محمد مفتاح: النقاد الحقيقيون يعدون على رؤوس الأصابع

أبوظبي ـ من محمد الحمامصي
الأساس هو الموسيقى

يعد الناقد المغربي د. محمد مفتاح واحدا من النقاد العرب البارزين، على مدار مسيرته الحافلة بالإسهامات المهمة، قدم الكثير للنقد العربي على مستويي التنظير والتطبيق، اشتغل على التحليل، كما اشتغل على المصطلح والمفهوم، ليقدم عددا من الأطروحات التي أكسبت رؤاه وأفكاره خصوصية.

د. مفتاح الذي احتفت به العاصمة الإماراتية أبوظبي أخيرا حيث فاز بجائزة الشيخ زايد في النقد الأدبي، وأقيمت له أكثر من جلسة نقاشية بمعرض أبوظبي الدولي في دورته 21 المنعقدة الآن وحتى 20 مارس/آذار الجاري، من مواليد 1942 بالدار البيضاء بالمغرب، حاصل على الدكتوراه في الأدب عام 1981. عمل محاضرا وأستاذا جامعيا ولديه عضوية العديد من الهيئات والمنظمات.

وقبل حصوله على جائزة الشيخ زايد، نال د. محمد مفتاح عدة جوائز أهمها "جائزة المغرب الكبرى للكتاب في الآداب والفنون" عام 1987 و"جائزة المغرب الكبرى للكتاب" عام 1995، كما حاز على "جائزة سلطان بن علي العويس" عام 2004. وله عدة مؤلفات منها "جمع وتحقيق ديوان للسان الدين بن الخطيب السلماني الأندلسي" عام 1989 و"الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية" عام 1997 و"في سيمياء الشعر القديم" عام 1982 و"التلقي والتأويل مقاربة نسقية" عام 1994 و"مفاهيم موسعة لنظرية شعرية" عام 2010.

التقيناه على هامش معرض أبوظبي للكتاب وعقب تسلمه لجائزة الشيخ زايد وكان هذا الحوار:

** رد فعلي كان إيجابيا بل في غاية الإيجابية لأنها ـ الجائزة ـ تتيح لي الفرصة لمتابعة الأبحاث في الميدان الذي عشت أشتغل فيه، وهو ميدان جديد يستحق بذل مجهودات كبيرة لإنجاز أشياء ذات أهمية.

• لك مسيرة طويلة مع الأدب ونقده ومصطلحاته ومفاهيمه، هل لك أن تلقى الضوء على المحطات الرئيسية في هذه المسيرة؟

** ليكون الجواب مطابقا لجوابك، سأقتصر على ما ورد في سؤالك وهو مسألة المسيرة، ومسألة المفاهيم، صدر لي أول كتاب في الميدان عام 1981 بعنوان بعنوان "في سيمياء الشعر القديم"، وهو دراسة نظرية وتطبيقية على قصيدة أندلسية لأبي البقاء الرُّندي التي يقول في مطلعها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان ** فلا يغر بطيب العيش إنسان

وفي هذه القصيدة يتعرض الرندي للحروب التي كانت بين المسيحيين حينئذ، وعدد فيها المدن التي كانت تسقط بأيدي النصاري، فالقصيدة إذن استغاثة من المسلمين لإخوانهم لينصروهم.

فإذن مسيرتي مع المناهج الحديثة والمفاهيم ابتداء من هذا الكتاب، فإذا أردنا أن نحقب المسيرة من 1981 إلى 2011 سنقترح ما يلي، أولا المرحلة الشعرية الجمالية ويدخل فيها كتاب "سيمياء الشعر القديم"، وكتاب "تحليل الخطاب إستراتيجية التناص"، ثم "دينامية النص نظرية وتطبيق"، ثانيا المرحلة الثانية ويدخل فيها الاستئناس بما يسمى بالعلوم المعرفية ويعكسها كتب وجود البيان، والتلقي والتأويل مقاربة نسقية، وهنا التفكير بدأ يميل نحو استخراج الأنساق للثقافة والفكر، المرحلة الثالثة تركز على المفاهيم ومن كتبها المفاهيم معالي، التشابه والاختلاف، مشكاة المفاهيم، والمرحلة الرابعة حين ابتدأت الاستعانة بعلم الموسيقى، ويمثلها كتب الشعر وتناغم الكون، مفاهيم موسعة لنظرية شعرية" الفائز بجائزة الشيخ زايد.

