محمد مندور في كتاب ينشر لأول مرة

عرض ـ حمادة هزاع
قراءة أولى

كلمة أولى من بداية معرفتي بالفنان الدكتور طارق مندور، في دار الكتب المصرية، وفي كل حديث معه عن المنجزات الأدبية والنقدية غير المعروفة لوالده د. محمد مندور، يحضرني دائما حديث الرسول {إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له.}
وقد ترك لنا الناقد الكبير الدكتور مندور علما عظيما انتفعت به، ولا تزال، الأجيال اللاحقة له من الكتاب والشعراء والنقاد على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.
وأحسب أن (الصدقة الجارية) ليست ببعيدة عنه فإن عون الملهوف وإسداء المعروف من عناصر الإيمان عنده. يقول في مقال "اعترافات مؤمن"، "... فتحمست منذ ذلك اليوم لعمل الخير وآمنت أنه جزء من الإيمان حتى استقر بي الرأي إلى أن عون الملهوف وإسداء المعروف إلى الناس لابد أن يخلفه الله بالخير على صاحبه."
وأما عن (ولد صالح يدعو له) فقد تمثل ذلك في الفنان د. طارق مندور الذي أخذ على عاتقه أن يجمع جانبا كبيرا، لا يزال مجهولا لكثير من الدارسين، من تراث والده، صدر منه الكتاب الذي نتناوله الآن، وكتابان آخران في مجلد واحد عن مكتبة الأسرة تحت عنوان "الصحافة وحريتها - الفنون ووحدتها"، وتنتظر كتب أخرى دورها للظهور منها كتاب يجمع أوراق إحدى عشرة قضية اتهم فيها د. مندور وكلها قضايا يعتز بها أي مناضل شريف ضد الفساد والعمالة، ومنها أيضا كتاب عن فن القصة سيصدر قريبا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. في حياتي أساتذة وزملاء يقع الكتاب في أربع وثمانين ومائة صفحة من القطع المتوسط، ويضم بين دفتيه إحدى وثلاثين مقالة تدور حول مناحٍ متعددة من عروض لكتب، أو ذكريات شخصية، أو تقديم لبعض الإصدارات الشعرية والنثرية، أو الحديث عن شخصيات قديمة وحديثة أو رثائه لبعضها، منها مثل حديثه عن أستاذيه السباعي بيومي، ومحمد هاشم عطية، وحديثه عن أستاذه طه حسين أول من وجهه إلى دراسة الآداب بعد أن كان متجها لدراسة الحقوق فقط.
ثم تأتي مقالاته وأحاديثه عن أساتذته المباشرين: أحمد لطفي السيد، واحمد أمين، وكذلك مقالاته عمن تأثر بشخصياتهم وأفكارهم من خلال كتاباتهم خاصة في بدايات تكوينه كابن خلدون، والمنفلوطي، وروسو، ومحمد حسين هيكل، وحسين عفيف المستشار، ثم تأثره أكبر التأثر ببركليس، وديموستين وما أنتجته خطبهما من تأثير في جماهير أثينا القديمة، ثم مرورا بأفكار تولوستوي، وبرتراند راسل، وبرنارد شو، واتيلا جوزيف.
ثم مقالات لمندور في رثاء معاصريه الذين قضوا قبله كسلامة موسى، ودريني خشبة، ومحمد صقر خفاجة، ورسلان البمبي، ومحمد كامل حسين، وبعض المقالات عن شخصيات وطنية كالشهيد جواد حسني، وإبراهيم فرج، وشخصيات إنسانية كواشنطن الزنجي، وأدبية مثل ملك عبدالعزيز، ومي زيادة، وتوفيق الحكيم، وإبراهيم المازني، وعبد الرحمن شكري.
وفي اعتقادي أن أهمية الكتاب هذا لا تنبع فقط من كونه يلقي الضوء على جانب هام من الجوانب المتعددة لدى ناقدنا الكبير وهو(فن المقالة)، بل تكمن أيضا فيما يثيره الكتاب من القضايا والتنبؤات ومنهجه في عرض الكتب والتراجم التي تؤكد جميعها الحس النقدي المرهف الذي تمتع به د. مندور.
