محمد عزيز نظمي سالم .. عاشق الفلسفة والأدب

دراسات ومذاهب

طوال فترة الثمانينيات، من القرن الماضي، كانت تعقد في العاشرة من مساء كل خميس، ندوة أطلق عليها "ندوة الرصيف" لأنها كانت تقام على رصيف مطابع جريدة السفير بعد أن تفرغ أسرة التحرير برئاسة مصطفى شرف من عملها، وتعد الندوة في مواجهة مقهى "سعيد" الشهير بشارع الصحافة بالمنشية، والتي ينشغل نادلها قرب حلول موعد الندوة بتجهيز الشيشة "التمباك" والمشروبات الساخنة لروادها، وهم كثر، ومنهم قليل على قيد الحياة ـ أمده الله بالعمر المديد، وهم: ، والأديب أحمد خضر، والشاعر خالد يوسف، والشاعر أحمد شاهر، ومن الراحلين الشعراء أحمد على السمره, عبدالعليم القبانى، محمود العتريس ادوار حنا سعد، عبدالمنعم الأنصاري، والفنان منير سالم، ومن الأساتذة الدكاترة محمد علي أبو ريان, حسن الشرقاوى, ممدوح العربي، ومحمد عزيز نظمي سالم.

ولهذه الندوة طقوس مزاجية طيبة وثرية، إنسانيا وثقافيا، فهي تبدأ بتبليغ نادل مقهى سعيد برغبة الحضور في أنواع المشروبات أثناء السهرة التي تمتد من العاشرة مساء وحتَّى الواحدة صباح اليوم التالي، ثم يتبع ذلك السؤال والاستفسار عن الصحة والأحوال للحاضر والغائب ثم الإحاطة بأهم الأخبار في مختلف المجالات خلال الأسبوع السالف، ثم يعقب ذلك الحديث في موضوع واحد متخصص في مجال إبداعي ما، فتارة يحدثنا د. حسن الشرقاوي عن الطب النبوي، وتارة يحدثنا د. أبو ريان عن المذاهب الفلسفية المعاصرة، وأخرى يحدثنا الشاعر أحمد علي السمره عن الشيخ زكريا أحمد والسمات الإبداعية في موسيقاه وألحانه، وكثيرا ما كان أ. مصطفى شرف يخبرنا بالمواضيع التي ينشغل بها العالم اليوم، وسوف تحدد خطى مستقبلية.

وما أجمل المداخلات والتعليقات والإضافات، وأنا أستمع، ثم أستمع، ثم أستمع، وهو ما دلني عليه ونصحني به أستاذي الشاعر الكبير الراحل أحمد علي السمره، الذي كان له الفضل في اصطحابي إلى هذه الندوة التي لا يصرح بحضورها إلا لذوي الصداقة والصلات الإنسانية الطيبة بروادها، فهي تعقد في الهواء الطلق للترويح عن نفوس المشاركين فيها خارج إطار المؤسسات الرسمية وقوانينها سواء كانت قصور ثقافية أو مراكز إبداعية وشبابية.

ومن رموز هذه الندوة والنبضة الباسمة فيها الأستاذ الدكتور محمد عزيز نظمى سالم صاحب الوجه الأبيض المبتسم دائما ـ والقلب المتسامح يثور قليلا ويهدأ من كلمة طيبة لم تشعر في لقائه بغير تواضع الأستاذ الصديق للكبير وللصغير.

ولد محمد عزيز نظمي سالم في الإسكندرية في الثاني عشر من مايو/آيار عام 1938، وحصل على ليسانس آداب واجتماع ـ جامعة الإسكندرية عام 1960, ثم عين في مديرية الأمن الجنائي كخبير نفسي في مصلحة السجون عام 1961، ثم حصل على الماجستير في الآداب عام 1973، وعلى الدكتوراه بمرتبة الشرف عام 1983، وقد منحته إياها جامعة الإسكندرية ـ كلية الآداب ـ قسم الفلسفة وموضوعها "القيم الجمالية لمنجزات الفن المعاصر"، ويتحدد مضمونها في دراسة نقدية لفكرة الالتزام الديني والأخلاقي في منجزات الفن التشكيلى المعاصر.