هذه هي المراحل الأساسية، وهي كما نرى فيها اللسانيات والاستعانة بالموسيقى واقتباس بعض المفاهيم العلمية الخالصة، وتبقى مسألة تطرح عادة أن الناس يشتكون من أنهم يقرأون ولا يفهمون، وهنا يجب التنبيه إلى أن القراءة المفهومية ليست هي الكتابة العادية، إنها كتابة تحتاج إلى معرفة اللغة التي هي مفاهيم، وليست لغة عادية، فكما أن الرياضيات لها مفاهيمها، والفيزياء لها مفاهيمها، والكيمياء والطب و..، النقد الأدبي له مفاهيمه، إذن إذا لم تفهم المفاهيم لا يمكن أن يفهم أي شيء، أما ما يقال إنه نقد، ذلك ليس نقدا، وإذا ما كان يمكن أن نسميه، "ما قبل النقد" أي أن الإنسان يقرأ قصيدة يستجيب لها ويعبر بلغة كيفما اتفق، لكن "ما بعد النقد" يعني أنه عندما يقع التحليل وينتهي منه، يأتي هذا الباحث أو ذاك ليصوغ في جمل مركزة.

لا يمكن فهم الكتب إلا بفهم المفاهيم الموظفة، هذا هو المقصود.

• لكن حتى بعض الكتاب والمثقفين ومنهم نقاد انتقدوك في مسألة صعوبة المصطلحات التي تستخدمها وكثرته؟

** كله تدعو إليه الضرورة، إنني أعتمد على السيميائيات، أو السيميولوجي، أو السيميوتيقا، هي مزيج مركب، منهاجية مركبة منذ نشأتها، فيها المنطلق، والرياضيات، علم النفس، الأنثربولوجيا، والمؤسسون لهذه المفاهيم سواء في أميركا أو أوروبا، كانوا أحيانا يلجأون إلى نحت المصطلحات، حتى أن قراء اللغة الفرنسية أو الإنجليزية نفسها لا يفهمون تلك المفردات، لإنها منحوتة.

إذن هناك مسألة المفاهيم، أما أن نأخذها بمفهوم علمي ونوسع أو ننقص منها، لا يمكن يؤخذ على حرفيته، مثلا عندما نأخذ "التحويل" تجدها في الرياضيات والبيولوجيا، الموسيقى، الأدب، في ميادين مختلفة، من هنا لتوظيفها في الميدان الذي أشتغل فيه يجب تكييفها معه، وإذا لم أقم بعملية التكييف هذه فسأكون قد أسقط المفهوم العلمي كما هو على النص الأدبي وهذا يؤدي إلى أخطاء، كما أن بعض المفاهيم حينما تنقل حرفيا من ميدان إلى ميدان تؤدي إلى أخطاء، مثلا نظرية الفوضى الخلاقة، الشائعة الآن سياسيا، من أين جاءت، من النظرية العمائية أو الفوضوية وهي في ميدان العلوم والطبيعة، فنقلت حرفيا إلى ميدان السياسة، فأدت إلى هذه الكوارث.

من هنا لا بد أن يكيف المفهوم بحسب الميدان، مثلا "الخلية" هي في البيولوجيا، ولكن تستعمل أيضا في ميدان السياسة، والموسيقى، والأدب، الأمر الذي يعني أن هناك مفاهيم تعمل عمل الرحالة، لذا حين تنقل من ميدان إلى ميدان لا بد أن تكيف، وعملية التكييف إما أن تزيد فيها وتضيف إليها عناصر أخرى، أو تنقص منها، لتلائمه.

هذا من ناحية ومن أخرى يمكن اللجوء إلى النحت، مثلا، في كتابي الفائز هناك القصيدة المعاصرة تجد البياض وتجد السواد، وهما شيئان متلازمان، فللاقتصاد والتعبير بدقة يجب نحت "السوادضى"، أيضا موسيقى الشعر حينما لا تستطيع الفصل بينهما في قصائد معينة "شعرسيقى"/ الشعر والموسيقى، أيضا الصوت والصمت في القصيدة، لا أقل الصوت والصمت ولكن "الصومته"، إذن هي عملية مفاهيم، والمفاهيم هي المفاصل، والأدلة التي ترشدك وتبين لك أين تقف أو تسير، ولذلك هي ليست عملية عبثية أو عشوائية، من يتنكر للمفاهيم يتنكر للبحث العملي.

• وفقا لهذه الرؤية كيف ترى النقد الأدبي في عالمنا العربي؟

** دون تجن على الناس، النقاد بمعنى الكلمة قد يعدون على روؤس الأصابع، لماذا؟ لأن الناقد يجب ـ كما قلت ـ أن يكون له بعض الإلمام بالمفاهيم العلمية واللسانية، وحين نقول المفاهيم العلمية قد نستعمل مفاهيم بيولوجية، مثلا حين ما نقول تناسل نصي، ونمو، أكون أتحدث عن النص كجسد، ككائن حي، حينما نقول دينامية النص، أكون حينئذ كأنني أتحدث عن ظاهرة فيزيائية، ومعنى هذا أن الاكتفاء بالكتب القديمة ومفاهيم الكتب القديمة، وباللغة الطبيعية العادية التي يعبر بها فهذا ليس نقدا.

