محمد عبلة يُجمّل الفوضى

بقلم: كرم نعمة
القبح بألوان حانية

يعترف الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة بأن معالم الفوضى تضيع بينما نحن في داخلها، في الوقت نفسه الذي يطالب به عين مشاهد لوحات معرضه الاخير، الابتعاد عن الاعمال المعروضة قليلاً حتى تكتمل الرؤية! وفقا لكلمته في المطوى.
كان موفقاً في اختيار (المتاهة) اسماً لمعرضه الشخصي، وهي المعادل الموضوعي (للفوضى) والواجهات المشوهة والمناخ الموبوء والاضواء المؤذية والذائقة البصرية التي تكيفت مع القبح.
فهل تجميل القبح في حزمة من ألوان يبعث على دلالة معينة؟
يبدو ان دلالة هذا المعرض لفنان يعد من بين الاسماء المؤثرة في المشهد التشكيلي المصري، غير دلالة الاشارة الى القبح المتفاقم والذي جعل من مدينة القاهرة علبة كونكريتية خانقة ومليئة بكل التناقضات المعمارية.
يعتقد الفنان محمد عبلة ان اعمال معرضه تحمل خدعة وحيلة في آن واحد!! يقول مخاطباً عين المشاهد: "كلما اقتربت منها أخذتك الى داخلها... عالم من البقع واللمسات والخطوط التجريدية الخالصة، التي لاتفصح عن شيء محدد ولا توحي بأي معان ملموسة".

ويستدرك بقوله: "كلما ابتعدت قليلاً.. قليلاً تظهر لك معالمها شوارع وميادين وبشر في تدافع وصخب، بيوت وأسواق وطرقات وحواري... حالة من البهجة والمرح".
هي متاهة المدينة حسب تعبيرية الرسام وليست ريشته، أوالحياة أو الروج أو العالم باسره، طالما نحن في داخلها كلما ضاعت منا معالمها!
نحتاج حسب رؤية الفنان محمد عبلة، الى تلك المسافة حتى نراها، وربما تزداد الرؤية وضوحاً اذا أغمضنا عيوننا قليلاً.
ومشروع هذه الاعمال التي عرضت في قاعة الزمالك للفن، وتسنى لنا مشاهدتها، بدأت مع الفنان عبلة منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كان يصعد الى أعلى برج القاهرة وكل ما يتاح له من مبان عالية كي يسبح على امتداد المدينة وهي تموج بالحركة واللون والضوء.
ويرسم محمد عبلة متاهة المدينة وهو في رحلة البحث عن متاهته الخاصة بين الاقتراب والبعد والتجريد والواقع.
فهل هذه اللوحات التي تفاوت حجمها وتقارب موضوعها وكأنها لوحة واحدة مقطعة الى أجزاء تمثل متاهة الفنان أم المدينة؟
متاهة الفنان إحساس عميق تعيد المتابع لاعمال عبلة السابقة وهي ترسم المصري في الطرقات يبحث عن رزقه بوجوه بلا ملامح، مجرد مساحة سوداء، وبهيئة معتدة بنفسها ومكتفية بذاتها.
متاهة الفنان تعبير خاص يجذب العين له وقد يتآسى القلب له، المتاهة الذاتية محملة بالأسى والتساءل والغموض...وهي في كل الاحوال غير (متاهة) المدينة التي يصفها وليم بليك باغلال العقد المصفد، التي مزجها عبلة بمتاهته الشخصية.
متاهة المدينة هي القبح الذي يشوهها، ولا تمت بصلة لمتاهة الانسان، لان متاهته نتاج حساسية عالية، أما قبح المدينة وفوضويتها فلا تمتلك من الحساسية شيئاً.
فهل حاول عبلة تجميل القبح؟
ان المطل على القاهرة من أي مبنى عال يتحسس بلا أدنى وجل أصابع الفوضى التي تطوق عنقها وتحرمها من الهواء النقي، والمتجول في أروقتها يشعر كم من المصدات تمنعه من التعرف على طريقه، حتى النهر غابت ملامحه وبات غريباً عن مائه انه تحت وطأة بناء عشوائي يكاد يسقط عليه وتخطيط لايمت للفضاءات المفتوحة بصلة، الجسور تتراكم فوق بعضها بعضاً بمساحات ضيقة بلا أي لمسة جمال، ولو تسنى للعين ان تعبّر عن تأثرها أزاء الواجهات المشوهة للذائقة البصرية كما تفعل الأذن عندما تسمع صوتاً عالياً ومزعجاً، لكانت القاهرة قد غرقت بدمع أهلها الطيبين!
فماذا رسم لنا محمد عبلة؟ انه كما يبدو يحتفي بالفوضى والواجهات المشوهة بألوان متفائلة تلتقي بحميمية رائقة وبتعبيرية ذكية وسيطرة فرشاة خبرت حركتها.
فهل بمقدور البراعة التشكيلية ان تجّمل ماهو قبيح ومؤذ للذائقة البصرية حسب تعبير رولاند بارت؟
الاشراق في هذه اللوحات يبدو أجمل كلما اتسعت مساحة اللوحة، إنه اشراق المساحة القبيحة، وبراعة الفنان تنجح في صياغة فضاء اللوحة كلما صغر حجمها، حتى ان المتابع يرى ان محمد عبلة قد كرر بعض المشاهد التي رسمها في أكثر من لوحة وبحجم مختلف، ربما ليرينا قدرته على أختصار وتوسيع المشهد نفسه، لكن كيف استطاعت ذائقته التشكيلية ان ترى كل هذه الطرقات والغبار والرائحة الراكدة والاضواء المشتتة، بجمالية باهرة؟ كيف تحول المعمار الذي ينم عن بدائية ساذجة، الى تناسق لوني رائع؟ بل كيف صمدت ريشته وهي ترسم المدينة التي تخنقه كل يوم ولاتبعث في عينه أي مسرة ولا راحة نفس في قلبه، بطريقة باهرة يعترف هو انها "خدعة وحيلة".
ان اعتراف الفنان التشكيلي محمد عبلة بان معالم الفوضى تضيع بينما نحن في داخلها، يمنحنا الحق في استنتاج أنه لم يتأذ من الفوضى التي يعيشها في المدينة التي تتنفس بصعوبة بالغة الامر الذي جعله يرسم أساه ومتاهته الذاتية بجمالية مشرقة وهو يتأمل القاهرة من أعلى، المدينة التي تسلب العمر بطيئاً.
وعبلة الذي سبق وان أعلن انتسابه للجمال في نستولوجيا تشكيلية حولت الصور المألوفة الى تعابير هائلة، وقع في فخ شخّصه بنفسه، عندما لم يكشف القبح الذي يغطي المدينة، وجمّله بطريقة بارعة وخادعة ومحملة بالحيرة.