نحونا تهويمات من طقوس الوشم، وممارسات التزيين الجداري لأغراض غيبيّة ووقائيّة، إلى جانب استدعائها لذاكرة (الخربشة)، التي يمارسها الأطفال في بواكير تكوين هُوِيّاتِهِم، لتتحول بمرور الزمن إلى رغبةٍ في تأكيد الوجود، من خلال ترك آثار الشخوص، مكتوبةً ومُصَوَّرةً ومخدوشةً فوق الحوائط، إلى أن تتفجّر بالرفض والاحتجاج والصراخ، فور التحامها بمُناسبات الاحتدام الثوري، التي يتأجّج في أتونها صهد الجرافيتي.

ويتكرس في تجربة محمود حامد الحالية اعتماد تقنة التَحاتّ والحذف اللوني (التلوين بالطرح)، كحضور ساطع للخدوش والنقوش، في الطبقات السميكة للون، والتي جرى تنويعُها لتتخذ أحياناً سمة التقاشير الجدارية القديمة، ولتتموضع أحياناً أخرى كأقرب ما يكون إلى اهتراءات لونية، نجمت عن احتكاكات متواترة لأسطح معدنية ببعضها البعض، كاشِفةً بذلك عن البِنْية العميقة للورق المقوّى، التي استفاد الفنان من إمكانياتها البصرية، عن طريق إظهار بعض الطبقات الداخلية منها، مضيفاً بخطوطها المتوازية الغائرة، حضوراً ملمسياً وظليّاً يؤكد كثافة العلاقات الكائنة بين بقية العناصر الأخرى.

وقد تأكدت القيمة الملمسية التراكمية لهذا النهج من المعالجة، لاسيما بعد أن عكف محمود حامد على البحث تقنياً خلف إمكانيات الوسائط المُكَوِّنة لأعماله، مما أسهم في تعزيز ذاكرة الطبقات السطحية اللونية، ومراوحة التعاقب الطلائي ما بين كاشف ومعتم ونصف شفاف، الأمر الذي لعب دوراً في توكيد لحظات من المخاتلة البصرية، التي تَختبرها عين المتلقي حال ارتحالها التتابعي فوق تراكُبات لوحاته. وفي حضور هذا التَحاتّ اللوني نلمس اعتناءً من قبل محمود حامد لكي تتشبع مسطحاته التصويرية بأقصى دسامة ممكنة من فيض العجينة اللونية، مُمارساً خلال ذلك تحطيم الحضور الظاهري للوجه البشري، وإخضاعه للتشَظّي السطحي، انصياعاً لسطوة الضرورَتَيْن اللونية والملمسية.

من هنا، تتجلّى وجوه محمود حامد ونقوشه، حين يختلطُ في جوهرها التخطيط والخط، بالعلامة والإشارة، وحين يتماهَى في مظهرها الوشم والوَسْم في التوشية والزُخرُف، وحين تتوازى في سياقاتها الصورة واللون مع الكتابة والتدوين. وهنا تحديداً، في مركزية العلاقة بين الصورة المرسومة والعلامة المكتوبة، يمكن أن نطمح في الكثير من البوح من أعمال محمود حامد؛ التي تُدَشِّن نموذجاً قياسياً، للعلاقة بين ما هو معرفي تدويني وما هو جمالي تصويري، تلك الازدواجيّة المُفعَمة بالرغبة في استنطاق التراكُم البصري الشرقي، وفق نصوص صياغية عصرية تستهدي تحولات الراهن والجاري بصرياً.

هكذا تفصِح هذه الأعمال عن طبيعتها الداخليّة، باعتبارها أوجُهاً لتجليات الجمالي - المعرفي، بالقَدْرِ نفسِه الذي يَصِحُّ معه النظر إليها، باعتبارها تجليات للحضور الإنساني، الموشوم على جسد الذاكرة التاريخية.