إن النقد هو علم من العلوم مستقل بذاته، فالشاعر يقول قصيدته، والناقد يقول قولها بحيث لا تكون القصيدة إلا مؤشرا، مؤشر / علامة يترك لك الحرية لبناء عالم خاص، يجب أن يكون مؤسسا على افتراضات وتمحيصات وتطبيقات وفكر وفلسفة وتوجه، فالناقد الحقيقي لا يهتم بالنص الشعري لأجل النص الشعري، أو اللغة لأجل اللغة، وإنما يكون يحمل وجهة نظر معينة، وليكون كلامي أوضح مثلا هناك يقول بنظرية الفوضى الخلاقة أو العماء أو الفوضى، وهناك من يقول بالانتظام، وبالنسبة لي أنا حينما أحلل أركز على الانتظام لماذا؟ لأنني أنا ومجتمعي بحاجة انتظام، لأتنبأ وأعرف أين أتجه.

• اهتم النقد العربي في فترات بالمنقول عن المدارس النقدية الغربية التي قد لا تصلح للتطبيق على الأدب العربي؟

** هذا أيضا من الأغلوطات، ماذا جسديا هل بيننا وبين الإنسان اختلاف؟ هل هو له أربع أعين وأنا لي عينان فقط، الجواب أن البشر بشر أينما كان، هذا معطى أول، المعطى الثاني أن ما نقول إنه معطى نقد غربي، هذا نقد عربي، لأن أسس البلاغة والمنطق مشتركة بيننا، نحن ورثة ما يستخدم هناك، لنا الحق في ذلك، لأن هذه الثقافة التي نتحدث عنها تنتمي إلى البابليين والآشوريين والمصريين والإغريق والروم، أي هذا المجال الذي نسميه في اختزال مجال البحر الأبيض المتوسط، وهذا يعني أنه لا فرق، تلك المفاهيم التي جمدت عندنا وجدت تربة خصة عندهم فطوروا، فإذن يجب رفض العرقية، والإيمان بالكليات البشرية، لا فرق بينك وبين الصيني والأميركي أو غيره، مع بعض الاحتياط أن أقصى آسيا له بعض الخصوصيات، لكن الثقافة السائدة ما هي، هي ثقافة هذا المجال الذي نعيش فيه، ثقافة الإقليم الثالث والرابع والخامس، وخصوصا الإقليم الرابع في الجغرافيا القديمة، يعني الشام والجزيرة العربية والقدس مركز العالم القديمة، هذه هي في الحقيقة الثقافة العالمية، في حين أن ثقافة آسيا القصوى لم تكن تعرف المنطق الأرسطي ولا تعرف نظرية العناصر الأربعة.

إذن حين نقول هذا غربي وهذا شرقي، هذه أغلوطة، هذا كأننا نقول هذا نقد عراقي وهذا نقد سوري .. و ..، تجد بعض خصوصيات، ولكن من حيث العمق هناك وحدة واحدة لنواة مماثلة؟

• بدأت بالشعر وانتهيت إلى الشعر، كيف ترى حركة الشعر الآن في ظل المتغيرات التي طالته تطورا وتجديدا؟

** المتغيرات هي التي جعلتني أؤلف هذا الكتاب الذي نال الجائزة، عنوان الكتاب "مفاهيم موسعة لنظرية شعرية"، و"شعرية" هنا يدخل فيها الموزون وغير الموزون، وأصدقك القول إن أي شخص يكتب على كتاب "شعر"، لا يهمني محتواه فأقول إنه شعر، كما قلت، الشاعر يقول كلمته وعليّ أنا أن أتولى ذلك العمل، لذلك لماذا التجأت إلى الموسيقى؟ لأعالج مثل هذه النصوص التي تقال الآن، والتي يرفضها النقاد، لكي أقول إنه لا أساس من صحة ما يقال من إن هذه قصيدة نثر، وهذه قصيدة موزونة، وهذه تفعيلية، وأن الأساس في كل ذلك هو الموسيقى، اللغة التي أتحدث بها إليك الآن فيها موسيقى، وليس هذا مجرد افتراض وإنما تثبته الدراسات التشريحية الدماغية القائمة على علم العصب، فباحة الموسيقى رغم أنه يقال إنها في الجهة اليمنى، لكننا نجدها متسربة في الدماغ ككل، الجنين في بطن أمه يستجيب لصوت أمه ولأغانيها وللمحيطين بها، هناك معطى ميتافيزيقي، حيث تقول بعض الأطروحات إن العالم هو قائم على الأعداد والنغم، طرح آخر يجعل الاتصال بين العالم العلوي والعالم السفلي يتم بالموسيقى، ولا أدل على ذلك من أن أكبر المستشفيات في العالم تعالج بعض الأمراض المستعصية الآن بالموسيقى، بل بدأ العلاج بالشعر، وكل هذا يعني وجود القطيعة مع المفاهيم المكرورة دون وعي والانخراط في العالم المعاصر عمومه واكتشافاته.