محمود احمدي نجاد في جامعة كولومبيا، لماذا؟

ماذا حدث في يوم الرابع والعشرون من ايلول؟ لقد لبى الرئيس الايراني دعوة رئيس جامعة كولومبيا في نيويورك للتوجه الى الجامعة العريقة والتحدث الى الطلبة واجابة التساؤلات التي تطرح عليه. كان وجود احمدي نجاد في نيويورك لغرض القاء خطبة في الامم المتحدة حول وجهات النظر الايرانية حول العديد من المسائل ذات الاهمية. جاء هذا في وقت ازدادت فيه قرع طبول الحرب ضد ايران في الداخل الاميركي بالاضافة الى بعض الاصوات المؤيدة كأسرائيل وفرنسا.
جاء احمدي نجاد وفي جعبته الكثير ليقوله… جاء وهو يعلم انه مكروه في هذا البلد. لماذا جاء اذا؟ هل كان يعتقد انه سيقنع السياسيين الدوليين بالمنطق الايراني؟ ام كان يريد القاء الحجة على الاميركيين بأن ايران لا تريد الحرب وان باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا معها؟ ما الذي قصده من طلب زيارة موقع "جراوند زيرو"؟ هل كان يعتقد حقا ان الاميركيين سيسمحون له بذلك؟ بأمكان المتتبع لخطبة احمدي نجاد في جامعة كولومبيا وردوده الهادئة على ما جاء به رئيس هذه الجامعة العريقة ان يتوصل الى اجوبة لكل الاسئلة المطروحة سلفا. لقد اغتنم احمدي نجاد الفرصة وتوجه بخطابه الى ثلاث فئات فكانت زيارته مثمرة على مختلف الاصعدة. ان الفئات التي استهدفها هي كما يلي: السياسي الدولي والمواطن الاميركي العادي والمثقف الاميركي.
اما بالنسبة الى السياسيين الدوليين، فبألقاءه خطابا في الامم المتحدة حاول نجاد حصد تأييد دولي للمواقف الايرانية من خلال طرحه النظري للمفاهيم الايرانية بخصوص المسائل ذات الخلاف. هل نجح في ذلك؟ لا اعتقد ان آمال احمدي نجاد نفسه كانت كبيرة في هذا المجال. على الرغم من ذلك، كان نجاد كغيره من الساسة يعلم الفائدة المستحصلة من خطاب يلقى على اسماع هذا المحفل الدولي يحمل في طياته غصن الزيتون الايراني.
شكل المواطن الاميركي العادي الفئة الثانية التي استهدفها الرئيس الايراني بذكاء في رحلته هذه. يعلم الساسة في ايران وغيرهم في الدول الاخرى التأثير السلبي لماكنة الدعاية الاميركية على الداخل الاميركي. تعرض الدعاية الاميركية وجهات النظر المتشددة والداعية للحرب حاليا. كما انها تعرض وجها واحدا للاحداث وبالتالي فأنها تفقد معظم مصداقيتها. لكن للاسف يسقط الكثير من المواطنين الاميركيين العاديين ضحايا للدعاية الاميركية فتجدهم يحملون على اشخاص كأحمدي نجاد ويشبهوه بالشخص الشرير بدون الرجوع الى اسباب منطقية او بدون اي سبب حتى. عند قدومه الى نيويورك، كان الرئيس الايراني يعلم ان تحركاته ستكون محط للانظار من قبل الاعلام الاميركي وغيره. لهذا تجده طلب التوجه الى نصب مقر التجارة العالمية "جراوند زيرو" ليقدم احترامه للضحايا الذين سقطوا في هذا العملية الارهابية وليعلن بذلك تضامنه وتضامن الشعب الايراني من وراءه مع محنة الشعب الاميركي عام 2001. كان يعلم ان طلبه سيرفض في اغلب الاحوال. كان قد حاول في زيارته السابقة الى نيويورك ان يزور الموقع لكن المسؤولين الاميركيين تعللوا انذاك بضيق الوقت والدواعي الامنية. حاول نجاد من وراء طلب زيارته هذه ان يقول للشعب الاميركي ان الشعب الايراني متعاطف ومتفهم للارهاب الذي عانوا منه عام 2001. هل نجح في ذلك؟ اعتقد ان الجواب نعم، خصوصا مع الرفض الاميركي لطلب نجاد، اذ اوضح بذلك ان ايران هي الساعية للسلم وان الولايات المتحدة هي التي ما فتأت تغلق كل ابواب الحوار في وجه طهران. هذا بدوره سيساعد، الى حد ما، المواطنين الاميركيين بالتفكر بمواقف حكومتهم وطريقة معالجتها للازمات.