وقد عُين سالم مدرسا بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الزقازيق فرع بنها وتدرج في وظائفها حتى أستاذا بقسم الفلسفة ورئيسا لهذا القسم عام 1997، وقد اشتهر د. محمد عزيز نظمي سالم، بطباعه الاجتماعية وعلاقاته العديدة في الإسكندرية وخارجها؛ فهو أحد المشاركين البارزين في المؤتمرات الأدبية والثقافية في مختلف محافظات مصر، ومنها مؤتمر أعلام دمياط الذي كان يحرص على المشاركة فيه بالبحث العلمي سنويا وسط كوكبة بارزة من مبدعي مصر وعلمائها.

وتعددت إصدارات د. عزيز نظمي الإبداعية في مجال الفلسفة والثقافة العامة والآداب ومن أهم مطبوعاته الصادرة:

1ـ القيم الجمالية والفن المعاصر, دراسة نقدية لفكرة الالتزام الديني والخلق (رسالته في الدكتوراه)

2ـ الإبداع الفني بين الحدس والصورة والتعبير (رسالته في الماجستير)

3ـ الإسلام في مواجهة المذاهب الغربية.

4ـ دراسات ومذاهب

5ـ الثقافة والعقيدة الإسلامية

6ـ المدخل في الدراسات الإسلامية للعلوم الشرقية والقرآنية

7ـ المنطق الحديث وفلسفة العلوم والمناهج

8ـ المنطق وأشكاله

9ـ تاريخ المنطق عند العرب

10ـ المدخل إلى الدراسات الإسلامية والمنهج الأصولى الإسلامي للرد على البابية والبهائية والقادينية.

11ـ الفكر السياسي في الإسلام

12ـ قراءات في علم الجمال حول الاستطيقا النظرية والتطبيقية.

هذا بالإضافة إلى ثلاثة دواوين شعرية منها: "تهويمات في أفق الشعر"، "أقتلنى حبا".

ولا ينكر دوره المؤثر في إثراء الحركة الأدبية بالإسكندرية كناقد أدبي قدم العشرات من الأعمال الإبداعية بدراسات أدبية نقدية جادة، ولم يألُ جهدا في رعاية النشء من الأدباء والمبدعين طوال وجوده كمستشار ثقافي لنادي الأدب بقصر ثقافة الأنفوشي.

وللدكتور محمد عزيز نظمى سالم، تاريخ حافل في تأسيس الجمعيات الثقافية غير الحكومية وتفعيل دورها منذ جماعة نشر الثقافة، وفي هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية كمستشار أدبي لها، وقد منحته الهيئة في عام 1998 درع التقدير لدوره الرائد الملموس في إثراء حركة الثقافة في الإسكندرية، وسلمه الدرع الأستاذ الدكتور محمد زكريا عنانى ـ رئيس الهيئة ـ وسط حفاوة كل الحضور.

وقد اتسم في حياته بمثابرته على المشاركة الثقافية والإبداعية، ولم يحل مرضه الشديد ـ في سنوات عمره الأخيرة ـ دون مواظبته على ممارسة دوره الفعال في الأمسيات الثفافية أو إلقاء المحاضرات بقسم الفلسفة بآداب بنها.

ولعل أهم سماته، هو ذكره الدائم بالفضل لأساتذته ودورهم في حياته وهم أ. د. محمد علي أبو ريان، والشاعر أحمد علي السمرة، و(بابا) يوسف فهمي الجزايرلى، هكذا كان يذكره بنينا.

وفي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول عام 2002 رحل عن دنيانا متأثرا بآلام هذا المرض الخبيث، ودفن بمقابر المنارة بالشاطبي والدموع تنهمر من عيون أرملته وبناته الثلاث: د. رانيا، والمهندسة هديل، وريهام، بينما كان كبار مبدعي الإسكندرية يرددون في إبتسامة إيمانية: "رحم الله د. عزيز لقد كان رجلا عزيزا طيبا معطاء".