فمن أهم القضايا: قضية الحرية والإيمان بالتطور التي عالجها في مقاله عن أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وكذلك القضية الأدبية التي مازالت مطروحة على الساحة النقدية (الشعر المنثور والنثر الشعري) أو ما اصطلح على تسميته بـ (قصيدة النثر) والتي تحدث عنها في مقالتيه: "نسمات من الشعر.. حسين عفيف"، و"مي زيادة.. والنثر الشعري".
وأيضا قضية اعتراف المجتمعات البشرية بأدبائها، كما في مقالة "المنفلوطي.. أديب تقدمي ثائر"، يقول في مقدمتها "يقولون عادة إن الناس يميتون الأدباء وهم أحياء ويحيونهم وهم أموات، بمعنى أن المجتمعات البشرية تمجد أدباءها بعد موتهم أكثر مما تمجدهم وهم أحياء."
أما عن أهم التنبؤات فقد تمثل في اكتشاف المواهب الشابة والتنبؤ بتألقها، كما في مقال "نسمات من الشعر.. حسين عفيف"، فبجانب أنه يعد في هذا المقال من أوائل النقاد الذين تحدثوا عن موهبة حسين عفيف وريادته لـ (الشعر الصافي المنثور) – على حد تعبيره - فإنه أيضا في هذا المقال تنبأ بموهبة شابة جديدة يقول تحت عنوان "براعم جديدة"، "وفيما أنا مشجو بأرغن الصديق حسين عفيف، جاءتني طالبة صغيرة في الثامنة عشرة في عمرها تطلب مني دقائق تطلعني فيها على إنتاجها الأدبي من قصص وأشعار، فاقتنصت هذه الفرصة لأؤكد التهمة التي يتهمني بها الأخ كامل الشناوي من أنني أحنو كأب على الشباب وأعطيت الفتاة موعدا بمنزلي حيث التقينا وسمعت منها قصة قصيرة قوية التصوير والإثارة، ثم أسمعتني بعض شعرها فراقني ما فيه من نضج في الشعور والتأمل وجمال التصوير رغم حداثة سن صاحبته الآنسة وفاء وجدي." ومع الأيام أثبتت الشاعرة وفاء وجدي مكانتها الشعرية والأدبية، وصدق الحس النقدي لدى د. مندور.
أما عن منهجه في "عرض الكتب والتراجم" فإنه لا يكتفي فقط بالحديث عن الكتاب وما يحتويه من موضوعات بل يتحدث أولا عن أثر الكتاب في نفسه وذكرياته معه أو مع مؤلفه كما نرى في مقالات "فلسفة المازني وحياته"، و"وادي الصدق أو غاية المعرفة"، و"نسمات الشعر .. حسين عفيف"، وثانيا يقدم ترجمة مركزة تارة ومستفيضة تارة أخرى لمؤلف الكتاب، وأخيرا يبين موقع الكتاب من المؤلفات الأخرى لمؤلفه أو موقعه من عصره.
إذن، فالكتاب بما جاء فيه يحتاج إلى قراءات أخرى ونظرات نقدية فاحصة بجانب هذه القراءة الأولى التي كان السبب الرئيسي فيها هو الإعجاب الشديد بالكاتب والكتاب والمكتوب، ويزيد من قدر هذه المقالات أنها تنتقل بنا بين مجالات الحياة المختلفة التي شملها جميعا اهتمام د. مندور وعنايته وإخلاصه.
ولقد كان من الخير أن تستخرج هذه المقالات من بطون الصحف والمجلات، إذ أن التراث الذي خلفه د. مندور جدير بأن تعتز به أمته وتفيد منه الأجيال المتعاقبة عبر السنين. حمادة هزاع ـ شاعر وناقد مصري Eslam_deen2000@yahoo.com