اما الفئة الثالثة التي استهدفها محمود احمدي نجاد فهي طبقة المثقفين الاميركيين. لقد وافق نجاد على دعوة رئيس جامعة عريقة ومعروفة بقاعدتها اليهودية من الاساتذة والطلبة على حد سواء. ليس من المتوقع من نجاد ان يكون جاهلا بهذه الحقيقة عندما اتخذ قراره بالتوجه الى هذه الجامعة. لكن هل كان ما يدور في خلده من التوقعات مطابقا لما حدث؟ اعتقد ان الجواب نعم ايضا. يدرك الرئيس الايراني ان هذه هي فرصته في مخاطبة عقول المثقفين الاميركيين. اذا كان لا بد له من مواجهة تهجم اعداؤه في سبيل هذه الغاية، فليكن. اذا، ما الذي حصل في جامعة كولومبيا ذلك اليوم؟ هل كانت مظاهر العداء على مستوى توقعات الرئيس الايراني؟ اعتقد انها كانت اكثر من مستوى توقعاته. كان تقديم رئيس الجامعة للرئيس الايراني مهينا بمعنى الكلمة. كان الغرض المبيت من الدعوة هو اذلال الرئيس الايراني واحراجه بهذه الطريقة. اذا لم يكن الامر كذلك، كيف تفسر الدعوة من هذه الجامعة العريقة والمعروفة بقاعدتها اليهودية علما ان رئيس الجامعة قد انتقد لتوجيهه الدعوة الى احمدي نجاد لكنه رفض سحب الدعوة. كان الامر مثيرا للاستفزاز، اذ ان رئيس جامعة كولومبيا لم يتورع عن تشبيه نجاد بالدكتاتور بالاضافة الى اتهامه بالجهل في ادعائاته الخاصة بنفي الهولوكوست الى جانب وصفه لنجاد بصفات انأى عن ذكرها. المثير في الامر هو تصرف الرئيس الايراني الهادئ. بعد ان اعتلى منبر الخطابة، وجه نجاد نقدا لاذعا مبطنا الى رئيس جامعة كولومبيا عندما قارن تصرفه العدائي بتصرف المجتمع الايراني في عاداته عند استقبال الضيف. بعدها انتهز فرصته التي كان ينتظرها في توضيح العديد من المسائل التي من اهمها:
- مر الشعب الايراني بنفس تجربة الشعب الاميركي في تفجيرات الحادي عشر من ايلول عندما هوجمت عناصر الحكومة الايرانية بشكل متكرر من قبل منظمة مجاهدي خلق.
- بالنسبة الى الهولوكوست، كان موقفه هو الدعوة الى اجراء المزيد من البحث في هذا المجال.
- بالنسبة الى اسرائيل، دعا الى اعطاء الفرصة لشعوب هذه الارض بتقرير مصيرها بحرية.
- ايران تدعو للسلام وليس للحرب.
- كرر موقف بلاده بخصوص البرنامج النووي الايراني وهو ان البرنامج هو لاهداف سلمية.

كان وقع كلامه مثيرا للدهشة. بطريقة غريبة، انقلب السحر على الساحر وجاء كلام رئيس جامعة كولومبيا المهين ليمهد الطريق لاحمدي نجاد، اذ سادت حالة من الاشمئزاز من تصرف رئيس الجامعة مما سهل القبول النفسي و التعاطف مع احمدي نجاد خصوصا وان الاخير لم ينزل الى نفس المرتبة التي نزل اليها رئيس الجامعة ليعلق في مسلسل من الاتهامات المهينة. كان التفاعل واضحا مع احمدي نجاد من قبل جمهور القاعة. تعدى ذلك الى تفاعل اكبر عندما نشر اللقاء في مواقع الشبكة العنكبوتية المحايدة كـ "يوتيوب". لاعطاء فكرة عن ذلك، يمكن قراءة التعليقات التي كتبها طلبة اميركان في ذيل مقالة نشرت عن الزيارة موضوع البحث في الملحق التالي: http://www.commondreams.org/archive/2007/09/24/4094/

كان لهذه الحادثة اثر ابعد من ذلك. ما قام به رئيس الجامعة الاميركية اعطى زخما للاراء العدائية للولايات المتحدة. لقد ترسخ في عقول الكثير ممن اتيحت لهم الفرصة بمشاهدة ما حدث الاعتقاد بغطرسة الولايات المتحدة وعدم احترامها لشعوب الدول الاخرى. كيف يتوقع من الولايات المتحدة ان تأخذ مصالح الشعب الايراني، او اي شعب اخر، بعين الاعتبار اذا كانت معاملتها لرئيس الدولة الايرانية بهذا الشكل! حتى لو كان هذا الرئيس ذي مواقف تتسم بالعدائية، لا يصح معاملته بهذه الطريقة المهينة.
من جانب اخر، هل يعني هذا ان احمدي نجاد صادق النوايا فيما قاله؟ اليد الايرانية الخفية لا تزال نشطة في الساحة العراقية وحتى الافغانية، ناهيك عن الساحة السورية واللبنانية. يمكن تفسير العديد من السياسات الايرانية اذا ما نظرت للوضع السياسي الحالي في الشرق الاوسط من المنظور الايراني. على الرغم من ان الولايات المتحدة قد خدمت الساسة الايرانيون بأزالتها اكبر عدوين لايران: نظامي طالبان في افغانستان وصدام حسين في العراق، ليس من مصلحة الجمهورية الاسلامية على الاطلاق ان تكون محاطة بهذا الكم من القوات الاميركية من الغرب والشرق. كان، وما زال، لتعنت الساسة الاميركان في تعاملهم مع الملف الايراني اكبر الاثر في استمرار عدم الثقة الايرانية في النوايا الاميركية، وبالتالي دفعها هذا الى القيام بما يلزم من وراء الحجاب لدعم الحركات المعادية للولايات المتحدة في المنطقة.في الواقع، كان يجب على الساسة الاميركان اغتنام الفرصة التي لا تزال مطروحة الى الان امامهم. لم تعد اللهجة الايرانية تتسم بنفس الطابع العدائي للدور الاميركي في المنطقة. على العكس، اثبت الايرانيون انهم على استعداد للحوار في اكثر من مناسبة. الامر الذي يشجع في ذلك هو كون الشعب الايراني من اكثر شعوب المنطقة تعاطفا واستعدادا للتقارب مع الشعب الاميركي. عند سماعهم بخبر هجمات الحادي عشر من ايلول مباشرة، خرج الالاف من الايرانيين في الشوارع بشكل عفوي حاملين شموعا اضاءت ليل طهران في اشارة واضحة لتعاطفهم مع محنة الشعب الاميركي، في حين عبرت بعض الشعوب العربية عن فرحتها بتلك الهجمات فتبادلوا التهاني ونحروا الذبائح ابتهاجا بالمناسبة!! هل يعني هذا ان موقف الشعب الايراني سيكون مشابها في حالة هجوم اميركي جوي او بري على ايران؟ على العكس. ارجو الا يكون الساسة الاميركان بدرجة عالية من التفاؤل قد تدفعهم الى ما لا يحمد عقباه. ان المستنقع الايراني اعمق بكثير من المستنقع العراقي. ما يدفعني الى هذا الاستنتاج هو مراجعة احداث الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات. كانت الافواج الايرانية تندفع بأتجاه الحدود العراقية بدون بذل اي محاولة للتستر والتقدم بحذر. لهذا اتجه نظام الدكتاتور العراقي السابق الى استخدام الاسلحة الكيمياوية لوقف الهجمات الايرانية. هذا يعطي فكرة عن تمسك الايرانيين بعقيدتهم وحبهم لارضهم. في الواقع، ان للمواقف الاميركية المعادية والمواقف المشبوهة لبعض الحكومات السنية العربية تجاه ايران اثرها في دفع المواطن الايراني العادي الى محاولة الدفاع عن وطنه وعقائده ضد هذه الاخطار. بالتالي، لا عجب ان يختار ذلك المواطن الايراني وغيره الاستمرار بدعم المنهج المتشدد للرئيس الايراني الحالي ضد التهديدات الخارجية.
ماذا عن البرنامج النووي الايراني؟ هل الغرض منه هو انتاج قنبلة نووية ايرانية لمحي اسرائيل من الخريطة؟ اذا صدقت الظنون بشأن التخوفات الدولية وكان الغرض الايراني هو انتاج القنبلة الذرية فعلا، لا اعتقد ان ايران ستقدم على ضرب اسرائيل بأي حال من الاحوال. سيكون الغرض من القنبلة الذرية الايرانية، ان صدقت التقولات والاتهامات، هو خلق حالة من التوازن الجديد في المنطقة مع اسرائيل تعطي ايران زخما كبيرا في التفاوض مع الغرب وتزيد من حظوظها في الحصول على امتيازات اكبر في المنطقة والعالم. اعتقد ان اسرائيل والولايات المتحدة تدركان ذلك وبالتالي فأنهما غير مستعدتين لاعطاء ايران الفرصة بالتبوء الى هذه المرحلة المتقدمة حتى لو كان نتيجة ذلك تكرير سيناريو ضرب المفاعل النووي العراقي في بداية ثمانينيات القرن الماضي. مؤيد الهوازي